إسلاميو مصر وتركيا: اختلاف التكتيك وتماهي الإستراتيجيا

تكشف المقارنة بين حركة الإخوان المسلمين في مصر ونظرائهم الإسلاميين في تركيا أن الأتراك كانوا يتعاطون دوما مع صراعاتهم وخلافاتهم السياسية بمنطق الحفاظ على الدولة التركية ومؤسساتها، في الحين الذي يتعامل فيه إخوان مصر بعنف وتطرف مع كل الأنظمة في مصر. وهو ما يكشف فرقا شاسعا بين عقلية الإسلاميين في تركيا وعقلية الإسلاميين في مصر.
الأربعاء 2016/02/10
تختلف الرايات والتشدد واحد

القاهرة – تمكن إسلاميو تركيا من التلاؤم مع طبيعة المجتمع التركي وتاريخه السياسي الذي شهد العديد من التغيرات على مدى قرن بحاله، وما تحويه هذه التغيرات من شحنات سياسية قوية كالانتقال من “خلافة عثمانية” إلى دولة علمانية مع مصطفى كمال أتاتورك. ولم يكن متاحا للإسلاميين في بلاد الأناضول أن يصلوا إلى سدة الحكم في تركيا إلا بقراءتهم “الذكية” لطبيعة المجتمع والدولة في تلك البلاد.

وإذا كان من الممكن القيام بمقارنة بين إسلاميي تركيا وإسلاميي مصر المتمثلين أساسا في جماعة الإخوان المسلمين، فإن المقارنة سوف تكشف بوضوح مدى الفارق بين العقلين الإسلاميين، المصري والتركي. فالتجربة أثبتت أن إسلاميي تركيا وصلوا إلى الحكم بأدوات الدولة وقوانينها العلمانية تمهيدا لتغيير طبيعة النظام، أما إخوان مصر فوصلوا إلى الحكم بانتخابات لكنهم حولوا الدولة إلى أداة للتمكين والتسلط وممارسة العنف الممنهج.

ويرى عمرو عبدالمنعم الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية في حديثه لـ”العرب” أن نجاح التجربة التركية جاء نتيجة إدراك قيادات بارزة بالحركة الإسلامية هناك ضرورة للتغيير والتعاطي مع الواقع ومتغيراته بصورة أكثر إيجابية. واستبعد عبدالمنعم خروج تيار إصلاحي من الإخوان يكرر تجربة أردوغان، لافتا إلى أن الشارع الإخواني بصفة عامة يميل إلى العنف ويسعى للثأر منطلقا من فكرة المظلومية التي تجيد جماعة الإخوان الترويج لها.

وأكد الباحث أن جماعة الإخوان المسلمين التقليدية انتهت بلا رجعة، وقال “نحن الآن أمام جماعات إخوان متنافرة لا تريد التصالح أو تغيير نفسها ولا مستقبل لها بمصر”، مشددا على أن إسلاميي تركيا نجحوا لأنهم كانت لديهم رغبة في تغيير أنفسهم وتطوير أفكارهم. واعتبر عبدالمنعم أن محاكمة الإخوان داخل الفصيل الإسلامي أهم من محاكمتهم خارجه، لأن الجماعة ارتكبت العديد من الأخطاء والجرائم والحماقات بحق التيارات الإسلامية، سواء خلال فترة حكم الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك أو بعد ثورة يناير.

ومن ناحية أخرى، فإن عقلية التعامل مع الدولة ومؤسساتها في أوقات الأزمات السياسية تختلف اختلافا جذريا بين إسلاميي مصر ونظرائهم الأتراك، الأمر الذي يبين أن التعامل بين حزب العدالة والتنمية التركي وحركة الإخوان المسلمين في مصر كان بالأساس تعاملا استغلاليا، إذ تبحث تركيا عن مصالح لها في مصر تكون هي الرابح الإقليمي الأكبر من خلالها، في حين صدق إخوان مصر أن التعاون بين الحزبين إنما منطلقه إسلامي – إسلامي.

محاكمة الإخوان داخل الفصيل الإسلامي ذاته أهم من محاكمتهم خارجه لأنهم ارتكبوا العديد من الأخطاء

فقد تعرض إسلاميو تركيا منذ تأسيس نجم الدين أربكان لحزب النظام الوطني سنة 1970 إلى العديد من الأزمات السياسية، وأغلق حزبه لأكثر من مرة حتى يظهر في شكل أسماء أخرى (حزب الرفاه 1983، حزب الفضيلة في التسعينات) لتعارض مبادئه مع مبادئ الدولة العلمانية التركية، ولكن لم يقم أربكان أو أعوانه بفتح صراع مع الجيش أو الدولة التركية للانتقام مثلما فعل إسلاميو مصر المتمثلون في الإخوان المسلمين. فقد أدت ثورة 30 يونيو الشعبية ضد حكم الإخوان إلى خروج الخلايا العنفية الإخوانية إلى الشوارع لقتل الناس والتصادم مع الأمن والجيش.

وفي هذا السياق، قال أحمد بان القيادي الإخواني السابق لـ”العرب” إن موقف نجم الدين أربكان نفسه من الأزمة التي واجهها، عندما كان رئيسا للوزراء في علاقته مع الجيش التركي حامي العلمانية كما كان يوصف، أو حتى بعد استقالته، يعكس الفارق بين إخوان تركيا ومصر. فالرجل رغم تشدده وصلابة مواقفه تعامل مع العراقيل التي وضعت أمامه لإجباره على الاستقالة بتعقل، ورفض الصدام مع الدولة أو تعبئة أنصاره ضد المؤسسة العسكرية وانحنى أمام العاصفة.

أما في مصر فالوضع كان مختلفا بشدة حسب أحمد بان، حيث تسابقت قيادات الإخوان على تحريض كوادر الجماعة للدخول في صدامات دموية مع مؤسسات الدولة والجيش والمجتمع، وقطعت الطريق على أي مستقبل للإسلام السياسي بمصر. وتوقع الإخواني السابق أن تختفي الجماعة من الساحة السياسية، ويعتزل القطاع الأكبر منها العمل العام، أما الصف الثاني فيحتاج إلى القيام بمراجعة شاملة لأدبيات الجماعة وقناعاتها السياسية، بعيدا عن التغييرات الشكلية التي تمارسها الآن، مثل تغيير اللائحة وإجراء انتخابات، “وإلا سيأتي يوم ويتحدث المصريون عن جماعة الإخوان التي انقرضت بعد أكثر من 80 عاما من الصراع مع كل الأنظمة التي حكمت مصر”.

وعلى عكس الإسلاميين في تركيا، فإن الخلافات التي ظهرت بين قطبين في حركة أربكان أدت إلى انشقاق في الحركة، بين راديكاليين حافظوا على الفكرة الأولى للحزب الإسلامي، وبين إصلاحيين أرادوا فعلا النقد والتغيير في اتجاه التجديد، وآلت الأوضاع في آخر المطاف إلى فوز الإصلاحيين بقيادة أردوغان، وثبت أن المراجعات في اتجاه التحديث تكون دائما الحصان الرابح لكل الحركات الأصولية. أما إخوان مصر فلا يوجد بين الشقين المتصارعين الآن أي خلاف جوهري سوى في القيادة، ولذلك فجهود كل الوساطات هي جهود فاشلة، وسوف تنتهي هذه الصراعات إلى اختفاء الإخوان تماما، حسب ما صرح به مصطفى زهران الخبير في شؤون الحركات الإسلامية لـ”العرب”.

وتكشف المقارنة بين الجماعتين الإسلاميتين في كل من مصر وتركيا أن عقلية التعاطي مع الشأن العام تختلف من دولة إلى أخرى، الأمر الذي يكشف أن الأتراك يتعاملون مع الإسلاميين العرب بمنطق الدولة التركية ومصالحها أما الإخوان المسلمون فغياب العقل والتعامل الوجداني مع القوى الإقليمية أديا بهم إلى الارتهان لمصالح هذه القوى والعمل بأوامرها.

13