إسلاميو تونس من احتكار النطق باسم الله إلى الاستئثار بالمال الفاسد

النهضة تشعر بتمكنها من الحكم ولذلك تراهن على جعل المشهد بمثابة "ناد صغير" لا تقبل فيه أي وافد إلا إذا كان على مقاسها.
الجمعة 2019/06/21
لا مكان إلا للحلفاء

تونس - تم في تونس مؤخرا إجراء تعديلات مثيرة للجدل على قانون الانتخابات. وقيل على ألسنة قيادات الائتلاف الحاكم وتحديدا حركة النهضة الإسلامية وحزب تحيا تونس إن التعديلات هي بمثابة محصّن للديمقراطية التونسية من الانحرافات وخاصة من المال السياسي الفاسد المتأتي من الجمعيات المشبوهة والعمل الخيري.

هذا الإجراء القانوني الممزوج بجرعة سياسية في توقيته ومقاصده، كان سيمثّل إنجازا يمتّن الديمقراطية لو لم يتعمّد المدافعون عنه صياغة قانون إقصائي هدفه قصّ أجنحة خصوم سياسيين صاعدين في استطلاعات رأي متواترة تسبق الانتخابات القادمة.

حتى وإن صدّق الجميع رواية قيادات الائتلاف الحاكم لدى تقديم مبررّاتهم للمصادقة على قانون جدالي قبيل أشهر قليلة من الانتخابات، فإن كل ذلك لا يحجب الطعنات المضّمنة بالقانون المذكور والمتعمّدة خاصة من قبل النهضة الإسلامية التي تريد النجاح في احتكار عرش الحكم بعد أن احتكرت طيلة تاريخها وخاصة بعد ثورة يناير 2011 النطق باسم الله، لكن هذه المرة على قاعدة الاستحواذ على أهم الأسلحة الدعائية أي العمل الخيري وهو في الأصل فعل متأصل في صميم أدبيات الإخوان المسلمين.

يقول زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي قبيل أيام قليلة من المصادقة على التعديلات المضمنة بالقانون الانتخابي “يجب الفصل بين العمل الخيري والسياسي وما حصل هو نوع من التحيّل على الديمقراطية”، ويقصد هنا نبيل القروي صاحب قناة تلفزيونية محلّية تصدر استطلاعات الرأي في نوايا التصويت للرئاسية عقب لعبه نفس أوراق الإسلاميين القائمة على العمل الخيري.

يواصل إسلاميو تونس تعمّد الوقوع في ازدواجية خطاباتهم بعدما جدّد المكتب التنفيذي للنهضة رفضه ما اعتبره ضربا من ضروب التحيلّ توظفه بعض الأطراف السياسية عبر العمل الجمعياتي أو الديني في العمل السياسي.

هذا الموقف كان سيمّثل نقطة نوعية تجعل خصوم النهضة، يصدّقون أن الحركة فصلت بين الدعوي والسياسي، لكن كل هذا كان سيقع لو كانت التعديلات مُحتكمة إلى مفعول رجعي ينعكس على كل السنوات التي تلت الثورة وليس تحديدها بعام فقط قبل الانتخابات.

بالرجوع قليلا إلى الوراء، يُفضي إمعان بسيط في كل الحملات الانتخابية للنهضة أنها كانت تركّز على فعلين أساسيين وهما: أولا، احتكار النطق باسم الله في المساجد لخدمة أجنداتها السياسية ما وصل ببعض الأئمة إلى أن يسقطوا في انتخابات 2011 أو 2014 في فخ التحريض على خصوم الحركة من اليساريين أو العلمانيين، ثانيا الإمعان في التحيّل على الناخبين عبر نشر أخطبوط العمل الخيري الذي كان قوامه جمعيات قال فيها القانون التونسي في أكثر من مرة إنها مشبوهة وإنها تتلقى أموالا قطرية وتركية ومنها جمعية قطر الخيرية فرع تونس والتي تمت مقاضاتها من قبل الحكومة التونسية في عام 2017.

كل هذه الحكم التي أصدرتها قيادات حركة النهضة، تتنافى أيضا بصفة تامة مع ممارسات سابقة لها في دعايتها السياسية القائمة على الهدايا والمساعدات تحت عناوين مختلفة، لكن الهدف واحد وهو الاستقطاب السياسي في ظرفيات معينة وخاصة المناسبات الدينية كشهر رمضان أو الأعياد.

إلى حدود وقت غير بعيد وتحديدا خلال شهر رمضان الماضي كانت جل قيادات النهضة تتناقل متباهية على صفحاتها في مواقع التواصل الاجتماعي صور المساعدات التي وزّعتها جمعية “تيكا” التركية، إذن كيف يمكن لعاقل أن يصدّق النهضة اليوم وإمعانها الالتحاف بعباءة المدافع عن نزاهة الانتخابات والرافض للمال السياسي الفاسد؟

حتى عند محاولة تصديق مبررات قيادات النهضة التي دائما ما تصنف ما تجابه به من دلالات في خانة الحقد الأيديولوجي، فإنه في المقابل ليس بإمكانها مهما نوّعت من تبريراتها تكذيب تقرير محكمة المحاسبات وهي أعلى هيكل قضائي مالي في تونس الذي أصدر في  أبريل الماضي تقريرا صادما عن تفشي المال السياسي الفاسد في تونس وخاصة خلال الحملات الانتخابية.

 لقد أكّد تقرير محكمة المحاسبات المذكور أنه رصد سوء تصرف وتمويلات مشبوهة في الحملات الانتخابية لحركة النهضة وتحديدا بين عامي 2016 و2018، والأغرب من ذلك أن التقرير ذاته تحدث أيضا عن أن وصولات التبرّع لفائدة النهضة تضمّنت هويّات 68 متبرّعا، بيّنت في ما بعد سجلاّت الحالة المدنية أنهم متوفون، ومنهم 25 شخصا تراوحت تواريخ وفاتهم بين 3 سنوات و11 سنة قبل موعد التبرّع.

رصد كل هذه التواريخ والممارسات لحركة النهضة لا يكفي لوحده لتفنيد روايتها القائمة على وجوب تنقية المناخ الديمقراطي، فالسؤال الملح الآن في ينحصر تحديدا في ما يلي: هل سيغيب سلاح العمل الخيري عن حملات النهضة في انتخابات أكتوبر ونوفمبر القادمين إن تم إجراؤهما في موعدهما بطبيعة الحال؟

توضيح هذا السؤال تورّطت في الإجابة عنه نيابة عن النهضة قيادات من حزب تحيا تونس ، باكتفائها فقط على التأكيد بأن الدولة قوية وستمنع كل من يخالف القانون وفق ما ذكر النائب بالبرلمان عن حزب تحيا تونس وليد جلاد، لكن كل هذه المسوغات لم تقنع أكثر العارفين بخبايا المشهد السياسي الذين يتشبّثون في المقابل، بفتح كل الملفات والقضايا المرفوعة بحركة النهضة في ما يتعلق بتمويلاتها للتأكد من حسن نوايا الحكومة والسند السياسي الداعم لها.

بعد وجود كل هذه الأدلة المنطقية وحتى القانونية، يطرح السؤال ما الذي يجعل النهضة تلعب هذه الورقة التي قد تحرق أحد أهم أسلحتها الانتخابية؟ هذا السؤال قد لا يحتمل إجابة أو اثنتين بل إجابة واحدة وهي أن النهضة تشعر بتمكنها من الحكم ولذلك تراهن على الخطوة الموالية الكامنة في جعل المشهد السياسي بمثابة “ناد صغير” لا تقبل فيه أي وافد أو منتدب جديد إلا إذا كان على مقاسها.

13