إسلاميو تونس يتجملون بخطاب الشراكة والمصالحة

الأحد 2015/02/15
التونسيون يتخوفون من اختراق الإسلاميين للمؤسسات السيادية في البلاد

تونس – أعاد إعلان الحكومة الجديدة في تونس صراع الهوية إلى الواجهة بعد أن دفعت توازنات داخلية وخارجية حزب نداء تونس إلى الاستنجاد بحركة النهضة ولو بتمثيل رمزي للحصول على تزكية الحكومة في البرلمان.

أثار وجود حركة النهضة، ذات الخلفية الإخوانية، في الحكومة التونسية الجديدة، موجة رفض داخل حزب نداء تونس، صاحب الأغلبية البرلمانية، وخارجه خاصة من القوى والجمعيات المدنية والحقوقية التي خاضت حملات إعلامية وسياسية ساهمت إلى حد كبير في فوزه بالانتخابات التشريعية على حساب حركة النهضة. وقامت هذه الحملات على الدفاع عن هوية تونس وصورتها الحديثة التي عرفتها مع الدولة الوطنية (1956/2011)، في مقابل مشروع مضاد يسعى لإلغاء قيم الحداثة والتطوير والالتفاف على المكاسب.

وما إن أعلن الحبيب الصيد عن التشكيل الحكومي، الذي يضم وزيرا من النهضة وثلاثة كتّاب دولة، حتى ارتفعت أصوات الذين ساندوا نداء تونس والرئيس الباجي قائد السبسي في الوصول إلى السلطة مطالبين بفك أي ارتباط مع حركة النهضة داخل الحكومة أو في البرلمان، لافتين إلى أن الزيجة الحكومية فيها خيانة لا يرقى إليها شكّ لحملة دامت أكثر من سنة كان هدفها الأول إسقاط النهضة من الحكم واستعادة تونس لهويتها المنفتحة والمتسامحة.

وقال مهدي عبدالجواد، القيادي بنداء تونس: “أنا ضد تمثيل حركة النهضة في الحكومة”، واعتبر مشاركتها “عملية غش انتخابي، والذين يُدافعون على تمثيليتها في الحكم خونة للوعود الانتخابية للنداء”. وأضاف أن “مشروعنا ومشروع النهضة نقيضان، و(أن) إدارة التفاوض مع النهضة كانت خاطئة”. واعتبر عبدالجواد، وهو محسوب على الشق اليساري في الحزب الحاكم، أنه “كان يُفترض أن نتفاوض على جوهر الحركة الإسلامية، هويتها وطبيعة علاقتها بالإخوان المسلمين وبالإرهاب وبمرجعيّاتها”.


اختراق المؤسسات الأمنية


بدا راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة، حريصا، في حوار أجراه مؤخّرا مع قناة نسمة، على نفي أي صلة بالتنظيم الدولي للإخوان وأن حركته تونسية مئة بالمئة. وواضح أن هذا النفي محاولة لتبديد الشكّوك التي توسّعت دائرتها حول علاقة الحركة بالإخوان ليس فقط كتنظيم وإنما كثقافة وسلوك تنظيمي سري.

دخول حركة النهضة للحكومة لن يترك المجال لفتح ملفات المحاسبة ومراجعة التعيينات والكشف عن حقيقة الاغتيالات

والانتماء للتنظيم الدولي ثابت من بوابة العضوية في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الذي يديره الشيخ يوسف القرضاوي، وهو يُعدّ الغنوشي لخلافته بتزكية من قيادات إخوانية دولية، ولا يمكن أن يحوز رئيس حركة النهضة ثقة هؤلاء لو لم يكن قياديا من الصف الأول وأحد مهندسي خطط وسياسات التنظيم الدولي.

وما يثير مخاوف جانب واسع من قيادات نداء تونس والمنظمات المدنية والحقوقية التي ساندت وصول الباجي قائد السبسي إلى الرئاسة، أن حركة النهضة التي تسللت إلى الحكومة مستفيدة من دعم جهات غربية لن تتوانى في تنفيذ ما عجزت عن تحقيقه خلال فترة حكمها، وأن لا أحد قادر على وقف تمدد الأخطبوط الإخواني صلب الدولة، وخاصة الأجهزة الحساسة مثل الأمن والجيش.

ومن المهم الإشارة إلى أن إخوان تونس يسعون للسيطرة على المؤسسات التي تضمن التحكم في الدولة، مثلما حصل سابقا، حيث نجحت الدولة في 1987 و1990 في إفشال محاولتي انقلاب تقف وراءهما مجموعات أمنية على صلة بالنهضة وإن تبرأت منها لاحقا.

وخلال ثلاث سنوات من الحكم تولّت القيادة زرع مئات من العناصر في أجهزة مختلفة خاصة في وزارة الداخلية، وهو ما فجّرته فضيحة الأمن الموازي المتهم بإدارة شبكات إرهابية تقف وراء اغتيال المعارضين شكري بلعيد ومحمد البراهمي. وهو ما جعل القيادية في نداء تونس سعيدة قراش، وأحد العناصر اليسارية البارزة، تؤكد أن دخول حركة النهضة للحكومة لن يترك المجال لفتح ملفات المحاسبة ومراجعة التعيينات والكشف عن حقيقة الاغتيالات.

ويتخوف التونسيون من اختراق المؤسسة العسكرية من الإسلاميين خاصة بعد تسريب شريط فيديو للغنوشي، وهو يحادث مجموعة سلفية، ويقول إن مؤسسة الجيش غير مضمونة. وطال خيار الأخونة الذي اعتمدته النهضة مختلف المؤسسات التي تم إغراقها بسجناء النهضة السابقين، وبقيادييها الهاربين إلى الخارج، فضلا عن أقارب قيادييها وعناصرها الفاعلية أو الذين تقربوا منها طيلة ثلاث سنوات من الحكم.

الإسلاميون يتقنون اللعب على الحبال المختلفة، فيمكن أن يكونوا داخل الحكومة ويعملون على ضربها لتظل في حاجة دائمة لهم

وكان آلاف الشباب العاطلين عن العمل اشتكوا في مناسبات كثيرة من عدم تكافؤ الفرص في الانتدابات خلال حكم الترويكا بسبب سياسة الأخونة والمكافأة السياسية لمنتسبي النهضة وحزب المؤتمر الذي كان يقوده الرئيس السابق المنصف المرزوقي.

ويحذّر نشطاء وحقوقيون من مخاطر إطلاق أيدي الإسلاميين في البلاد، لافتين إلى قدرتهم العجيبة على توظيف حاجة المواطنين في خدمة أغراضهم، مشيرين إلى دور الجمعيات الخيرية التي أسّسوها خلال فترة ما بعد الثورة والتي تقدر بأكثر من 4 آلاف جمعية، وكان دورها محددا في انتخابات 2011 و2014. وقد توسعت تلك الجمعيات لتشمل مجالات حيوية مثل الإعلام والتعليم ورياض الأطفال ودور اليتامى، ونشطت خلال موجات البرد في السنتين الأخيرتين دون أيّ رقابة من أيّ جهة حكومية. وتتهم جهات حكومية هذه الجمعيات الخيرية، التي ركزت نشاطها على منطقة الجنوب واستفادت من عمليات التهريب من ليبيا وإليها، بتغذية موجة الاحتجاجات التي تشهدها المنطقة، وأن هذا جزء من خطة خفية لإغراق حكومة الحبيب الصيد بالأزمات منذ انطلاقتها.

ويتقن الإسلاميون اللعب على الحبال المختلفة، فيمكن أن يكونوا داخل الحكومة ويعملون على ضربها لتظل في حاجة دائمة لهم، ولكن الأهم أن تظل ضعيفة وغارقة في أزمات تفصيلية تمنعها من مراقبة أنشطتهم السرية.

وقال الناشط المعارض لوجود النهضة بالحكومة قيس بريمة، عبر حسابه على “فيسبوك”، “سنشاهد في المستقبل كيف سيتم التصرف مع التنظيم السري للإخوان الذي يستجمع قواه ليعود للمناورة وتنفيذ مشروعه الإجرامي” الذي لا يؤمن بالقيم التونسية.

وأرجع 69 بالمئة من التونسيين عدم ثقتهم في الحكومة، وفق استطلاع رأي أجراه مركز “عتيد”، واعتبروا أن حركة النهضة تمثل خطرا على التجربة الديمقراطية لأنها تتبنى مشروعا لا يؤمن بالديمقراطية كوسيلة مشروعة للتداول السلمي على السلطة، و أنها تهدد مكاسب المرأة والحريات الفردية.

تدمير نصب تذكاري للمفكر التونسي الطاهر الحداد، أحد أشهر الدعاة المحررين للمرأة، يثير مخاوف من استهداف النمط المجتمعي الحداثي في تونس


التعليم الديني الموازي


ولا يتوقف الاختراق الإخواني المنظم عند حدود المؤسسات الحساسة، وإنما سيتوسع في كل اتجاه، وسيكون الجانب الديني الورقة الأخطر في عمليات السيطرة على عقول الشباب والأطفال من بوابة التعليم الموازي الذي بدأ ينتشر في أغلب المدن، ويشرف على جانب منه فرع الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي تديره النهضة وبمتابعة مباشرة من قيادييها الأعضاء في اتحاد يوسف ىالقرضاوي مثل الوزير السابق للشؤون الدينية نوري الخادمي، وعضو المجلس التأسيسي المنتهية ولايته عبدالمجيد النجار.

ويقيم الاتحاد دورات متتالية وتحت مسميات مختلفة لتكوين الأئمة والدعاة، من ذلك الدورة التي ستنطلق الشهر القادم تحت عنوان “الدورة الثالثة لتأهيل وتكوين الدعاة” وتستمر 15 شهرا يتم فيها تدريس قضايا فقهية وتربوية، مع مواد عن فقه الأحوال الشخصية من منظور فقهي يتعارض مع المقاربة التونسية لمجلة الأحوال الشخصية. وتعنى الدورة أيضا بمواد عن مدارس الإصلاح ورواد عصر النهضة، بهدف إعادة قراءة هذه المرحلة التاريخية وإبراز الشخصيات المحافظة التي كان لها دور فكري وتربوي في تأسيس جماعة الإخوان المسلمين.

لكن الأخطر في مهمة التكوين والتأهيل وتسليم شهادات علمية موازية لما تسلمه المعاهد الدينية المختصة، أن الخريجين الجديد من الشباب سيتوزعون في المساجد كأئمة أو دعاة يلقون الدروس بتسهيلات من الكادر الديني الذي نجحت النهضة في زرعه داخل وزارة الشؤون الدينية طيلة ثلاث سنوات من الحكم. ومن المهم الإشارة أيضا إلى أن النهضة أغرقت المعاهد الدينية الرسمية (جامعة الزيتونة) بالكادر النهضاوي من أصدقاء ومجايلي الوزير السابق الخادمي، وهو الكادر الذي يتولى الإشراف على انتداب المشتغلين بالمجال الديني في المساجد من أئمة ووعاظ.

وبدا واضحا دور هذا الكادر في تنسيق محتوى خطب الجمعة في مناسبات كثيرة إبان حكم النهضة سواء ما تعلق بالتحريض على الذهاب لـ”الجهاد في سوريا”، أو الحملة على ثورة 30 يونيو في مصر دفاعا عن حكم جماعة الإخوان، وخاصة خلال الانتخابات البرلمانية نوفمبر 2014 التي تم الترويج فيها لوجوب انتخاب من “يخافون الله” في حملة كان الهدف منها دعم حركة النهضة.


حقيبة وزارية يتيمة


يحذّر معارضون يساريون من غياب الرؤية لدى نداء تونس في فهم السبب الذي يجعل النهضة تقبل بمنصب وزير واحد وثلاثة كتاب دولة في حكومة الصيد، لافتين إلى أن التنظيم الدولي للإخوان كان يعطي أوامر مشددة للأحزاب والجمعيات المرتبطة به حتى تتجنب الظهور في الواجهة، وأن تركز جهودها على اختراق المؤسسات والإمساك بالاقتصاد حتى تحين لحظة التمكين.

الجانب الديني الورقة الأخطر في عمليات السيطرة على عقول الشباب والأطفال من بوابة التعليم الموازي الذي بدأ ينتشر في أغلب المدن

ويقول هؤلاء إن النهضة تريد الاختباء وراء نداء تونس وحماس قياداته إلى السلطة كي تحقق عدة أهداف منها جعل الناس تنسى تدريجيا صورتها كحركة راكمت خلال ثلاث سنوات من الحكم كل أنواع الأزمات والكوارث خاصة تحويل بلد اتسم خلال أكثر من نصف قرن من دولته الوطنية بالاعتدال والأمن إلى فضاء مفتوح للمتشددين والإرهابيين.

والتخفي وراء الحزب الحاكم قد يمنح النهضة غطاء قانونيا تجاه الجرائم التي ارتكبت خلال حكمها بزعم أن الحكومة التي يديرها الحبيب الصيد وبدعم من نداء تونس وليدة مصالحة وشراكة وطنية، أي أنها تجبّ ما قبلها وتبرّئ الحزب الإخواني من المحاسبة التي ترفعها عشرات الجمعيات الحقوقية لفك لغز الاغتيالات ومعرفة الجهات التي سهلت نشاط شبكات تسفير الشباب إلى ليبيا وسوريا، وعلاقة القيادات النهضاوية بهذه الملفات.

ويركز رئيس حركة النهضة، راشد الغنوشي، خلال ظهوره التلفزيوني المتكرر في الفترة الأخيرة على التسويق لخطاب الشراكة والمصالحة، وأن الحركة قبلت بالحد الأدنى لضمان استقرار البلاد، وأن جهات خارجية ترعى التوجه. لكن معارضين يؤكدون أن هذا الخطاب مناف للواقع تماما، ذلك أن الغنوشي نفسه عمل ما في وسعه لإقناع الرئيس الباجي قائد السبسي بضرورة أن يمنح الحركة فرصة المشاركة في الحكومة بغاية وحيدة هي قطع الطريق أمام دعوات الأحزاب والجمعيات والمدنية والحقوقية لعزل النهضة ومحاسبتها، ومن ثمة تمكّنها من مواصلة اختراق المؤسسات وتهديد طبيعة المجتمع المنفتح والمتعدد، ولكن هذه المرة بعيدا عن الأعين.

5