إسماعيل فهد إسماعيل يقود شخصياته إلى التواطؤ مع العدو

الخميس 2015/01/22
إسماعيل فهد إسماعيل روائي شجاع لا يتغاضى عن انتقاد الأنظمة الشمولية

في روايته الجديدة “طيور التاجي” الصّادرة عن دار نشر نوفابلس والاختلاف وضفاف بيروت 2014، يقدّم الكاتب الكويتي الذي يُعدّ أبا للرواية الكويتية، إسماعيل فهد إسماعيل، رؤيته إلى أحداث الحرب التي قام بها النظام العراقي السّابق ضدّ الكويت، رغم أنّ الكاتب يمزج المتخيّل بالواقعيّ، إلا أنّ الواقعي فاق الخيال ألما وتشويقا.

الرواية حكاية عن أربعة أسرى يتخذهم الكاتب مفتاحا ليتحدّث عن مأساة 600 أسير كويتي في السّجون العراقية إبان الغزو العراقي، وما حَاق بهم من غبن ونسيان، وما كان له من أثر على أسرهم التي عانت الانتظار والخوف من سوء المصير.


الحزن والمحبة


فداحة الحدث، ظاهرة في الإيقاع الحزين للسّرد، والتداعيات المأساوية للشخصيات والتي تَرَكَ لها الرَّاوي مساحةً كبيرةً، وهو ما حَدَا بالكاتب إلى أن يعقب النص بخاتمة حزينة تجعل منه حزنًا جماعيًا وأشمل، هكذا “وَرَدَ في سِفْر الأحوال أنّ الحزن سمّة الكائن البشري، ومَنْ أحسَنَ تداولَه عَرَفَ كيف يُقيم صرحَ محبة”، ومع هذا الحزن ثمّة حيادية في السّرد، بل ثمّة تعاطف أو قل تواطؤ بين الرَّاوي والشّعب العراقيّ المقهور، الذي مني بالكثير من الجرائم في حقه مِن قبل نظامه، حتى تردّد أنَّ النِّظام لم ينتصر طوال الحروب التي خاضها إلا في إذلاله للشعب، بدءًا من دوامة الحروب التي أقحمه فيها، وصولاً إلى المجزرة الجماعية التي أحدثها ضدّ الشيعة بعد أحداث الانتفاضة التي وقعت بعد الغزو.

يأخذنا الكاتب في مسار حكاية تبلغ عدد صفحاتها 372 صفحة من القطع المتوسط، موزّعة أحداثها على قسمين، الأوّل معنون بفصل أوّل، يمتدُّ إلى نهاية الرواية، ثمّ يعقبه فصل أخير، عبارة عن سطر ونصف السطر، يُظهر فيهما حزنه الذي يريد أن يعممه، ما بين القسم الأول الذي تبدأ به الحكاية والخاتمة التي جاءت كتأكيد على الألم الذي كسا الرواية وأحداثها المأسوية، وأيضًا ما انتهى إليه العراق بعد دخول القوات الأميركية جنوب بغداد، واقترابها من العاصمة وهروب مَن استطاع القفز من المركب.

حكاية الأسرى الأربعة (بدر وجعفر وغانم وفهد) أو العُهْدة بتعبير القيادة أثناء تكليف الضابط أيمن والعريف ريسان بالمهمة، رغم أنها تحتل مساحة مهمّة في الرِّواية، التي استغرقت أحداثها اثني عشر عامًا، هي مدة الأسر، ليست هي الحكاية المفصليّة أو حتى الحكاية الوحيدة الدّالة على قمعية النظام، بل يورد الكاتب حكايات متداخلة عن شخصيات تؤكّد فداحة النظام وبطشه، ولكن بتنويعات مختلفة، كحكاية خالد عادل الذي فرّ إلى أستراليا، أو عليوة المصري الذي قتله ضابط من القوات الخاصة في مقهى القاسم، وتلفيق التهمة لصديقه التشادي آدم يوسف الذي كان يصطحبه في رحلة من الكويت إلى إسطنبول مرورًا بالعراق، وحدث لهما ما حدث.

رغم أن الرواية تقوم على السيرة فإنها تضم كتابة داخل الكتابة، وهي تقنية تدفع بالنص إلى أطر جديدة، بعيدة عن الكتابة السّيرية الخالصة

وعلى الجانب الآخر كانت ثمّة حيادية أو تواطؤ مِن قبل الرّاوي بإظهار تعاطفه مع الشعب العراقي المقهور، من خلال قصته التي نشرها إبراهيم فرغلي في الملف الخاص بالأسرى، أو وصفه لمأساة الشعب التي خلفها الحصار من عمل كفاءات بينهم مهندسون وأساتذة في شوارع عمّان.

وقد تعرّض الجانبان للعقاب، فالضابط ومعاونه سُجنا عندما تمّ اكتشاف هذه التسهيلات، ولم يخرجا إلا بعد فتح السجون. والكاتب لاقى حملة شرسة من بني جلدته من الكُتّاب على هذا التعاطف الذي أبداه في قصته.


خيوط سردية متشابكة


ثمة ثلاثة خيوط سردية تتحكم وتسيطر على مفاصل الرواية، الخيط الأول واقعي، حيث يدمج فيه الكاتب الكثير من السير بدءًا من التمهيد الذكي الذي استهلّ به نصه، ليجعل منه رواية داخل رواية، وعلاقته بالصحفي إبراهيم فرغلي الذي طلب منه نصًا للملف الذي تعتزم إدارة مجلة العربي نشره بمناسبة ذكرى الاحتفالات بالتحرير، ومنه يتطرّق الكاتب إلى إشكالية الكتابة لديه وما يعانيه، ومسألة التصنيف التي تندرج ضمنها هذه الكتابة أو التنوّع الصوتي الذي يجمع تحت إطاره ما يكتبه، وكذلك علاقته بالدكتور غانم النجار المسؤول عن ملف الأسرى.

أما الخيطان الآخران فهما مُتخيّلان، وإن كانا متشابكيْن مع بعضهما، أولهما قصة الأسرى الأربعة وأسباب أسرهم، وثانيهما حكاية أيمن الضابط المكلّف بمراقبة الأسرى الأربعة، وحالة المعاناة التي يعيشها بسبب حالة التعاطف التي أخذتْ تتسرب إليه تجاههم رغم التحذيرات المُسْبَقَة التي تحكم طبيعة علاقته معهم، ثم علاقته بهيا ابنة العريف ريسان، وتأثير تعرُّفه على أسرتها من تماهٍ تامّ مع مأساة الأسرى.

عبر الجزء الخيالي يُعطي الراوي الغائب للشخصيات دفة السّرد لترميم فجواته، فيحكون عن أَسْرِهم، وعلاقات حبهم، وأيضًا عن مِحنهم، كما حدث مع غالب الذي فقد رباب العراقية وطفله على باب المستشفى أو المعاناة بسبب أنه من البدون كجعفر.

الخيط الأول الواقعي لا ينفصل عن الخيالي، فالروائي له أخ مفقود ومن ثمَّ يقوم بالبحث عنه، وعندما يتعيَّن عليه كتابة قصة للمشاركة في ملف المجلة، لا تفارقه قصة الأسرى بل يجعلها ذات طابع إنساني لا شخصي، فيتحدث عن المعاناة التي حدثت جرّاء الغزو للعراقيين وليس للكويتيين.

وعبر هذه القصة التي تحمل جانبًا من تعاطف يعكس به علاقة الشعبين الشقيقين، ينسج الخيوط التي توصل بين الخيالي والواقعي ويوصل الجسور بينهما.
رواية تعري حكم الأنظمة الشمولية

التعدّد هو قرينُ النّص، فثمة تعدّد ليس على مستوى الحكاية، حكاية الأسرى الأربعة وحكاية الضابط وحكاية الراوي فقط، بل أيضًا هناك تعدّد على مستوى الأماكن، فما إن تبدأ الحكاية في الكويت، حتى تنتقل أجزاء من الحكاية إلى العراق، إلى معسكر التاجي، وبعضها في القاهرة، ولندن، وإسطنبول، وبالمثل ثمّة تعدّد على مستوى الضمائر.

كما تتداخل في النص أشكال كتابية متنوّعة، كالوقائع الذاتيّة، خاصّة ما يسرده الكاتب عن لقاءاته بالكاتب إبراهيم فرغلي، ومناقشاتهما حول ما يكتبه، أو شكل ما يكتبه، بل يمكن القول إن ثمة كتابة داخل الكتابة، وهي تقنية تدفع بالنص إلى أطر جديدة، بعيدة عن الكتابة السِّيرية الخالصة، بل ما تعدّ ملمحًا لكتابة سيرية جديدة، تضفر بين عنصري الواقع والخيال، حيث يوجد نصان سرديان داخل النص الواحد.

ثمّة انتقاد لحكم الأنظمة الشموليّة، وتأثيره على الشعوب التي صارتْ في ذيل الدول الأخرى التي تحظى بالديمقراطيات، فلا يفوِّت الراوي فرصة إلا واستغلها لانتقاد النظام الشمولي الحاكم للعراق، في كثير منها يأتي الانتقاد بصيغ مباشرة كما كانت تُصِرُّ مارلين الروسية مُدَرِّسَة العلوم السياسية في الدورة التي التحق بها أيمن في روسيا، أو بطرق غير مباشرة.

إن شجاعة الروائي لا تتغاضى عن انتقاد نظام الحكم في الكويت، حيث ثمة هامش للحريات كما يقول، وإن كان الانتقاد الأكبر جاء عبر موقف الدولة من قضية البدون، فأثناء سعي الحكومة الكويتية إلى التفاوض لاسترداد أسراها، لم تعترف بالبدون أنهم من ذويها، لذا لم يدخلوا في إطار التفاوض، أو حتى موقفها المناقض في “تقديم الخدمات لأُسر الأسرى وإرسالها في بعثات للحج والعمرة أما البدون فلا”.

الشيء اللافت هو أن الراوي، عبر شخصية الدكتور غانم النجار، مثلما يقدِّم الأثر السّلبي الذي خلّفته سجون الاحتلال، حيث عشرات الأسر اضطرت بعد العودة إلى الذهاب إلى مستشفيات الأمراض العصبية، فبعضهم شُفي والبعض الآخر حاول التعايش مع إعاقته، فإنه لا ينسى أن يقدّم الجانب الإيجابي الذي فعله الاحتلال، حيث ترك الجميع مهنهم الأصلية وتولوا الدفاع والمقاومة ضدّ المحتل.

15