إسلام أباد تغازل واشنطن بمحاصرة جمعيات خيرية يديرها متشددون

دفعت الضغوط الأميركية بحكومة إسلام أباد إلى تكثيف جهودها لمحاصرة مصادر تمويل المتشددين على أراضيها، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة لنفي اتهامها بالتقاعس في محاربة الإرهاب واتخاذ المتشددين من أراضيها ملاذا آمنا لتنفيذ عمليات في الخارج.
الثلاثاء 2018/01/02
محاربة المتطرفين تبدأ بالاستحواذ على مقراتهم

إسلام أباد - كشف مسؤولون الاثنين، أن حكومة باكستان تعتزم السيطرة على جمعيتين خيريتين وأصول مالية تربطها صلات بالزعيم الإسلامي المتشدد حافظ سعيد الذي تعتبره واشنطن إرهابيا.

وقال ثلاثة مسؤولين، حضروا واحدا من عدة اجتماعات عقدت على مستوى رفيع بهذا الشأن، لوكالة رويترز إن الحكومة المدنية في باكستان وضعت تفاصيل خططها في أمر سري وجهته إلى مختلف الإدارات الحكومية المحلية والاتحادية في منتصف ديسمبر الماضي.

وقال أحد المسؤولين الثلاثة، الذين شاركوا في أحد الاجتماعات بشأن الجمعيتين، إن بعض المشاركين تحدثوا عن احتمال فرض عقوبات من الأمم المتحدة في حال عدم اتخاذ الحكومة إجراءات ضد الجمعيتين.

ووفقا للوثيقة السرية، وجهت وزارة المالية جهات إنفاذ القانون والحكومات المحلية، في أقاليم باكستان الخمسة، لتقديم خطة عمل للسيطرة على الجمعيتين الخيريتين التابعتين لسعيد وهما جماعة الدعوة ومؤسسة فلاح الإنسانية.

ولم تذكر الوثيقة تفاصيل تذكر عن كيفية استحواذ الحكومة على الجمعيتين انتظارا للخطط المقدمة من الحكومات المحلية، لكنها أشارت إلى أن الخطط تتضمن استحواذ كيانات حكومية على خدمات الإسعاف ومركبات أخرى تستخدمها الجمعيتان.

وذكرت الوثيقة أن وكالات إنفاذ القانون ستنسق مع وكالات المخابرات الباكستانية لتحديد أصول الجمعيتين وفحص آلياتهما لجمع التبرعات.

وتّم توجيه المسؤولين، حسب الوثيقة، إلى تغيير اسم مقر جماعة الدعوة الواقع على مساحة 200 فدان قرب مدينة لاهور بشرق باكستان، والمسمى حاليا مركز طيبة، إلى اسم آخر يبين “انفراد حكومة البنجاب بإدارته وتشغيله”.

أحسن إقبال: نعمل على الحدّ من عمليات جمع التبرعات لصالح كل المنظمات المحظورة

وقال وزير الداخلية الباكستاني أحسن إقبال، الذي شارك في رئاسة أحد الاجتماعات بشأن الخطة، إنه أمر السلطات بالعمل على “الحدّ من عمليات جمع التبرعات لصالح كل المنظمات المحظورة في باكستان”.

وأضاف إقبال أن باكستان لا تتخذ هذا الإجراء تحت ضغط أميركي، مضيفا “لا نعمل على إرضاء أي أحد، نعمل انطلاقا من مسؤوليتنا الوطنية على الوفاء بالتزاماتنا تجاه الشعب والمجتمع الدولي”.

وتعتبر الولايات المتحدة الجمعيتين “جبهتين إرهابيتين” لجماعة عسكر طيبة التي أسسها سعيد في عام 1987 وتتهمها واشنطن والهند بالمسؤولية عن هجمات عام 2008 في مومباي، والتي أسفرت عن مقتل 166 شخصا.

ونفى سعيد مرارا تورطه في هجمات مومباي وبرأته محكمة باكستانية لعدم كفاية الأدلة ضده، فيما لم تعلق جماعة عسكر طيبة عن القرار.

وقال المتحدث باسم مؤسسة فلاح الإنسانية، سلمان شاهد، “لم يصلنا حتى الآن أي إخطار بشأن أي حملة ضدنا ولم يسألنا أحد عن عملنا أو أصولنا”، فيما أكد متحدثان باسم جماعة الدعوة أنه ليس بإمكانهما التعليق قبل تسلم إشعار رسمي بشأن خطط الحكومة.

وأكد مراقبون أنه في حال مواصلة الحكومة تنفيذ خطتها ستكون هذه هي أول مرة تتخذ فيها باكستان إجراء بارزا ضد شبكة سعيد التي تضم 300 معهد تعليمي ومدرسة ومستشفى إضافة إلى دار نشر وخدمات إسعاف.

وقال مسؤولان في مجال مكافحة الإرهاب إن نحو 50 ألف متطوع والمئات من العاملين بأجور يعملون مع الجمعيتين، فيما يستعد فريق من مجلس الأمن إلى زيارة باكستان، في أواخر شهر يناير الجاري، لبحث ما تحقق من تقدم في مجال مكافحة الجماعات التي تصنفها الأمم المتحدة بأنها إرهابية.

ويرى متابعون أن إجراء الاستحواذ على الجمعيتين الخيريتين سيثير بعض القلق داخل المؤسسة العسكرية القوية والتي كانت تقدمت بخطط لتوجيه جماعة الدعوة نحو العمل السياسي.

وتتنصل جماعة الدعوة، في العلن، من تشدد المسلحين داخل باكستان، لكنها تدعم علنا قضية المتمردين في إقليم كشمير الذي تديره الهند، حيث وضعت حكومة البنجاب سعيد قيد الإقامة الجبرية لمدة عشرة أشهر خلال عام 2017 لانتهاكه قوانين مكافحة الإرهاب. ووجهت واشنطن تحذيرات إلى إسلام أباد، في أعقاب قرار محكمة باكستانية، إلغاء فرض الإقامة الجبرية على سعيد في أواخر نوفمبرالماضي، حيث عرضت واشنطن مكافأة قدرها عشرة ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى إدانة سعيد في هجمات مومباي.

وحثّ وزير الدفاع الأميركي جيم ماتيس في زيارته إلى باكستان، أوائل ديسمبر الماضي، القادة المدنيين والعسكريين هناك على مضاعفة جهودهم لكبح جماح المسلحين المتهمين باستخدام البلاد كقاعدة لشن هجمات في أفغانستان المجاورة.

ويشعر المسؤولون الأميركيون بالإحباط، منذ فترة طويلة، بسبب ما يرونه من تردد من قبل باكستان في ردع الجماعات المتشددة مثل طالبان وشبكة حقاني التي يعتقدون أنها تستغل الملاذ الآمن على الأراضي الباكستانية لشن هجمات في أفغانستان المجاورة.

وفي أغسطس الماضي، كشف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عن تغييرات جديدة في السياسات التي تنتهجها بلاده في كل من أفغانستان وباكستان والهند، حيث تعهّد بتعزيز الدور العسكري لبلاده في مواجهة حركة طالبان المتشددة.

ويقول الخبراء إن دونالد ترامب، رغم استخدامه لعبارات أكثر صرامة مع باكستان، ما زال يتعين عليه العمل على تغيير حسابات إسلام أباد ولكن إذا ظهرت الولايات المتحدة بمظهر الطرف المستأسد فمن المستبعد أن تحقق نجاحا.

5