إسلاميُّو أوروبا جناح آخر لانتشار الإسلام السياسي

الجمعة 2014/02/14
حتى البنى الثقافية للشعوب الأخرى يريدون اختراقها بدعم خفي من أجهزة عالمية

باريس - أمام طاحونة الجماعة الإثنية والدينية التي ما انفكت تحاول ربط وإذابة المغترب الآتي من بلاد الإسلام في جماعة إسلامية وفصله ثقافيا عن المجتمع المضيف، أضحت أوروبا أكثر اضطرابا و”خوفا” مما قد تنجر عنه عملية الانتقال المكثفة للجالية المسلمة الّتي تشهدها، والتي لا تخلو من نشاط “إسلام – سياسيّ”. يبرز هذا مع دراسة حميد زنار في “المد الأصولي في أوروبا” والّتي يتنبّأ فيها بموت الغرب عبر هجرة المسلمين إليه…

مع بداية ثمانينات القرن الماضي، بدأ يظهر على شبان، من أصول مغاربية وهندو- باكستانية مولودين في أوروبا، نوع من التدين الجديد، يختلف جذريا عما كان سائدا لدى آبائهم.

لم يكن تدينهم وعلاقتهم بالإسلام عموما مجرد استمرار لذلك التصور التقليدي الذي كان يحمله الجيل الأول من المغتربين. ذلك التصور الموروث شفاهيا، الآتي مع الحقائب من البلد الأصلي، ابتداء من منتصف القرن المنصرم، والذي كانت تبني عليه جماعة الإخوان المسلمين وجماعة التبليغ لاحقا احتكارهما لدور الدعوة بين صفوف المهاجرين إلى بداية التسعينيات.

تحت ظروف معيشية وتأثيرات خارجية وبسيكولوجية عديدة ابتدع الجيل الثاني واستورد في آن واحد حركات سلفية متنوعة كانت مهمشة في البداية أمام حركة الإخوان المنسجمة تنظيميا وفكريا وخاصّة فيما يتعلّق بالجانب المالي.

بدأت سلفية عبادية لكن سرعان ما تفرعت عنها سلفية سياسية أنجبت بدورها في نهاية التسعينات سلفية جهادية متعددة المشارب بل متناقضة المذاهب، تختلف من بلد أوروبي إلى آخر، فرضت نفسها كشريك أساسي في أسلمة أوروبا، وهكذا أصبحت تمول في العلن بأموال النفط وجمع الأموال في المساجد في كل أنحاء أوروبا إلى أن ضربت ضربتها العظمى في بلاد العم سام في الحادي عشر من سبتمبر2001، غزوة نيويورك التي باركها المسلمون في مغارب الأرض ومشارقها. تتباين العلاقة التي تقيمها السلفية مع مجتمعات “دار الحرب” التي تنشط صلبها، إذ تتكيف مع قانون كل بلد، تفتك رخصة استثنائية من هنا، تفتح منفذا في جدار اللائكية من هناك، ويفجر أحد أفرادها نفسه ليقتل أعداء الله من مستعملي القطار والمطار وحيثما وجد الكفار.. لكنها تبقى في مجموعها ممولة في السر وبأشكال تمويهية مختلفة و تهدف إلى غاية واحدة هي “أنّه على الدولة تسهيل إقامة شرع الله على المسلمين في أوروبا، في انتظار تعميمه على جميع الأوروبيين”.

التدين مسألة شخصية، يجب ألا يصر المسلمون على فرض شرائعهم على مجتمعات عانت في الماضي من حكم الدين

لكن إذا تفهم الدارس الأمر بسهولة حينما يكون متعلقا بالنشطاء الذين يعيشون في أرض الإسلام أو الذين جاؤوا منها، يصعب عليه أن يجد تفسيرا لعودة من وُلدوا في الغرب إلى سلف صالح مفترض،آملين أن يجدوا لديه وصفة لحل مشاكلهم اليوم! كيف يمكن أن يتهافت شبان يعيشون في قلب الحداثة الأوروبية على فتاوى يصدرها ويرسلها لهم شيوخ دين يعيشون في دول عربية متخلفة تخلفا مريعا، فقهاء وكتاب يبدو من أقوالهم وكتاباتهم أنهم من البشر الذين لم يبرحوا المرحلة اللاهوتية بعد؟ أحياء بكاملها أصبحت اليوم “إسلامية” قلبا وقالبا يشعر فيها الفرنسيون غير المسلمين كأنهم غرباء في بلدهم، بل غير مرغوب فيهم أصلا.

في ألمانيا أغلبية مسلمة مسالمة

لمعرفة حال المسلمين في ألمانيا، يوضح الدكتور حامد عبد الصمد – الباحث و الروائي المصري المقيم بألمانيا والذي يُدرّس في جامعة ميونيخ، وهو كذلك عضو بمؤتمر الإسلام في ألمانيا الذي تشكل سنة 2006 للبحث في قضايا المسلمين، وصاحب كتاب “سقوط العالم الإسلامي” ذلك الكتاب الذي أثار ضجة كبرى سنة 2010. وصاحب رواية مثيرة تحمل عنوان “وداعا أيتها السماء”. سألته عن الإسلام الذي بات مبعث قلق كبير في أوروبا، وعن وضع المسلمين في ألمانيا تحديدا، فأكد أنّ الغالبيّة العظمى من المسلمين فى ألمانيا مسالمة، ولكن هناك أقلية مزعجة تقسم العالم إلى مؤمن وكافر وتعيق اندماج أبنائها في المجتمع الألماني.

بعضهم، يقول عبد الصمد، يرفض القانون الألماني ويرغب فى تطبيق الشريعة الإسلامية. وهناك تنظيمات إسلامية تهدد الأمن القومي وقد أفشلت السلطات الألمانية عدة محاولات لعمليات إرهابية. وعن نظرة المثقفين ورجال السياسة الألمان للوجود الإسلامي في بلدهم، يرى أن أكثر من نصف الألمان يعتقدون أن وجود المسلمين في بلدهم يمثل خطراً على الأمن الاجتماعي ويخافون من انتشار ظاهرة التطرف بين شباب مسلمين وشباب من أصول ألمانية اعتنقوا الإسلام.

في كتابه الصادر أخيرا “زوال ألمانيا” يرى هيلو ساراسين أن وطنه سيفقد هويته بسبب التوافد الكبير للمسلمين، فمن الناحية الاقتصادية، يقول “لسنا بحاجة إلى المهاجرين المسلمين في أوروبا، فنظرا لمشاركتهم الضعيفة في النشاط المهني واستهلاكهم الكبير للمساعدات الاجتماعية يكلف هؤلاء خزانة الدولة أكثر مما يقدمون من قيم مضافة. أما من الناحية الثقافية و الحضارية ، فلا يساعد ما يدافعون عنه من قيم سوى على الارتداد إلى الوراء”. فما هو موقف الدكتور حامد عبد الصمد من أطروحة “ألمانيا في خطر”؟

لا يوافق الدكتور عبد الصمد، تيلو ساراسين الذي يتنبأ بأن ألمانيا ستصير دولة مسلمة في غضون مئة عام، لأن ذلك فيه مبالغة كبيرة. فلا أحد في نظر الباحث المصري يستطيع رصد التطور الديمغرافي لبلد لأكثر من عشرين عاما. يقول: “يرصد ساراسين أعداد كل المهاجرين المسلمين ويضاعفها دون أن ينتبه إلى أن هناك كثير منهم، من أمثالي، هم مسلمون بالإسم فقط، ولا علاقة لهم ولا لأبنائهم بأسلمة ألمانيا..” و لكنه لا ينكر ظاهرة وجود مجتمعات إسلامية موازية بألمانيا بعيدة عن المجتمع ولها بنيتها التحتية الخاصة بها ولا تحتاج من الدولة سوى الحصول على المعونات الاجتماعية، وهي ظاهرة خطيرة فعلاً، تولد البطالة والعنف، بحسب وصف الدكتور عبد الصمد.

وانطلاقا من كل هذا، هل يمكن أن يندمج المسلمون في ألمانيا مستقبلا ؟ كثير من المسلمين مندمجون بالفعل فى ألمانيا، حسب محدثنا، الذي يلاحظ أن هؤلاء لا يراهم أحد لأنهم لا يطلقون اللحي ولا يرتدون الحجاب أو النقاب. أما من يصمم على تطبيق شريعته بحذافيرها فلا يمكن أن يندمج فى مجتمع قائم على مبدإ الحريات والمساواة بين الرجل والمرأة وبين المؤمن والملحد.

الأسلمة في فرنسا واقع يومي

لا يمكن طرح مسألة الأسلمة بأسلوب جدي دون معرفة موقف جواكيم فيليوكاس مؤلف أول دراسة شاملة عن “أسلمة فرنسا” سنة 2006، والّتي حلل فيها بنية الجمعيات الإسلامية ومعظم الاتجاهات الإسلاموية التي تنمو في فرنسا.

لا يطالب الإسلاميون بحق ممارسة شعائر دينهم فحسب، بل يريدون استبدال النظام الموجود بنظامهم الخاص

في سنة 2007 أسس مركز مراقبة الأسلمة، الّذي يزور موقعه على النت حوالي الـ60000 زائر شهريا وأصبح مع تواتر الأيام مرجعا وثائقيا”.

في 2010 أصدر كتابا ثان يحمل عنوانا صادما “رؤساء البلديات المداهنون للإسلاموية” و الذي عالج فيه علاقات السياسيين والجمعيات الإسلاموية، وعلى وجه الخصوص تمويل تلك الجمعيات عن طريق المال العام من أجل أهداف انتخابية. وعلى الرغم من الطبعات المتتالية للكتاب فلا نجد له صدى يذكر في وسائل الإعلام الفرنسية بسبب ارتباطها بالأحزاب السياسية التي فضحها التحقيق.

يلاحظ الزائر لـ“لموقع مراقبة الأسلمة” أنّ هذه الظاهرة تسير على قدم وساق، وأنّه ليس هناك أمل في اندماج المسلمين إذ أنّهم لا يطالبون بحق ممارسة شعائر دينهم فحسب، بل يريدون استبدال النظام السياسي الموجود بنظامهم الخاص، أي الشريعة الإسلامية. فما هو رد رئيس مركز مراقبة المد الأصولي بفرنسا؟ حذار! يقول، الكثير من المسلمين بالمعنى السوسيولوجي، تقتصر ممارستهم للدين في عدم تناول لحم الخنزير وصوم رمضان فقط، وهم لا يودون تطبيق الشريعة المطلقة. و لكنهم لا يستطيعون الوقوف بحزم ضد الأصوليين الذين يحملون القرآن والسنة في وجه غيرهم. و بسيكولوجيًّا يخاف المعتدلون من ركنهم في خانة “المسلم المارق”، ومن هنا يمكن أن ينضموا إلى الموجة إذا ما استمرّ صعود المتطرفين وتقدمهم. يجد المعتدلون أنفسهم بلا صوت، لا ينصت إليهم أحد لأنهم غير مهيكلين أو منظمين جمعويا، ومن هنا لا يغامرون بانتقاد الإخوان أو السلفيين علنا.

13