"إسلام التوتر العالي" والطائفية والبطولة الموهومة لحزب الله

الجمعة 2014/05/09
حزب الله يوظف مقولات المقاومة ولا يخفي ولاءه لإيران وطائفيته المفرطة

كان يمكن أن يوصف حزب الله، في المراحل التي سبقت سنة 2000، أو ربما التي تلتها حتى سنة 2006، بأنه فصيل مقاوم، لا غرابة في ذلك. ولكن أن يصبح حزب الله هو المقاومة وأن تصبح المقاومة متجسدة في حزب الله وحده لا شريك له وعلى مدى الأزمنة، فهذا تضليل فض للمقاومة والمقاومين عامة بمن فيهم من لا يزال مقاوما تحت قيادة حزب الله نفسه.

ليس حزب الله من ابتكر المقاومة في لبنان، لقد ابتكرها الشعب وخاضها منذ وجد هذا الاحتلال. وقد استمرت المقاومة الشعبية دون تنظيم حقيقي لعقود، وقد أقام اليساريون والقوميون فصائل صغيرة للمقاومة الشعبية: الحرس الثوري، الحرس الشعبي وحركات أخرى، وحين قدِمت الثورة الفلسطينية إلى الجنوب التحق الكثيرون منهم بمنظمات الثورة الفلسطينية بالتنسيق والتعاون معها، وقد تمكنوا من تشكيل قوى مقاومة منظمة لعبت دورا عسكريا في مطلع السبعينات. إلى أن حدث الاجتياح الكبير للبنان من قبل العدو الصهيوني، والذي واجهته قوى المقاومة اللبنانية والفلسطينية بما تمتلك من قدرات. لكنها لم تستطع ردّه، فحاصر الجيش الصهيوني بيروت ثم سيطر عليها. لكن تأسيس جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية “جمول”، أعاد تنظيم العمل المسلح للمقاومة الشعبية وفعّل دورها، ما أرغم الاحتلال على الانسحاب السريع من بيروت.


الهدف من تأسيس حزب الله


تمكن المقاومون الذين كانوا ينتمون إلى جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، خلال أقل من ثلاث سنوات، وتحت وطأة عملياتهم المركزة على مواقع وطرق جيش الاحتلال، أن يرغموه مجددا على الانسحاب الكبير في ربيع 1985 دون شروط أو اتفاقيات، بل كان ذلك انتصارا حاسما للشعب اللبناني عبر مقاومته الوطنية التي تواصلت لتحرير ما تبقى من أراضٍ محتلة ولمنع الاعتداءات المتواصلة على المناطق المحررة.

من الواضح أن الهدف من ذلك ليس المقاومة، لا تأسيسا ولا دعما ولا إسنادا، فماذا كان الهدف إذاً؟ لقد كانت أولى إنجازاته اغتيال عشرات المثقفين والأطباء والمهندسين والأساتذة والمحامين وتحديدا اليساريين منهم، وعلى رأس القائمة طبعا مهدي عامل وحسين مروة وسهيل طويلة.

لو أرادت الجهات المؤسسة لحزب الله المقاومة فعلا لالتحقت بجبهاتها منذ البداية، ولا داعي لتأسيس الحزب أساسا

وبالتأكيد إن الجهات التي عملت على تأسيس حزب الله لم يكن هاجسها لا دعم المقاومة ولا تطوير عملها، لأنه لو كان ذلك هو الهدف لما كانت مضطرة إلى تأسيس هذا الحزب، بل كانت دعمت وعززت المقاومة الوطنية الموجودة والتي تحقق الانتصارات.

لكن الواضح أن تأسيس حزب الله كان لمشروع آخر تماما، وكانت المقاومة هي الورقة الرابحة في هذا المشروع، فتم القضاء على مكونها الوطني في البداية، وعلى ظهيرها الثقافي بالاغتيال والتصفية، ومن ثم يصبح المقاومون أمام احتمال وحيد: الالتحاق بحزب الله المدعوم بقوة من “الثورة الإيرانية” ومن “جبهة الصمود والتصدي” العربية بقيادة النظام الأسدي.

هنا ندرك أن المقاومة، بما هي فعل شعبي لمواجهة الاحتلال والتصدي للعدوانية الصهيونية، قد تمت مصادرتها من قبل حزب الله لاستخدامها لاحقا في تنفيذ مشروعه ومشروع داعميه السياسي في المنطقة. وهذا المشروع ليس سوى مشروع هيمنة بشقين: داخلي في وجه باقي القوى الطائفية، وخارجي يقودة نظام المافيا الإيرانية لفرضه على المنطقة.


انتصار 2000 المزيف


اندحر جيش الاحتلال الصهيوني وعملاؤه المحليون عن الشريط المحتل في جنوب لبنان، وعمّا تبقى محتلا من البقاع الغربي عندما أصبحت تكلفة الاحتلال أكثر بكثير من فوائده.

هذا الانسحاب الذي حصل دون أية اتفاقات مذلة أو أي قيد أو شرط، ولكن تحت ضغط النضال المسلح اليومي الذي فرضته مقاومة الشعب اللبناني، رآه الجميع انتصارا عزّ مثيله، بعد أن اعتادوا وقع الهزائم المتتالية واتفاقيات الذل التي سبق لأنظمة عربية أن وقعتها مع العدو الصهيوني، من كامب ديفيد إلى وادي عربة إلى أوسلو. انتصار ترددت أصداؤه في العالم أجمع، وخصوصا في بلدان الوطن العربي.

لم ينتظر اللبنانيون حسن نصرالله ليهديَ النصر إليهم جميعا. كانوا مقتنعين تماما أنه انتصارهم، لأنّ التضحيات التي قدمت في سبيله هي تضحياتُهم، مهما حاولت قوى سياسية وأحزاب أن تنسبها لنفسها.

كانت كلمة حسن نصرالله في بنت جبيل الحدودية، والتي أهدى خلالها انتصار المقاومة إلى جميع اللبنانيين بداية التوظيف السياسي لهذا النصر. لكن اللحظة الأكثر دراماتيكية في لبنان بعد انتصار سنة 2000 كانت لحظة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، في مرحلة كان الانقسام السياسي بين قوى السلطة يتبلور، وكان الوجود السوري، وبالأخص التدخل المباشر في كل تفاصيل الحياة السياسية وصولا إلى فرض التمديد لرئيس الجمهورية آنذاك، إميل لحود، وسيطرة المخابرات السورية على كامل مفاصل اللعبة السياسية، محور هذا الانقسام.

إضافة إلى استصدار قرار من مجلس الأمن يلزم القوات السورية بالانسحاب الفوري من لبنان. فكان اغتيال رفيق الحرير مقدمة لانسحاب الجيش والاستخبارات السورية نهائيا من لبنان، ربيع 2005، دافعا حزب الله إلى الواجهة في محاولة لملء الفراغ أو للتعويض عن الخروج السوري وفاعليه.


تكتيكات البطولة


ما لبث حزب الله أن وجد نفسه في حاجة لانتصار جديد يمكنه من تعزيز موقعه الداخلي، فكانت عملية اختطاف الجنديين الإسرائيليين من داخل الشريط الحدودي في عملية هي الأجرأ منذ سنة 2000، وذلك لمبادلتهما بالأسرى اللبنانيين والعرب الموجودين في المعتقلات الصهيونية وبجثامين عدد من الشهداء. لكن ردة فعل إسرائيل لم تكن محسوبة من قيادة حزب الله حيث شنّت حربا مدمرة على لبنان (تموز 2006) أوقعت أكثر من 1300 شهيد ودفعت مئات الآلاف إلى النزوح باتجاه الداخل أو باتجاه سوريا.

إعادة الاعتبار للمقاومة يكون عبر الوحدة الوطنية وتأسيس جبهات تقدمية وليست طائفية مرتهنة لأجندات خارجية

لقد اتاحت 15 عاما من تغييب الثقافة التقدمية عن ساحة المقاومة لحزب الله أن يتسلل أيديولوجيا إلى عقول المقاومين، وخاصّة أولئك الذين أنشأهم ودربهم في معسكراته وفي إيران على أيادي حرس الثورة الإيراني.

وهذا ما جعله أكثر قدرة على محاصرة الفكر الثوري ومكنه من إعادة صياغة “المقاومة” بما يتناسب ومشروعه السياسي، الذي تطور ليصبح مشروعا مافيويا بامتياز. ولكن التحول السياسي والاقتصادي لنخب حزب الله باتجاهات مافيوية لا يمكن أن يستفيد منها عموم الشعب الجنوبي أو في الضاحية أو في أيّ من المناطق الشيعية، فالمافيات عموما تحتكر العائدات المادية والنفوذ لصالح مجموعات تتقلص عدديا باستمرار لتصبح في نهاية المطاف مجموعة من العائلات التي تتمتّع بثراء فاحش في مواجهة القواعد التي يضربها الإفقار والتهميش يوما بعد يوم.

وسياسة المافيات حيال الأوضاع الاجتماعية تقوم على الابتزاز في لقمة العيش. وهذا ما يمكن للمدقق ملاحظته اليوم في حرب حزب الله إلى جانب النظام الأسدي ضد ثورة الشعب السوري. فقد استغل حزب الله بؤس وبساطة الآلاف من الشبان، وبالاستعانة بالأيديولوجيا المذهبية التي طالما ضخها في العقول، ليشغلهم كمقاتلين في سوريا مقابل مبالغ زهيدة، بل تافهة. ويتساقط المئات منهم ضحايا عدوانه على سوريا، “فدا رجل السيد حسن”!

إن إعادة الاعتبار للمقاومة لن يكون إلا باستعادتها لمشروعها الوطني للتغيير والتحرر، المشروع الذي لا يفصل بين تحرير الأرض وبين قضيتي السلطة والثروة، أي تحرير الإنسان. وهذا لن يكون ممكنا من دون تحرير المقاومة والمقاومين من سيطرة القوى المافيوية المتسلحة بالأيديولوجيا الدينية والمذهبية والمرتهنة لمشاريع الهيمنة الخارجية، وتحديدا حزب الله.

13