إسماعيل العامود شاعر سوري رائد عاش طويلا في عالم الأشباح

الأحد 2015/02/15
العامود رحل وفي أعماقه رغبة جارفة في التحرر من كل رواسب الأجيال الموغلة في القدم

“غريباً أتيتكِ

محمّلاً بالغبار ومعتقلاً بالتسكع

وحزيناً فتحت فيكِ صدري للحب

لي مع كل عائدة من البريد

زوادة تين وزبيب

وكسرة خبز يابسة

وكل عابر لي عنده تحية مودة ومقايضة

فامنحيني حضنك يا مدينتي الجميلة

أنا عائد من أسفار الزمن المغبرّ بالفوضى”.


كانت تلك الكلمات للشاعر السوري الرائد إسماعيل العامود الذي لم تحفل الأقسام الثقافية في الصحف العربية، بخبر رحيله، وكأنه لم يقع، فهم لا يعثرون عليه إلا في المراجع والكتب النقدية التي ترصد تطور القصيدة الحديثة في سوريا والعالم العربي، ولا نشاط يذكر له في الحياة العامة، بينما تشير تواريخ قصائده إلى سنوات قديمة، ما دفع كثيرين للاعتقاد أن الرجل قد غادر العالم منذ زمن سحيق، وحتى حين تناقش شاعراً عربياً اليوم، من كتاب قصيدة النثر التي لم تواصل إشكالاتها واستشكالاتها، وتذكر أمامه اسم إسماعيل العامود، تجده يتبرم ويقلّب شفتيه، غير موافق على أن الرجل كان له دور في تقديم القصيدة المتحللة من الأوزان في وقت مبكر جداً بدءاً من العام 1946، حين لم يكن أحد قد سمع بأدونيس ولا بمحمد الماغوط ولا بسواهما.


طريق السلمية


وقد كنت شخصياً أحد هؤلاء الذين يظنون أن العامود شبح من عالم الأبيض والأسود، حتى ذكر أمامي أحد أبناء السلمية مسقط رأس إسماعيل العامود أن الرجل حي يرزق، فقررت صناعة فيلم وثائقي عنه وعن حياته، في العام 2008 كانت دمشق تدّعي أنها عاصمة الثقافة العربية، بينما كانت الثقافة فيها تشهد أسوأ دركٍ انحطت إليه الثقافات العربية على الإطلاق، بتحولها إلى مجرد ديكور وظيفي لخدمة الاستبداد وتحسين صورته وتبرير وجوده، فاستعملت السينما وذلّل المسرح وابتذلت الفنون التشكيلية في سبيل تلك الغاية، في علاقة منفعة متبادلة، ولكن لم يكن الشعر الحقيقي أحد تلك الحوامل التي حرص عليها النظام الأمني، فمن الصعب عليه أن يدرك أهمية هذا المؤثر الحساس والخطر، بعد أن كان أقفل دوائره على مجموعة من المدّاحين الذين لم يقدموا شيئاً للتجربة الشعرية لا محلياً ولا عربياً، أما الشباب فقد كانت قصيدته قد تعمّدت الذهاب إلى الاستخفاف بالمعنى، بهجرة الأفكار الكبيرة، والتفرغ للحديث عن ساعة الحبيبة وسروال العاشق والقطة التي تموء عند مدخل بيت الجيران حيث الصبية التي يشتاق إليها الشاعر، وسوى ذلك من ركاكة القالب والمضمون، حصلت على رقم هاتف العامود واتصلت به، وكان صوته قادماً من غياب عتيق، فوجئ بالطلب، ورحّب به، وسريعاً رحلنا إلى السلمية، الشاعر والمخرج السوري علي سفر وأنا وفريق تصوير مكون من ثلاثة أفراد، السلمية مدينة الإسماعيليين السوريين، حاضرة في البادية، على ضفاف التراب، وريثة الفكر الفاطمي وتحولات الثورة من قلعة ألموت إلى سلام الإسماعيلي الداخلي، وتصالحه مع العالم، ومن خناجر الحسن الصباح التي كان يرسلها إلى القادة والأمراء، إلى رقة ما يكتب أبناؤها في أوراقهم الصغيرة، التي لم يكن من فارق كبير بين أن تطوى وتخبأ في السجون، أو في الحرية حيث السجن السوري الكبير.

إسماعيل العامود رحل ولم يترك ضجيجا، ولا سيرة عنيفة، ولا تصريحات نارية، ولا شبكة علاقات عامة، ولا منجزات إعلامية، ترك محاولته في أن يكون مختلفا، واحد من الناس، حاول أن يكتب شعر الناس بلا ترفع عليهم، الترفع الذي عابه على المتنبي ذات يوم


” تاريخي يرتمي عن الأشجار عند أقدام المدينة

وأنا أنتظر امرأة ما

أتسكع في عينيها الوحشيتين إلى آخر الدنيا

أغفو مشرداً ضائعاً في حقول عينيها

آه من عينيها

والليل مجنون الرياح في غابات النجوم

وأكواخ الغجريات العاريات

أيتها المدينة التي تذبح

الشمس فوق جبيني

من أرصفتك الملوثة

أشعاري من أجل الحب والتسكع والمطر”.


شوارع في الهجير، ظهيرة حارة، دون أن تنتمي إلى الفصول، وحارات خالية من السكان، فالمدينة كان قد هجرها أهلها بسبب المجاعة القديمة، والعطش الجديد، ولكنها بقيت منبعاً للحياة وللشعراء والمبدعين، عبدالله صديق علي، بائع الدكان المثقف المعارض يوصلنا إلى بيت الأستاذ العامود، بيت متواضع بسيط، حيٌ ومتوقد، في ثنايا الغبار الذي يغطي المدينة والبيوت والكراسي والطاولات والستائر المستعملة بدلاً عن الأبواب، كان علي متألماً في أعماقه، وصامتاً معظم الوقت، فهذه مدينته أيضاً، ورمز ثقافته العميقة، مدينة المعتقلين والثائرين والشعراء، السلمية المهجورة.

بالكاد ينهض الرجل للسلام علينا، رقيق وهش، تركته السنوات الطويلة يبتعد ويبتعد، ولوهلة تظن أنك لن تحصل منه على أيّ شيء في الحوار، أمام الكاميرا، ولكنه سيفاجئ الجميع، بأن خلف الجسد السائر على عكّاز، يقف رجل قوي ما يزال هو هو، الشاعر الذي أراد تقديم تجربته مختلفة جريئة، ولم يكترث كما فعل غيره بالعلاقات العامة والتهتك والابتذال من أجل الشهرة، فحسبه شعره وكتبه التي جعلت منه وثيقة حية أكثر من مادة للشد والجذب.


شاي في ضوء القمر


كان عنوان كتاب محمد الماغوط الشعري الأول “حزن في ضوء القمر” وهو الكتاب الذي قال عنه إسماعيل العمود إنه لم يكن تجديدياً بما يكفي، وأنه ذهب هو والماغوط لحضور فيلم سينما اشتهر حينها وكان عنوانه “شاي في ضوء القمر” فاشتق الماغوط اسم كتابه من اسم الفيلم، العامود لم يكن يشكو من التغييب، فقد كان غيابه اختيارياً، الفتى الذي رأى النور في السلمية في العام 1928، لم يكن يتخيل أن مسار حياته سيكون على النحو الذي سار عليه، بعد أن درس في المدرسة الشرعية في دمشق، ثم في مدرسة الأخصائيين ليتخرج منها في العام 1948، لينخرط في الجيش السوري في قلب العاصمة دمشق، في فترة نهضتها الفكرية والثقافية والديمقراطية معاً، بدايات الخمسينات، حيث كان أبناء الأرياف البعيدة يقدمون إلى عاصمة النور كما كانوا يرونها ويصفونها، جاء الإخوة الجندي علي وسامي والآخرون، وجاء سعدالله ونوس والماغوط وعلي أحمد سعيد (أدونيس) وكذلك محمد الفراتي وعبدالسلام العجيلي وعشرات الأسماء التي غادرت بيئاتها البسيطة لتلتحق بركب الاستقلال، الذي وعد الجماهير بالحرية والعمل مع سيل من الوعود بالديمقراطية والتحديث في الكتابة والحياة.

كان في زمن إسماعيل العامود مجدد سابق، هو سليمان عواد، ابن مدينته الذي ولد في العام 1922 وغادر إلى دمشق أيضاً، وكتب القصيدة السوريالية كما يقول النقاد، صاحب كتاب “سمرنار” في العام 1957، و”أغانٍ بوهيمية” في العام 1960 وغيرها من المجموعات الشعرية التي ثبتته كأول كاتب سوري لقصيدة النثر، هذا ما يعترف به إسماعيل العامود، صديق رحلة عواد، الذي يقول إنه كتب قصيدة النثر بدءاً من العام 1946، ونشر أولى قصائده في الصحافة بينما، كان الماغوط وأدونيس ما يزالان في صفوف المدرسة، فالماغوط لم ينشر كتابه حتى العام 1959، وقبلها كان قد نشر قصائد متفرقة في مجلة “الجندي” مع أدونيس وخالدة سعيد وكذلك في مجلة شعر التي قدّمه إليها قريبه أدونيس، ليتبناه الشاعر الكبير يوسف الخال صاحب المجلة وصاحب تيار التحديث في الشعر في ذلك الوقت.وكان الكتاب الشعري “أغاني الرحيل” أول أعمال العامود، وقد أصدره في العام 1959، ثم تلته مجموعته “كآبة” بعد عام واحد، ثم تتالت أعماله الشعرية وصولاً إلى مجموعته الخاصة “الكتابة في دفتر دمشق” في أواخر السبعينات، ولم يتوقف يوماً عن الكتابة بغض النظر عن نشر أعماله أو توقيت طباعة كتبه، يقول إسماعيل العمود إن “الشعر كالحياة، كلما تطورت هذه الجغرافيا الإنسانية تطور معها، لأنه يستمد قوته ويأخذ معينه من أصله الأم، فإذا زعم أحد المحنّطين عن هذا التطور الحياتي الشعوري بأنه مخالف للذات الإنسانية، وبأنه حرب على اللغة والتراث، جاز لنا أن ننعته بالجهل الأكيد لمعالم الحياة الخيّرة المبدعة، من هنا يمكن القول: (إن شاعر الأمس مختلف عن شاعر اليوم)، كيف لا وقد اختلف الإنسان حتى في التركيب العضوي -بعض الشيء- فكيف لا يتغير التركيب الهرمي للقصيدة”

بتفكير من هذا النوع، يطرح إسماعيل العامود نفسه ليس كجالس في ردهة الشعراء، بل كناظر إلى الكون وعلاقة الشاعر معه، تأثّره به وتأثيره فيه، يقول عن كتابه “التسكّع والمطر” إنه قد نسجه من خلال حالته المدنية الواقعية بكل سخافاتها القديمة، “لقد وجدت بعد التجربة والمعاناة، أن الكلام المتحرر المتمرد، إنما هو ذاتي الشاردة التي تبحث عن الإنسان، عن الشاعر الحقيقي”.

العامود يرى أن الشعر كالحياة، فكلما تطورت هذه الجغرافيا الإنسانية تطور معها، لأنه كما يقول يستمد قوته ويأخذ معينه من أصله الأم، فإذا "زعم أحد المحنطين عن هذا التطور الحياتي الشعوري بأنه مخالف للذات الإنسانية، وبأنه حرب على اللغة والتراث، جاز لنا أن ننعته بالجهل الأكيد لمعالم الحياة الخيرة المبدعة"


“قلبي لم يعد يحتمل هؤلاء المحنطين الجبناء

يطلبون مني القصائد الهندسية

التي هي أطول من المقت وليالي السجون الرطبة

هؤلاء كم أمقتهم

عندما يفكرون

بالحروب وأيام الانتصار

أغنياتهم تتقصف بسخرية تحت الأسوار الترابية”.


كتب إسماعيل العمود الأنماط الثلاثة كما يقول، الشعر العمودي والتفعيلة وقصيدة النثر، ولكنه اشتهر بالنثر أكثر، فالمناخ كان يتطلب التجديد، وبوجود شعراء كبار في النمط التقليدي كالفراتي وبدوي الجبل وعمر أبي ريشة لن يفكر الآخرون بالتقليد بل بالاجتراح.

قال العمود مخاطباً النقاد: “يا أستاذتنا، الكلمة فيها إيقاع ووزن، ولا تحتاج إلى منظومات هندسية إضافية، الكلمة فيها موسيقى، فلماذا لا زلتم تناقشون شرعية قصيدة النثر من عدم شرعيتها؟ ونحن لا نركض وراء التسميات”.

ليس غريباً أن يكتب عنه صديقه العواد قائلاً “في أعماقه رغبة جارفة في التحرر من كل رواسب الأجيال الموغلة في القدم، وتعطش جامح إلى الذوبان في سيمفونية الحياة الخصبة المبدعة، ولكن أكدار الحياة تعكر صفو هذه الرغبة وذلك التعطش، من هذه النقطة تنطلق شرارة الكآبة في نفس الشعر حتى تستحيل إلى لهيب، يرافق ذلك غوص إلى الأغوار لالتقاط كنوز الأحاسيس والمشاعر في أسلوب ضبابي خفيف، وخيال متوثّب، وأداء فني يلامس القمة الوردية في فردوس الشاعر المنشود”.


مشكلة المتنبي


كان إسماعيل العامود هادئاً في الفيلم، ولكنه ثار فجأة عند الحديث عن المتنبي، الذي وصفه بأنه كان شاعراً مداحاً لم يحترم ذاته ومكانته “لو كنت مكانه لما فعلت هذا، كيف يقول إن العبيد لأنجاس مناكيدُ؟ هل هذا كلام؟ يا متنبي اجلس في بيتك واكتب شعراً، عيب، أنت متنبي، انظر إلى رامبو، عاش كثيراً على البسطات، قبل أن يكتشف شعره صاحب مطبعة، اكتب شعراً والتاريخ هو يأتي إليك، كيف تقول أنجاس مناكيدُ؟”، بدا العامود غاضباً، كامناً متحيناً الفرصة للانقضاض على رفاق مسيرة شعرية، قال إنه يحتفظ للماغوط بقصائد عنده و”لو كنت مكانه لم أنشر غيرها، لأنها هي الشعر والباقي لا قيمة له”، يقول إنه عاش في بيئة حملت إليه المعارف والثقافات رغم فقرها، فكان أستاذه الشاعر أنور الجندي، حين بدأ يقرأ لألبير أديب وأمين نخلة وصلاح لبكي وآخرين.

كانت كلمة “مطمور” شديدة القسوة في عنوان الفيلم، ولكن الحال كانت هكذا، ومع الوقت، ظهر أن الذين عاشوا تحت الضوء الساطع، بينما توارى إسماعيل العامود في النور الخافت، لم يتمكنوا من التماسك عند أول هزّة عنيفة تضرب المجتمعات العربية والإسلامية، فانكمشوا إلى طائفيتهم وهويّاتهم الضيقة، وظهر أن كل منجزهم كان قناعاً للحداثة، وليس الحداثة ذاتها.

لا يعتبر النقاد أن شعر إسماعيل العمود تجديدي وفق معاييرهم، بل هو أقرب إلى التدفق الشعوري، حتى أن كثيرين لا يعترفون به، رغم كتبه وحضوره السبّاق، والجوائز التي حصل عليها، بينما يقف شعره كمادة للبساطة، أكثر بلاغة من سلاح الماغوط الذي تعمّد تسطيح العالم، وتقليص المفاهيم، ولم يتردد في استعارة الحسين المقتول في وصف نهر بردى، في ارتداد ذهني أبعد ما يكون عن حركة الحداثة التي انحاز إليها العامود.

رحل إسماعيل العامود، لكنه ترك عن دمشق كلمات أثيرة:


” يا كل أشعاري أنت

يا عزيمتي

أنت يا رقيقة الحواشي

يا أرغن الليل السابح في عرصات المدن الطافية”


وعن الغوطة التي تباد اليوم كتب العامود ما لم يسعفه إليه النثر:


“شعر، لعمركِ، ما دوّنتُ أحرفه

إلا لينحر في تشرينك الزهرُ

أفدي بغوطتك الرهواء ملحمةً

للخصب يكتبها في ربعكِ الشجرُ”.


لم يترك ضجيجاً، ولا سيرة عنيفة، ولا تصريحات نارية، ولا شبكة علاقات عامة، ولا منجزات إعلامية، ترك محاولته لأن يكون مختلفاً، واحدٌ من الناس، حاول أن يكتب شعر الناس بلا ترفّع عليهم، الترفع الذي عابه على المتنبي ذات يوم.

8