إسلام يناقض روح الإسلام

الخميس 2014/01/02

مواصلة للحديث الذي بدأته عن الإسلام السياسي في ليبيا، أقول أن المشهد الذي أعقب انتصار ثورة 17 فبراير واندحار النظام الانقلابي الاستبدادي العسكري، يبدو مشهدا مخيبا للآمال، لا يتفق مع الآمال الكبيرة التي كان الشعب الليبي يعلقها على انتصار الثورة، وانهيار الجدار الذي حال بينه وبين ثروته، وتحسين معيشته، واستمتاعه بحقه في الحرية والكرامة والحياة الدستورية. تعددت الأسباب التي صنعت هذا المشهد الكارثي الذي أعقب الثورة، والحافل بكل أنواع التطرف وغياب الأمن والنظام والقانون، إلا أن أكثر هذه الأسباب ظهورا للعيان، لأنه يعلن عن نفسه بأعلى صوت، وهو صوت القذائف والرصاص، وصوت السلاح الخارج على القانون، هو الإسلام السياسي، بأشكاله المتطرفة، وهيمنته على الأوضاع في ليبيا، إلى حد التغول والاستهتار بإرادة المواطنين، والعبث بالمؤسسات التي قامت على التفويض الشعبي وصناديق الاقتراع، مثل المؤتمر الوطني العام، والحكومة المنتخبة من قبل هذا المؤتمر، وما يتبع هاتين الجهتين من أجهزة، وهي هيمنة لا شرعية لها، ولا قبول في الشارع الليبي لأساليبها، وإنما مفروضة بمنطق القوة، ولأن هذا الإسلام السياسي لا جذور له في ليبيا، ولا يملك قبولا عند الناس.

لا أريد أن أذهب بعيدا في التاريخ، وإنما أشير إلى أن أهم الحركات الإسلامية التي وجدت قبولا في ليبيا وصارت لها جذور منذ تأسيسها في مكة عام 1837 على يد المصلح الديني الكبير الشيخ محمد علي السنوسي، وانتقالها بعد سنوات إلى بوادي ليبيا هي الحركة السنوسية، وهي طريقة صوفية دعوية إرشادية، توخت تجديد مفاهيم الدين وإخراجه من قوالبه الجامدة، ومن حالة الدروشة وإسلام التكايا الذي كان سائدا في تلك المرحلة، وقامت على أربعة أعمدة هي:

1 - رسالة التعليم وإخراج الناس من ظلام الجهل، بالتوسع في تشييد الزوايا التي وصلت إلى عدد كبير هو 121 زاوية، وكانت الزاوية أكثر من مجرد مدرسة قرآنية، بل كانت معهدا ومنارة ومركز إشعاع علمي، فهي جامع وقسم داخلي لإقامة الطلاب ومكان للقاء وجهاء القوم للتدبر فيما يحقق الأمن والرخاء والهناء ويوفر العمل للناس.

2 - اقتران الدين بالعمل، والحث على الزراعة واستصلاح الأراضي ونزع فتيل الفتنة التي كانت تنشب بين القبائل.

3 - نشر الأمان، فقد جاءت إلى بادية كانت تؤمن بمفاهيم قديمة عن الغزو، وكان الفقر يدفع الناس إلى السطو على القوافل، فنشرت مفاهيم الدين الصحيح الذي يحث على التضامن ومنع الاحتراب والاقتتال القبلي وإيقاف عادة الغزو، وضمان سلامة الطرق التجارية في الصحراء، وبالتالي سلامة القوافل وعمدت إلى خلق توافق بين القبائل، وتأسيس مجموعة فرسان يحفظون السلام يقودهم شيوخ الطريقة أنفسهم.

4 - الطريقة السنوسية تؤمن بالدعوة إلى الله بالحسنى والكلمة الطيبة، ولا تبيح العنف واستخدام السلاح إلا في حالة واحدة هي الجهاد ضد المستعمرين، بل هي هنا تدعو إليه وتستنفر قوى الشعب إلى المقاومة، وقد قاد شيوخ الطريقة المقاومة في السودان الغربي ضد الفرنسيين، ثم تولوا قيادة الجهاد في ليبيا ضد الغزو الإيطالي منذ أول يوم للغزو إلى يوم التحرير.

وعندما نشأت دولة الاستقلال الليبية مطلع الخمسينات، بقيادة هذه الطريقة وتحت إشرافها، ساهمت في إنشاء دولة حديثة أخذت بأسباب العصر ومفاهيمه، واعتماد دستور أشرف عليه خبراء الأمم المتحدة، يتوافق مع قيم وتقاليد الحداثة، في بناء دولة مدنية دستورية تفصل بين الدين والسياسة، وانتهت دولة الملك السنوسي، في الستينات دون وجود أي حركات إسلامية سياسية ذات قيمة، فقد حاول تنظيم الإخوان، الذي تأسس عام 1928 في مصر، التسلل إلى ليبيا منتصف الخمسينات عن طريق إثنين من قادته هربا إلى مصر فحماهما الملك السنوسي وأعطاهما الأمان ورفض تسليمهما للسلطات المصرية، ومنحهما حق الإقامة والعمل في التدريس، فلم يحفظا العهد وعملا على تأسيس خلية سرية لتنظيم الإخوان في ليبيا، إلا أن هذه الدعوة لم تجد قبولا رغم تساهل السلطات الملكية مع أعضاء التنظيم. ويقول الكاتب الليبي محمود الناكوع، الذي انضم إلى الجماعة عندما كان طالبا في الجامعة في الستينات، أنه لم يكن هناك في طول ليبيا وعرضها، عندما انتهى النظام الملكي، ومجيء العهد الانقلابي، غير خمسين رجلا، هم كل أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، يلتقون لقاءات حرة فيما يسمى العائلات الإخوانية، باعتبار أن الخلية تسمى عائلة، وطبعا جاء مع نظام القذافي العسف والقهر والقتل الذي طال الجماعة وهروب بعض أعضائها أوسجنهم رغم قلة عددهم، فلم تكن ثمة فرصة تحت هذا العهد لأي عمل حزبي ولا فرصة لتجنيد الأعضاء ولا إمكانية للنمو والانتشار، لا لجماعة الإخوان ولا لغيرها من جماعات التطرف والغلو والعنف التي خرجت من معطف هذه الجماعة، وقدمت هذا الوجه الدموي للإسلام الذي طالت جرائمه كل بقاع العالم والذي يناقض روح الإسلام.

ويظل السؤال قائما وهو متى وكيف ولدت هذه الجماعات التكفيرية التي دخلت المشهد السياسي والثوري في ليبيا، وسعت جاهدة لأن تتسيد بلغة المدفع والرصاص.

كاتب ليبي

9