إسلام الزنوج والطفل السوري الغريق

الجمعة 2015/09/04

ربع مليون شخص خاطروا بحياتهم هذا العام لعبور مياه البحر الأبيض المتوسط نحو اليونان، معظمهم من السوريين. وقضى الآلاف من المهاجرين أثناء هذه المحاولات. في الأسبوع الماضي تم العثور في النمسا على شاحنة متوقفة بجانب الطريق بداخلها 71 جثة قرب الحدود مع المجر في ولاية برغلاند.

وخلال يومين تصدرت صورة طفل غريق عمره سنتان على شواطئ تركيا وسائل الإعلام العالمية. وقالت صحيفة الإندبندنت البريطانية إنها قررت نشر الصور الواضحة في موقعها الإلكتروني لأنه “وسط الكلام المنمق حول أزمة المهاجرين المعتملة، من السهل نسيان حقيقة الوضع المأساوي الذي يواجهه العديد من اللاجئين”.

الطفل بدا في صحة جيدة وثيابه أنيقة ما يدل على أنه كان في رعاية أم سورية حنون، قبل أن تجرف الأمواج الأم والطفل والحنان، ثم تلقي بالإنسانية كلها على شاطئ تركي بعيد، لقد بدا الطفل كما لو أنه نائم.

أوروبا مستعدة لقبول خمسة ملايين نازح سني، المهم يبقى المليون علوي يحكمون الشام. تقارب أميركي مع إيران، وفتح الهجرة إلى أوروبا، وكأن الدواعش فيلم بإخراج هوليودي، والسبيل الوحيد لهزيمته هو تجفيف البركة أو إفراغ قاعة السينما من المشاهدين.

وبصراحة نحن لم نعد نعرف هل الغرب هو الطائرات التي تقصف المدن العربية، أم الفتيات الجميلات اللواتي يستقبلن اللاجئين بالأحضان؟ هل الغرب هو الدول التي حاصرت العراق حتى لم يعد هناك حليب أطفال، أم هو هذه الحقوق والعدالة والقانون التي نعيشها عندهم؟ هل الغرب هو الذي يدير الحروب في بلادنا، أم هو هذا الاستقرار والسلام والمساواة في بلادهم؟

صورة الطفل الغريق وهتافات المهاجرين السوريين عند محطات القطارات الأوروبية “ألمانيا، ألمانيا، ماما ميركل” خلفت مشاعر عربية سيئة وجوا من الكدر، فلا يمكن أن نعفي الدول العربية من التقصير واللامبالاة. لقد كان منظر الطفل العربي على شاطئ أحد المنتجعات التركية مبكيا ومدمرا.

أفظع شيء هو أن يفشل الأب والأم في حماية حياة طفل. الأب الحقيقي والأم الحقيقية هي الدولة، فهي أم الطفل وأبوه. هذا ما رأيناه في كندا مثلا، بمجرد أن ينزل الطفل من بطن أمه تصرف له الحكومة راتبا شهريا قدره 500 دولار، وإذا كان الأب أو الأم يعملان بدخل مرتفع فإن وجود طفل يخفف عنهما الضرائب كثيرا. لا يستطيع الأبوان في كندا القول بأنهما ينفقان على الطفل. الدولة في الحقيقة هي التي تنفق.

هذا في الدول المتحضرة حيث الناس سواسية كأسنان المشط، ربما الفقير يعمل في محطة وقود، وربما الغني يملك شركة كبيرة إلا أنهما سواسية، لهما ذات الكرامة والاحترام بالقانون. البنغالي المهاجر يتزوج الشقراء الكندية ويدرس معها على حساب الدولة في أرقى جامعة.

هذه هي الدولة الحقيقية، وليس الدولة التي تضرب شعبها بالأسلحة الكيمياوية، والبراميل المتفجرة، وتختطف وتمارس أبشع أنواع التمييز الطائفي، كما يفعل نظام بشار الأسد بأعظم وأعرق شعب عربي.

قرب هذا الطفل السوري الغريق يستفيق السؤال عن اسمه؟ ما اسم هذا الغريق العربي؟ وقربه ينهض السؤال عن مصير العرب في عالم يزداد شراسة وقسوة. قبل ستين سنة كتب طه حسين أن الحل للمسلمين هو ترك الماضي، والتشبه بالحضارة الغربية الحافر بالحافر.

لقد ظهرت أنظمة قومية علمانية وثقافة شيوعية، إلا أن كل ذلك انهار ولم تنجح تجربة علمانية واحدة. التجارب القوية التي نجحت في المنطقة هي السعودية وتركيا وإيران وإسرائيل، وإن تتفاوت فيما بينها بالدرجة والعراقة، إلا أنها جميعا تعبر اليوم عن جوهر ديني وثقافي وسياسي.

فشل جمال عبدالناصر، وفشل صدام حسـين، فشل الشيوعيون في تـونس والجزائر واليمن والسودان، وفشل البعث في سوريا والعراق، فشلت العروبة وفشلت العلمانية، والإسلام قوي اجتماعيا وضعيف سياسيا.

المسلمون ضعفاء ولاجئون ومتسولون. أبناء سوريا الكرام من فقر إلى فقر منذ تجارب حافظ الأسد الاشتراكية. أما العراقيون فهم من قرح إلى قرح منذ إعلان الجمهورية عام 1958. لا الكفر نفعنا سياسيا، ولا الإسلام السياسي نفعنا، لا السلفية ولا الإخوان عندهم إجابة، لا الدواعش ولا عملاء أميركا عندهم الدواء. ألم يكن أحمد الجلبي وإياد علاوي عميلين لأميركا وعلمانيين كبيرين؟ ماذا قدما لنا؟ لا عملاء إيران قدموا شيئا، ولا عملاء المخابرات الأميركية.

رغم كل هذا الضعف والهوان والذل والخنوع والخوف يصلي المسلمون خمس مرات في اليوم، تجد المساجد مزدحمة. الطمع في الجنة هو كل ما تبقى لنا، مثل أحلام الزنوج في نعيم الآخرة في أميركا في القرن الثامن عشر والتاسع عشر. لقد كان البيض يشجعون الكنائس على احتضان العبيد، لأنها تنسيهم شقاء العيش والهوان الذي هم فيه، وتبشرهم بأن الحياة لا قيمة لها أمام فردوس الرب.

كانت بعض الكنائس في الهواء الطلق حيث يردد العبيد تلك الترانيم الكنسية والأناشيد البليغة المؤثرة بينما عيونهم إلى النجوم في ليالي الصيف، والدمع ينهمر على العشب. تحثهم الكنيسة على الطاعة، فالمسيحي الطيب لا يتمرد على سيده. لم يبق عندنا اليوم سوى “إسلام الزنوج”.

كاتب عراقي

9