إسماعيل شموط درس الفلسطيني الذي اخترع لغة بصرية لشعبه

الأحد 2017/02/12
إسماعيل شموط رسام الذاكرة وحارس الهوية الوطنية

لندن – "لم نرسم مناظر طبيعية ولا طبيعة جامدة. لا زهور ولا فواكه" تقول تمام الأكحل وهي رفيقة عمره منذ سنة 1959 حتى وفاته. غير أن تلك المرأة كانت أيضا شريكة مغامرته الفنية.

حتى الزهور التي رسمها إسماعيل شموط في عدد قليل من لوحاته كانت أشبه بالرسائل التي تكشف عن مزاجه الذي اشتبك بمزاج شعب معذب. لذلك كانت زهورا متألمة وموجعة.

مخترع لغة معذبة

كان مزاجه الفني الذي يصنع موضوعاته يتأثر بتجليات ما يقع من حوله. ذلك الرسام الذي لم يكن يملك الوقت لما هو شخصي كان ملكا لقضية أكبر منه وكان في الوقت نفسه واحدا من رسلها إلى العالم.

فكانت لوحاته بمثابة مؤشرا يسجّل بحركته، ارتفاعا وانخفاضا ما يجري لذلك الشعب المعذب الذي أوكل إليه مهمة التعبير عن فجيعته من خلال الرسم. ولم يكن شموط كأي رسام فلسطيني آخر. كان بسبب ريادته خالق لغة، ستشكل مفرداتها في ما بعد المعجم الذي ينهل منه رسامون فلسطينيون، قُدّر لهم أن يتمسكوا بهوية وطنية، كان العالم كله قد قرر محوها.

بهذا المعنى يكون شموط واحدا من قلائل، هم صناع المعجزة الفلسطينية. معجزة فرضت على العالم واقعا كان بالنسبة إلى الكثيرين قد ذهب إلى عدمه. بالنسبة إلى فلسطيني من نوع شموط فإن الانفصال عن ذلك الواقع كان خيانة لإرث الألم والعذاب والقسوة والظلم.

يمكن أن يستثنى فن شموط من كل شروط وأحكام مسبقة بسبب تلك المعجزة. فالنظر إلى ذلك الفن ينبغي أن يتم من داخل التجربة الفلسطينية، كان فنا مختلفا إذا ما تمت مقارنته بالتجارب الفنية لفنانين عرب، هم من جيل شموط أو من الأجيال التي سبقته.

فن إسماعيل شموط عميق حين يتعلق الأمر بالجوهر

وهو ما يهبه خصوصية، فيها الكثير من العناد والمجازفة. ذلك لأن شموط قد نظر إلى الرسم من جهة وظيفته التاريخية التي وضعته في خدمة قضية إنسانية، لم تكن السياسة إلا واجهتها الزجاجية الشفافة. لذلك لا يمكن الحكم على فن شموط باعتباره فنا سياسيا. فالرجل وإن كان قريبا من السياسة كان رساما قبل أيّ صفة أخرى.

رجل التاريخ والحكاية الفلسطينية

ولد إسماعيل عبدالقادر شموط في اللدّ العام 1930. بعد النكبة التي حلت بالفلسطينيين العام 1948 بقيام دولة إسرائيل على أرضهم التحق بصفوف المطرودين حيث أقام مع عائلته في مخيم للاجئين في خان يونس بقطاع غزة الذي ألحق بمصر.

درس فن الرسم في القاهرة بين عامي 1950و 1954 وكان قد أقام معرضه الشخصي الأول في مدينة غزة عام 1953 وحين تخرّجه أقام معرضه الشخصي الثاني بمشاركة زميلته تمام عارف الأكحل.

بعدها مباشرة تابع دراسته الفنية في روما لينهيها العام 1956. بين عامي 1957 و1983 عاش في بيروت وكان قد أصبح أمينا عاما لاتحاد الفنانين التشكيليين الفلسطينيين العام 1969، بعدها بعامين أنتخب في بغداد ليكون أمينا عاما لاتحاد الفنانين العرب.

انتقل من بيروت إلى الكويت ثم قضى سنتين في ألمانيا ليستقر أخيرا في عمان غير أنه توفي في أحد مستشفيات ألمانيا العام 2006.

ألّف شموط كتبا، تمحورت مثل رسومه حول فلسطين وشعبها وهي الفنان الصغير (1957) موجز تاريخ فلسطيني مصور (1972) الفن الشعبي الفلسطيني (1976) فلسطين- تاريخ وحضارة (1977) الفن التشكيلي في فلسطين (1989). وكما هو واضح من عناوين كتبه فإن حكاية شعبة هي الجزء الحقيقي الوحيد الذي يستحق أن يُروى بلسانه.

رسام فلسطين باعتبارها طائر العنقاء الذي ينبعث من رماده

“مسيرة شعب” هو عنوان اللوحة الكبيرة (ستة أمتار طولا) التي أنجزها شموط العام 1980 ولم يكن يخطر في ذهنه أن تلك اللوحة ستتشبّه به فتتعرض لما تعرض له من غزو وتشرد وتغييب وقسوة ومن ثم رعاية من قبل الغرباء المتأنقين.

في تلك اللوحة مزج الفنان بين مأساة شعبه وحياته الشخصية. أكثر من ستة أشهر قضاها وهو يرسم. كانت تلك اللوحة بمثابة وصيته وخلاصة حياته في الوقت الذي يرى فيه المتابعون لمسيرته الفنية أنها كانت أهم أعماله على الإطلاق.

عرضت تلك اللوحة أول مرة في العام 1981 في دار الكرامة ببيروت ثم ذهبت في جولة لتعرض في دمشق وماليزيا والكويت وعمان وأبو ظبي لتستقر أخيرا في رام الله.

في العام 2002 وقع الاجتياح الإسرائيلي، حينها أخفيت اللوحة الكبيرة في كيس مخدة بعد أن طويت من قبل مدير المتحف في رام الله. وبعد وفاة شموط ومدير المتحف معا، استطاعت زوجة الفنان تمام الأكحل أن تستعيد اللوحة العام 2008 لتقوم بعرضها للبيع من خلال مزاد كريستيز.

رسم شعبه ورسم حياته الشخصية لينتهيا إلى ظلمة كيس مخدة لسنوات ولن يظهرا على العالم إلا في مزاد علني. أليست تلك الرحلة التي خاضتها اللوحة هي التجسيد الأمثل لمسيرة الشعب الفلسطيني من منفاه الداخلي إلى غربته الخارجية؟

أيقونة الرسم المقاوم

“مسيرة شعب” اللوحة هي اسم على مسمى. لقد عاشت ما عاشه الشعب الفلسطيني وما عاشه رسامها شخصيا من أسفار وأهوال ومعاناة لتنتهي أخيرا بضاعة في مزاد علني. لقد صنعت تلك اللوحة عن طريق الصدفة قدرا حوّله رسامها إلى خبرة عيش. تلك الخبرة هي خلاصة التيه الفلسطيني الذي حوّلته الذاكرة إلى متحف حيّ.

"مسيرة شعب" خلاصة التيه الفلسطيني الذي حوّلته الذاكرة إلى متحف حيّ

كانت لوحات إسماعيل شموط متحفا للذاكرة الفلسطينية. لقد حرص الفنان على أن يكون وفيا لما يتذكره من طفولته. غير أن لوحاته في الوقت نفسه لم تكن مجرد استعادات لحياة لم تعد ممكنة. ففي مرحلة سطوع نجم الأمل من خلال المقاومة الفلسطينية امتلأت لوحات شموط بالتفاؤل.

لقد اخترع الفنان لغته من مواد صلبة كانت قد تسربت إلى ذاكرته غير أنه استفاد كثيرا من المواد السائلة التي كانت الوقائع المقاومة تضعها بين يدي العالم. كان هناك شعب لم يتخل عن هويته ولم تنجح كل المحاولات في إذابته يقاوم، بل ويخرج إلى الحياة المعاصرة باعتباره رمزا للمقاومة.

كان شموط رسام فلسطين باعتبارها طائر العنقاء الذي ينبعث من رماده. رسّام أيقوناتها الذي صار هو شخصيا أيقونة بالنسبة إلى سواه من الرسامين الفلسطينيين. ومثلما استحضر شموط الرموز الفلسطينية الحية فإن التاريخ الفني لشعبه يستحضره باعتباره رمزا لحيويته.

ننظر اليوم إلى رسوم شموط باعتبارها جزءًا من التاريخ. غير أن الفلسطينيين ينظرون إليها بطريقة مختلفة تماما. ذلك لأن تلك الرسوم لا تزال تقيم في لحظة المقاومة التي تعرضت للكثير من الخذلان.

لا يزال الفنان الذي صنع معجما للغة التعبير الفلسطيني من خلال الفن صادما في إخلاصه للبعد الملحمي الذي انطوت عليه قضية الشعب الفلسطيني، بعيدا عن كواليس السياسة، بكل ما تخللها من مؤامرات فجة.

الفلسطينيون الذين رسمهم إسماعيل شموط هم الممثل الحقيقي لفلسطين ببعدها الإنساني. ذلك البلد الغريب الذي صار مع الوقت يتخذ بعدا تجريديا. شموط هو الابن الحقيقي لذلك الشعب. استحضره بصريا غير أنه في الوقت نفسه استلهم قوته صامدا.

فن إسماعيل شموط عميق حين يتعلق الأمر بالجوهر. فلسطين لا تزال موجودة. هذا هو درس الفلسطيني الذي مات في ألمانيا.

10