إسلاميو موريتانيا في ورطة البحث عن العودة مجددا من ثقوب الأحداث

الأربعاء 2014/12/31
الفكر المتشدد في موريتانيا نتيجة محاولات الإسلاميين السيطرة على المجتمع

نواكشوط -حكم الأعدام الذي أطلقته محكمة موريتانية على شاب في عقده الثالث بعد اتهامه بالمس من ذات الرسول محمد، مثل حدثا في بلد تمت فيه آخر عملية إعدام سنة 1987. وقد هللت الحركات الإسلامية بهذا الحكم، وقالت إنه “فاتحة جديدة للقضاء الموريتاني الذي استرجع عمقه الإسلامي بعد أن سيطرت عليه الأحكام العلمانية”. ردود الأفعال الإسلامية دفعت إلى العودة إلى قراءة تاريخ الحركة الإسلامية بموريتانيا.

نشأ التيار الإسلامي بموريتانيا في السبعينات من القرن الماضي في أوساط خريجي الجامعات القادمين من المشرق العربي، وما حملوه معهم من كتابات إسلامية تحوي أفكار حركة الإخوان، كأحد العوامل الخارجية التي أسهمت، بالإضافة إلى عوامل داخلية كالثقافة الإسلامية “المحظرية” (الثقافة الآتية من ينابيع الثقافة التقليدية التي يتعلمها الأجيال الناشئة قبل الدخول في المدارس النظامية ويقابلها في الشرق الكتاتيب)، في ظهور تيار إسلامي موريتاني تطلع فيما بعد إلى الحركية، والسعي للحزبية، فكان نتاج ذلك التلاقح ما عرف في ما بعد بحزب تواصل.

ومهدت لهذا الظهور الإسلامي إرهاصات، عبرت عنها محاولات “الصحوة” المقامة من طرف بعض شباب المحاظر (أو الكتاتيب)، ممن أتيحت أمامهم فرصة الانفتاح على الفكر الإسلامي المعاصر من خلال كتابات جماعة الإخوان المسلمين، وقد عزز الشعور الديني في السبعينات ما كان يحدث من تغيرات إقليمية ودولية، مثل الثورة الإسلامية في إيران، والجهاد في أفغانستان. فقد شاركت في هذا الصراع مجموعة من الشباب تلقت تعليمها المحظري في المدن، وخاصة أولئك الذين درسوا في محظرة الإمام “بداه ولد البصيري”، مفتي الديار الموريتانية، وإمام مسجدها الجامع والذي كان ذا ميول متشددة تخلط بين الدين والمواقف السياسية.

فترة تأسيس التيار الإسلامي في موريتانيا انطوت على محاولة التوسع اجتماعيا، وخاصة عبر النقابات وليس عبر الجمعيات فقط

وقد كان التبلور الفعلي للتيار الإسلامي مع نشاطات حركية بادرت بها بعض الشخصيات الإسلامية بإصدار عريضة مطلبية في 25 يوليو 1975 من طرف “جماعة المساجد”، وهو اسم اتخذه بعض الإسلاميين حينها ليدشنوا به حضورهم في الساحة السياسية، وقد تضمنت هذه العريضة مقدمة عبرت فيها الجماعة عن تأييد آخر التطورات على الساحة الموريتانية، منها مراجعة الاتفاقيات مع فرنسا، وإصدار العملة الوطنية وتأميم شركة معادن موريتانيا “ميفرما”. وأدى تطور هذه الجماعات إلى تأسيس أول كيان تنظيمي عام 1978 أُطلق عليه الجماعة الإسلامية، ومعها عرفت موريتانيا نشاط الإسلام السياسي بالشكل المتعارف عليه.

وقد انتظمت بعض الروابط المهنية والطلابية ضمن إطار أُطلق عليه اسم “الإسلاميين”، معلنة قيام مستوى تنظيمي وسيط بين الجماعة الإسلامية والساحة العامة، وتزامن مع ذلك ظهور تيارات جديدة في الساحة الإسلامية الموريتانية، كالاتجاه السلفي وجماعة الدعوة والتبليغ، فضلا عن مرجعيات صوفية متأصلة في المجتمع الموريتاني كالقادرية والتجانية.. إلخ.

وقد مثلت كلتلك التوجهات الإسلامية في المشهد السياسي الموريتاني المرجعيات السياسية للمنضوين تحتها، كحركات دينية تعنى بالشأن العام وقضايا الدولة والحكم. وقد أكد عديد الباحثين في مجال علم الاجتماع السياسي، أن طبيعة المجتمع الموريتاني القبلية والمحافظة ساعدت على انتشار تلك الحركات على المستوى الجماهيري.
وقد أعاد الباحثون أسباب انطواء المجتمع الموريتاني ومحافظته على ذات الوضع في سلم التطور السياسي إلى تلك النزعة المحافظة التي تنحو نحو التفكير الديني بشكل مستمر، بعد أن تمكنت الحركات الإسلامية في الثمانينات والتسعينات من السيطرة على المشهد السياسي والجمعياتي وحصر عمل الأحزاب والتيارات المواطنية والمدنية بعيدا عن الجماهيرية.

وبالقدر نفسه الذي تأثرت به الحركات الإسلامية بالتغيرات الإقليمية والدولية، فإن الاتجاهات الإسلامية في موريتانيا قد التحقت بالاصطفافات الإقليمية والدولية التي كانت التيارات الإسلامية محورها. إذ لم تنسجم مكونات الفريق الإسلامي مع بعضها البعض في خصوص مواقف بعينها، فخط الجماعة الإسلامية العام مثلا لم يتماش مع “جماعة الوحدة الإسلامية” المتأثرة بالفكر الإيراني، و”جماعة اليسار الإسلامي” لم تتمكن من النشاط بسبب رؤاها المختلفة حول الإخوان المسلمين في الكثير من القضايا، بيد أن تلك التيارات انصهرت أو انصهر بعضها بفعل حوارات عديدة ضمن الخط العام للجماعة الإسلامية، ليسهم ذلك في تأسيس الحركة الإسلامية الموريتانية (حاسم) في مايو 1990.

الجماعات الإسلامية أسست أول كيان تنظيمي عام 1978 أُطلق عليه الجماعة الإسلامية

وقد عرف النشاط الإسلامي في موريتانيا موجات من المد والجزر في داخله وفي علاقته بالنظام الحاكم، وقد كان لتلك النشاطات السياسية طابع عنيف نسبيا، ولكنه مؤثر بالنسبة إلى بلد شاسع المساحة وقليل السكان مثل موريتانيا. ففي عام 1994 وجه النظام ضربة أمنية وإعلامية إلى الحركة الإسلامية الموريتانية، أدت إلى إغلاق الجمعية الثقافية الإسلامية ونواد عدة كانت غطاء ساترا لنشاط الجماعة الإسلامي السياسي، فضلا عن اعتقال شخصيات من الحركة، وتولد الوعي في صفوف الإسلاميين بصعوبة وخطورة العمل التنظيمي السري، فوقع الاختيار تكتيكيًّا على تبني العمل العلني في المجالات الثقافية والاجتماعية.

وفي هذا السياق، ظهرت جمعية الحكمة للأصالة وإحياء التراث، بديلا عن الجمعية الثقافية الإسلامية.

غير أن فترة تأسيس التيار الإسلامي في موريتانيا، انطوت على محاولة التوسع اجتماعيا، وخاصة عبر النقابات وليس عبر الجمعيات فقط، حيث حصل الإسلاميون على قيادة نقابة التعليم في اتحاد العمال الموريتانيين، كما كانت لهم مشاركة متميزة في هيئات الاتحاد الوطني لطلاب موريتانيا، وهذا ما جعل من المد الإسلامي السياسي القادم من الشرق لا يبقى رهين جيل واحد من السياسيين الموريتانيين، فقد تواصل تطور هذه الحركة، حتى أن جيشا من الشباب الإسلامي في موريتانيا أصبح يحسب اليوم على التنظيمات المتشددة مثل القاعدة في المغرب العربي.

13