إسلاميو تونس يطمعون بالفوز برئاسة البلاد والبرلمان

جبة عبدالفتاح مورو التونسية غير كافية لتعبّد طريق النهضة إلى قرطاج، وقياديو الحركة يقدمون الحزب على أنه حزب المسلمين الديمقراطيين.
الخميس 2019/08/22
أشواك ناعمة

لأول مرة منذ ثورة يناير 2011 في تونس، تقدّم حركة النهضة الإسلامية، مرشحا للانتخابات الرئاسية، بعدما باغت رحيل الرئيس الباجي قائد السبسي مختلف الأحزاب السياسية ما أجبر البلاد على تنظيم انتخابات رئاسية سابقة لأوانها ستجرى في 15 سبتمبر القادم. ورغم أن النهضة اختارت عبدالفتاح مورو ليخوض السباق الرئاسي، استنادا على عدة مقاييس، من أهمها قربه من التونسيين في لباسه وتفكيره وسلوكاته، إلا أنّ كل ذلك لا يعبد للنهضة طريق قصر قرطاج.

طارق عمارة واولف ليسسنج

 تونس – تأمل حركة النهضة الإسلامية في تونس أن يكسر نائب رئيس الحركة عبدالفتاح مورو المرشح للانتخابات الرئاسية التي ستجرى الشهر القادم، القوالب المعتادة في العالم العربي بالسعي للظفر بأعلى منصب في البلاد عبر صناديق الاقتراع  بما قد يفتح لها طريق السلطة بجناحيها الرئاسي والبرلماني، إلى جانب ترشح مورو للرئاسة ترشح أيضا رئيس الحركة راشد الغنوشي في الانتخابات البرلمانية وعينه على رئاسة مجلس نواب الشعب.

وعبدالفتاح مورو (71 عاما) هو محام نأى بنفسه عن بعض المواقف المحافظة لحزب النهضة مباشرة عقب ثورة 2011. وهو معروف بروحه المرحة وعلاقاته الودية حتى مع أشد خصومه السياسيين.

ويقول مورو إن هدفه هو توحيد التونسيين عبر الانتخابات المقرر إجراؤها في 15 سبتمبر المقبل والتي سيواجه فيها 25 مرشحا، بمن فيهم علمانيون بارزون مثل رئيس الحكومة يوسف الشاهد ووزير الدفاع المستقيل عبدالكريم الزبيدي ورجل الأعمال نبيل القروي.

وعقب تقديم طلب ترشحه قال مورو إنه يسعى أن يكون رئيسا لكل التونسيين وليس رئيسا لأنصار حزبه فقط، لكن خصوم الحزب الإسلامي يعتبرون أن تقديم النهضة لمرشح في هذه الانتخابات نابع من مخاوفها من أن يفتح الرئيس المرتقب بعد الانتخابات ملفات فترة ما بعد ثورة يناير التي عرفت فيها البلاد ضربات إرهابية واغتيالات سياسية، علاوة على ملف الجهاز السري المخترق لأجهزة الدولة المتهمة به حركة النهضة.

ريبة وقلق

يتمتع عبدالفتاح مورو بأفضلية نسبية على بقية منافسيه في الدور الأول بحكم القاعدة الانتخابية الواسعة لحزبه وقد يستفيد من تشتت أصوات الليبراليين. لكن لا يخفي بعض التونسيين شعورهم بالريبة ويتذكرون باستمرار كيف استقبل مورو في 2013 رجل الدين المتشدد وجدي غنيم الذي طردته لندن في 2009 متهمة إياه “بالسعي لإثارة وتمجيد العنف الإرهابي”.

وكان مورو قد اعتذر عن استقباله لغنيم وقال “اعتذرت على جهلي بالرجل واعتذر لأني لم أكن أعرف قذارة أفكاره”.

وتقول منى بن سالم وهي طالبة في العاصمة تونس “مورو يتلون مثل الحرباء، مواقفه تتغير كل يوم مثله مثل بقية الإسلاميين”.

في انتخابات 2014، اختارت النهضة عدم المشاركة في الاستحقاق الانتخابي الرئاسي بل صوت فريق من أنصارها لخصمهم العلماني الباجي قائد السبسي.

وبعد خمس سنوات من انتخابات 2014 ومن الاستقرار السياسي النسبي وعلى عكس بلدان “الربيع العربي”، أصبحت قيادات النهضة ترى أنه يحق لها التنافس في الانتخابات البرلمانية والرئاسية.

وتعد تونس من أكثر البلدان تحررا في المنطقة العربية، حيث تتلقى نخبها تعليمها في أوروبا وتكتسب المرأة فيها الكثير من الحقوق والحريات أكثر من باقي دول المنطقة ولا تزال تطالب بالمزيد.

لكن هناك مخاوف في تونس رغم أن النهضة أعلنت أنها أخذت مسافة واضحة من بقية الحركات الإسلامية، علاوة على إعلانها فصل العمل الدعوي عن السياسي ونأت أيضا عن جماعة الإخوان المسلمين.

عديد من التونسيين لا يخفون مخاوفهم من أن يكون رئيسهم إسلاميا
عديد من التونسيين لا يخفون مخاوفهم من أن يكون رئيسهم إسلاميا

وفي تسعينات القرن الماضي غادر مورو النهضة التي أسسها مع رفيق دربه راشد الغنوشي، عقب هجوم إسلاميين على مقر حزب الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي. وعقب الثورة شارك في انتخابات برلمانية كمستقل لكنه فشل في الوصول إلى البرلمان قبل أن يعود إلى الحزب في 2012 ويساعد في التفاوض مع العلمانيين.

ويقول شاب اسمه محمد كان يجلس في مقهى بالعاصمة محاولا إقناع رفاقه بأن انتخاب مورو هو أفضل خيار، “هو قادر على إقناع أي كان بأسلوبه وفصاحته وروحه المرحة وهو أيضا رجل دولة يشغل منصبا حساسا هو رئيس البرلمان بالنيابة.. ولديه قدرة على العمل حتى مع خصومه”. ويضيف “نحن نريد أن نرى شخصا يشبهنا في الحكم”.

ورغم أن مورو تمكن بأسلوبه المرح ولباسه التقليدي التونسي الذي يرتديه دوما أن يكون الأقرب من أبناء حزبه إلى نمط التونسيين المشترك وأسلوب عيشهم، إلا أن الكثير من التونسيين لا يبدون تحمسا لرؤيته رئيسا للجمهورية على اعتبار مواقفه المتذبذبة وانخراطه في مشروع الإسلام السياسي.

في جنازة الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، الذي أدى موته إلى انتخابات مبكرة، مشى مورو مسافة 15 كيلومترا خلف الموكب من قصر قرطاج إلى مقبرة الجلاز. ولما سئل عن سبب ذلك أجاب بأنها كانت وصية السبسي في إشارة لعلاقتهما الجيدة.

ولترويج صورته المعتدلة كان مورو يشارك في احتفالات اليهود السنوية بمعبد الغريبة في جربة حيث يلقي خطابات عن التعايش بين كل الديانات.

ويقول شاران جروال المحلل بمركز الشرق الأوسط للسياسة في مؤسسة بروكينغز “بالتأكيد مورو هو أكثر شخص مقبول يمكن أن تقدمه النهضة لمنافسة العلمانيين”.

لكنّ عددا من التونسيين مثل الطالبة منى بن سالم لا يخفون مخاوفهم من أن يكون رئيسهم إسلاميا. وتقول الطالبة “لا يمكنني أن أنسى صوره مع الشيوخ المتشددين الذي جاؤوا لتونس لنشر أفكارهم السامة في نفوس أبنائنا.. أنا أصلا لا يمكن أن أتخيل أن يكون إسلامي قائدا أعلى للقوات المسلحة ورئيسا للبلاد”.

ورغم تجنب تقلد المناصب العليا منذ عام 2014، لا يزال حزب النهضة هو أكبر حزب في البلاد، ويحتفظ بقاعدة شعبية ممتدة حتى في المدن والقرى الصغيرة في جنوب البلاد وشمالها على عكس الأحزاب العلمانية التي شهدت انشقاقات وصراعات عصفت بكيان العديد منها.

استقطاب أيديولوجي

سعيا لتهدئة المخاوف والنأي عن الإسلاميين المتشددين يقدم قياديو النهضة الحزب على أنه حزب المسلمين الديمقراطيين، أسوة بحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل على ما يبدو.

ومع ذلك تواجه النهضة ومرشحها مورو انتقادات مستمرة من خصومها بأن مواقفها متناقضة بخصوص دور الإسلام في المجتمع. ويقول زياد لخضر القيادي بحزب الجبهة الشعبية (منشق عن ائتلاف الجبهة الشعبية)، وهو أحد الوجوه البارزة التي قادت احتجاجات 2013 ضد النهضة، “النهضة تحاول اليوم إخفاء الوجه المتشدد وتسعى للترويج لواجهة تدعي الحداثة”.

ورفض حزب النهضة في العام الماضي خطة تضمن للمرأة المساواة في الميراث سعى الرئيس الراحل قائد السبسي لإصدارها في قانون ولكن الاقتراح بقي في أدراج البرلمان.

وأبقى مورو الغموض على موقفه من مبادرة السبسي حين قال قبل عام “قسمت إرثي لأبنائي في حياتي واتفقوا في ما بينهم بالتراضي ولا أحد منهم غاضب”. ولن تكون للرئيس المقبل لتونس صلاحيات واسعة حيث يملك رئيس الجمهورية ملفي الدفاع والخارجية بينما يسيطر رئيس الحكومة على أغلب الوزارات ويسير الشؤون اليومية.

ويقول محللون إن النهضة كانت مجبرة على خوض الانتخابات الرئاسية التي تجري قبل ثلاثة أسابيع فقط من الانتخابات البرلمانية كي لا تشتت قاعدتها الانتخابية الواسعة في الاستحقاق البرلماني الذي تعول عليه كثيرا.

وقال عبدالكريم الهاروني القيادي بالنهضة، إن حزبه لا يشارك من أجل المشاركة بل يسعى للفوز في انتخابات البرلمان والرئاسة.

لكن قيادات الحركة تصر مع ذلك على أنها تنوي مواصلة نهج الحكم التشاركي مع بقية الأطراف.

وفي السياق ذاته، أكد عماد الخميري المتحدث باسم النهضة أن الحركة تسعى لمواصلة النهج التشاركي والتوافقي مع بقية الأطراف السياسية بعد الانتخابات المقبلة.

لكن البعض يحذر من أن دفع النهضة بمرشحها للرئاسية قد يعيد مناخ الاستقطاب السياسي والأيديولوجي الذي عاشته تونس في 2013 والذي تريد النهضة أن تتفاداه. ويقول الصحافي بجريدة المغرب زياد كريشان في افتتاحية تحت عنوان “النهضة بوجه مكشوف في الانتخابات الرئاسية”، “لو نزلت القواعد الإسلامية إلى الشارع للقيام بالحملة الانتخابية لمرشحها فقد تستعيد البلاد جزءا من مناخات 2012 و2013 وتتحول كل المنافسة إلى ضرورة هزم ممثل الإسلام السياسي ومشروعه المجتمعي، وهذه وضعية لا تريد حركة النهضة أن تعيشها”.

وتأمل النهضة أن يعزز الأداء الجيد لمرشحها في انتخابات الرئاسة، حظوظها للفوز في الانتخابات البرلمانية التي ستجري في السادس من أكتوبر المقبل.

ويقول ماكس غاليان المتخصص في السياسة والاقتصاد بشمال أفريقيا، إن “إجراء انتخابات رئاسية قبل الانتخابات البرلمانية قد يجعل من الصعب على النهضة تكوين التحالفات اللازمة لتشكيل حكومة مستقرة”.

أبرز مرشحي انتخابات الرئاسة في تونس

يوسف الشاهد
يوسف الشاهد

​​​​​

رئيس الحكومة الحالي، ويشغل منصبه منذ عام 2016 بعد أن عينه الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، خلفا لحبيب الصيد بهدف إنعاش الاقتصاد العليل ودفع الإصلاحات الاقتصادية المتعثرة التي يطالب بها المقرضون بما في ذلك صندوق النقد الدولي.

ولد الشاهد في عام 1975 بالعاصمة تونس وهو مهندس زراعي وحاصل على الدكتوراه في العلوم الفلاحية من جامعة باريس.

قبل تعيينه رئيسا للوزراء، شغل مناصب من بينها كاتب دولة لدى وزير الفلاحة مكلف بالصيد البحري إضافة إلى منصب وزير للشؤون المحلية. وشكل الشاهد حزبه “تحيا تونس” هذا العام بعد أن انشق عن حزب نداء تونس إثر خلافات مع حافظ قائد السبسي نجل الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، الذي طالب باستقالته.

وزير الدفاع الحالي وهو مستقل ولا ينتمي إلى أي حزب لكنه ليبرالي التوجه. يصفه أنصاره بأنه رجل دولة، وينظر إليه على أنه نأى بنفسه عن الأحزاب السياسية وصراعاتها التي أعاقت الإصلاحات الاقتصادية.

ولطالما انتقد الزبيدي علنا الصراعات السياسية التي تقوّض جهود بلاده في مكافحة الإرهاب وتشتت جهود القوات الأمنية والعسكرية.

وشغل الزبيدي منصب وزير للصحة مع الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي. وقد عمل مرتين منذ عام 2011 وزيرا للدفاع، أولاً في حكومة يقودها حزب حركة النهضة ثم مع الشاهد. ويتمتع الزبيدي بدعم من الأحزاب العلمانية بما في ذلك نداء تونس وآفاق تونس.

مهدي جمعة

رئيس الحكومة الأسبق حيث كلف بشغل المنصب عقب تخلي النهضة عن الحكم بعد توافق مع خصومها العلمانيين إثر احتجاجات حاشدة.

وقبل أن يتولى جمعة رئاسة الوزراء شغل منصب وزير الصناعة بحكومة علي العريض (النهضة) في مارس 2013، وفي مارس عام 2017 أسس حزب “البديل التونسي” (وسط)، وترشح باسمه لانتخابات الرئاسة.

وجمعة المولود في مدينة المهدية الساحلية هو تكنوقراط. تخصص جمعة في مجال الهندسة، وهو خريج المدرسة الوطنية للمهندسين بتونس سنة 1988، وجمعة حائز على شهادة الدراسات المعمقة في الهندسة الميكانيكية. عمل جمعة كمهندس لدى شركة أيروسباس، التابعة للمجموعة الفرنسية توتال.

نبيل القروي

رجل أعمال ومالك قناة نسمة الخاصة مع بعض الشركاء الآخرين من بينهم الايطالي سيلفيو برلسكوني. كان القروي عضوا في حزب نداء تونس قبل أن ينسحب منه.

وساهم في نجاح نداء تونس آنذاك في الوصول إلى السلطة عبر حملة إعلامية ضخمة في قناته وعبر وسائل التواصل الاجتماعي واللافتات الإعلانية في الشوارع.

عبدالكريم الزبيدي
عبدالكريم الزبيدي

 

6