إسماعيل كاداريه ألباني ضد الاستبداد ومهووس بالتاريخ

السبت 2015/02/21
ألباني قبل جائزة أورشليم الإسرائيلية

في قصة “الشَّاعر والطاغية” التي كتبها الشاعر والروائي الألباني إسماعيل كاداريه، وهو على أعتاب الستين من عمره يستعين ببيت من شعر هوميروس ليلخص مغزى حكايته التي كان يهدف من ورائها إلى حكمة مفادها “أن الماضي لا يموت وأن تصفيته مستحيلة، فإرادة الحياة أبقى وأقوى وتستمر بطي القديم والجديد معًا” في إشارة منه إلى طي صفحة علاقته بالسلطة سابقًا.

يقول البيت “سأنزل إلى الجحيم، ولن أتوهج إلا من الشمس” حسب المعنى المقصود هذا وعيد الشمس لمعاقبة الحاكم، فهل يُدرك الشّاعر وعيد الضمير الأدبيّ، وهو يقبل، في سابقة تعدُّ هي الأولى من نوعها لكاتب مُسْلم “جائزة القدس الأدبية” لهذا العام، 2015، والتي يتسلّمها في معرض القدس الدولي للكتاب، من يد الرئيس الإسرائيلي رؤوبين ريفلين، وعمدة القدس نير بركات، في احتفال يُقام لهذه المناسبة، وهو الذي ترجمت أعماله إلى أربعين لغة، والحاصل على الجائزة الأسبانية “أمير أستورياس للآداب” في العام 2009، بعد مرور أربعة أعوام على حصوله على أول جائزة لـ “مان بوكر برايز أنترناشيونال”، متغلبًا على كتاب بارزين مثل جون أبدايك، دوريس ليسنغ، مارغريت آتوود، غونتر غراس.


حصان طروادة


كاداريه شاعر وروائي ألباني ولد في مدينة جيروكاسترا بجنوب ألبانيا في سنة 1936، التحق بعد دراسته الثانوية بكلية الآداب في جامعة تيرانا، وتخرّج فيها عام 1958، وحصل على منحة دراسية لمتابعة دراسته في معهد غوركي بالاتحاد السوفيتي، وانقطع عن الدراسة بعد الأزمة بين البلدين سنة 1960، وجسّد هذه الأزمة في روايته “الوحش” بتخيُّله صورة العدو كحصان طروادة الجاثم خارج تيرانا ينتظر اللحظة المناسبة للانقضاض عليها. أوّل أعماله الأدبية كان بعنوان “مدينة بلا إعلانات”، وقد وضع مسودتها في موسكو، وحاول نشرها في وطنه لكن الرقابة منعت نشر حلقاتها في ظل الحكم الشيوعي.

في مجمل كتاباته الشعرية والروائيّة استطاعَ أن يتحرّر من المباشرة التي كانت مُسيطرة على عمله الأول الذي أعاد نشره في أوروبا عام 2001، وهو التطور الذي ظهر في روايته التي فتحت له آفاقًا في الشهرة العالمية، وهي رواية “جنرال الجيش الميت” عام 1963، وتدرو الرواية في فلك جنرال إيطالي موفد من قبل حكومته التي طُردت من ألبانيا للبحث عن رفات الجنود الإيطاليين الذين قتلوا إبّان معارك التحرير، ومع أن الجنرال غير مُقتنع بالمهمّة إلا أنه يذهب ويُلاقي حتفه على يد عجوز ألبانية ثأرًا لولدها.

ثم تَلَت هذه روايته القصيرة “الوحش” التي استفاد فيها من واقعة حصان طروادة ليسقط الماضي على الحاضر، وهو ما وسعّه في روايته “العرس” عام 1968، حيث أظهر التراث الألباني الأسطوري، وعَكَسَ من خلالها الأفكار التي يريد أن يؤجِّج بها العزيمة في نفوس الألبان، وإن كانت الرواية تناولت مرحلة التحول التي شهدتها ألبانيا، وما انتهت إليه من صراع دامٍ، إضافة إلى رصده لواقع المرأة في ظل الإقطاع والرجعية.

وفي عام 1970 أصدر روايته “الحصن” أو “الحصار” حسب ترجمة محمد درويش والتي أظهر فيها بطولة الشعب الألباني في الدفاع عن حصن حاصره العثمانيون في القرن الخامس عشر، وقد تعدّدت التأويلات للمغزى الذي قصده كاداريه من وراء هذه الرواية، في ظل حالة النزاع الأيديولوجي الألباني السوفيتي واجتياح السوفييت لتشيكوسلوفاكيا عام 1968، ومن ثم رأها الغرب على أنّها تمثل إرادة ألبانيا التي تقاوم التحريفية السوفيتية.

لا يتوانى في كتاباته عن تقديم صورة ألبانيا وهي تعيش في عزلتيْن، الأولى في فترة الحكم العثماني، والثانية في فترة الحكم الشيوعي، ففي رواية “موظف قصر الأحلام” عام 1981، ينتقد النظام الاستبدادي، وهو ما يرجِّح أنّه كان في رواية “الحصار” يرمي إلى الدولة العثمانية وليس إلى الاتحاد السوفيتي. ثمّ في عام 1978 يصدر رواية “الباشويات الكبرى” وفيها يُسلِّطُ الضوء على شخصية باشا تُركيّ أراد أنْ يستقلَ عن السُّلطة العثمانية مُستعينا بالغرب لكنّ الدولة العثمانية دبّرت له مؤامرة قطعوا فيها رأسه، وكذلك في عام 1979 أصدر رواية “لجنة الاحتفال” وهي تدور في ذات الفلك من انتقاداته للدولة العثمانية والتنديد بالسياسة التآمرية والدموية لمجمل حكمهم، وقد تناول فيها واقعة تاريخية معروفة في التاريخ الألباني مفادها أن السُّلطة العثمانية ممثّلة في السلطان محمود الثاني عمدت إلى تدبير مؤامرة هدفت إلى تصفية خمسمئة من صفوة الأعيان ذوي النزعة التحريرية والمناهضين للحكم العثماني، بدعوتهم إلى احتفال في مدينة “مناستير” وقضت عليهم جميعًا.

كاداريه عرف آفاق الشهرة العالمية مع روايته «جنرال الجيش الميت» التي تدور أحداثها في فلك جنرال إيطالي يوفد من قبل حكومته التي طردت من ألبانيا للبحث عن رفات الجنود الإيطاليين ليلاقي حتفه على يد عجوز ألبانية ثأرا لولدها


روايات النضال والأساطير


نَشَرَ كاداريه العديد من الأعمال الروائيّة المهمة ذات الصبغة التاريخية مثل “قصة مدينة الحجر” 1971، وفيها يتحدّث عن نضال مدينته التي وُلِدَ فيها جيروكاسترا خلال الحرب العالمية الثانية، ومقاومتها للقوات اليونانية والإيطالية والألمانية بقيادة الحزب الشيوعي، وفي عام 1973 عاد إلى الموضوع ذاته في رواية “خريف مدينة”، وإن كان يتحدّث فيها عن تحرير مدينة تيرانا من قوات الاحتلال الألماني. ومن الروايات التاريخية المهمة رواية “الجسر” عام 1978، وقد استلهم فيها حكاية شعبية ألبانية تحتم ضرورة التضحية برأس إنسان أو حيوان يُوضع في أساس البناء ليضمن له الاستمرار والخلود، وهو يرمز إلى مغزى سياسي، حيث يدعو قومه إلى تقديم التضحيات لبناء مستقبل راسخ لألبانيا. وبالمثل جاءت رواية “مَنْ أعاد دورنتين” عام 1979 معتمدًا فيها على أسطورة ألبانية شعبية متداولة يُبعث فيها الأخ حيًّا ليدافع عن أخته المختطفة، فبعث الأخ بمثابة البعث للشعب الألباني المستسلم لمصيره كالموتى.

يميل كاداريه في بعض رواياته إلى منحى أيديولوجي صرف يرتبط بعلاقته بالسلطة من جهة والحزب الشيوعي من جهة أخرى، ففي روايته “الشتاء الكبير”، تناول الخلاف الألباني السوفيتي في عام 1961، وانضمام ألبانيا إلى المعسكر الصيني الماوي، وقد مال في هذه الرواية إلى التوثيق باعتماده على محاضر الاجتماعات بين الوفدين الألباني والسوفيتي، وأيضًا مذكرات أنور خوجا. نفس الشيء فعله في رواية “حفلة موسيقية في نهاية الشتاء” حيث حمّل الرواية أفكارا أيديولوجية، فتناول فيها وجهة نظر الحزب في الخلاف المتفاقم بين ألبانيا والصين، وهي الرواية التي اعتبرتها مجلة لير الفرنسية أفضل رواية صدرت بالفرنسية، وفي “رواية الملف H” انتقد فترة حكم الملك أحمد زوغو.


التطهر من الشيوعية


في عام 1990 انتابته نوبة صحوة، فهرب إلى فرنسا كلاجئ سياسي، وبدأت كتابته كأنّها نوع من التطهُّر على خلفية انغماسه في السلطة وعلاقته بنظام الماوي الديكتاتوري، الذي حكم ألبانيا خلال النصف الأخير من القرن الماضي، وقربه من رئيس الوزاء أنور خوجا الذي عيّنه نائبًا في البرلمان لمدة اثني عشر عامًا، ورئاسته للمعهد الثقافي لصاحبته نجمة هودجا أرملة الدكتاتور إنفر هودجا، ومِن ثمّ راح يتطهر من الأفكار السّابقة بانتقاده للنظام ساعيًا لمحو الصورة التي ترسّخت عنه منذ رواية “الشتاء الكبير” التي نشرها عام 1977، وكانت تمجيدًا للدكتاتور، فجاءت روايته “الهرَم” عام 1992، ليُعلنَ فيها القطيعة بينه وبين الحزب الشيوعي، مستوحيًّا حكاية رفض الفرعون المصري “كيوبس” دفنه في هرم كأسلافه، رمزا لرغبة أنور خوجا الزعيم الألباني الشيوعي في أن يدفن في هرم ضخم في قلب العاصمة تيرانا. أما روايته “الظل” والتي كتبها في عام 2003 وقد قيل إنه كتبها سرًا في فترة حكم أنور خوجا، فتتناول الصراع الصامت على السلطة بعد وفاة خوجا، مقارنا بين أحوال ألبانيا في حكمه وواقعها في القرون الوسطى، والأقرب أنه يريد بهذه الرواية أن يتبرأ تمامًا من النظام، في صورة البطل الذي أشار إلى أنه كان هو نفسه ضحية لهذا النظام الاشتراكي.

إسماعيل كاداريه لا يتوانى في كتاباته عن تقديم صورة ألبانيا وهي تعيش في عزلتيْن، الأولى في فترة الحكم العثماني، والثانية في فترة الحكم الشيوعي، كما في روايته «موظف قصر الأحلام»

يعدُّ إسماعيل كاداريه من أبرز الكتّاب الذين استطاعوا أن “يهبطوا بالحلم الإنساني من أفقه المثالي إلى دنيا الواقع ويزيلوا الحدود بين المتخيّل والملموس والمثالي والواقعي، كما أنه استطاع أن يسرب أحلامه في سلاسة ويسر إلى القارئ في رواياته، مبتعدا عن المباشرة والأسلوب الوعظي أو حتى التوجيه” كما وصفه عبد اللطيف الأرناؤوط في كتابه عن كاداريه والذي تناول فيه مجمل أعماله النثرية والشعرية. اللافت أن جميع رواياته تتحركُ في مسار واحد رغم التعددية البادية في كافة الأشكال التي استعان بها سواء بالرجوع إلى التاريخ أو حتى الرجوع إلى التراث الأسطوري لدى الألبان أو الاستعانة بالأناشيد الشعبية، إلا أن المسار الجامع لهذه الأعمال هو ألبانيا التي قدّمها في صورها المتعددة، في زخم تراثها الأسطوري وأناشيدها الشعبية، وفي مقاومتها للاستعمار والاستبداد بكافة أشكاله؛ استبداد الحُكم العثماني، واستبداد الاستعمار الألماني والإيطالي أثناء الحرب العالمية الثانية، وصولا إلى نضالها في مقاومة دكتاتورية الشيوعية وانحرافتها.

ومع كل ما قيل عن تنفعه من السلطة إلا أن أعماله تكشف حسا وطنيا، فهو المشغول على الدوام بحض الإنسان الألباني على المقاومة تارة وعلى التطلع إلى المستقبل تارة أخرى في مراوحة تجعل كل همّه الإخلاص لهذا الشعب وإظهار وحدته. وعن أدبه يقول عبداللطيف الأرناؤوطي “يندمج العام مع الخاص والشخصي مع المطلق والقومي بالكوني الشامل والواقعي المحسوس بالمثالي المجرد واللامعقول بالمعقول، وكأنَّه يرسم حياة لكنها ليست تلك الحياة التي تبصرها العين في إطار المعتاد والمألوف، إنها حياة تشبه ما نرى وما نسلك”. كما تتميز أعماله برسم مأساة الشعب الألباني في مواجهة الاستبداد والاستعمار وإن كان بأسلوب تغلب عليه السّخرية والتهكم.

مثلما أثار إسماعيل كاداريه الكثير من الجدل بتحولاته ومواقفه السياسية وقربه من النظام الدكتاتوري في ألبانيا وهو الذي ندّد بالدكتاتوريين في أعماله لاحقا، حتى ذاعت عنه أقواله المشهورة “الكاتب هو عدو طبيعي للدكتاتوريات” و”إن الديكتاتورية والأدب الحقيقي لا يجتمعان”، يأتي موقفه من هذه الجائزة والتي تأتي من عدو يقيّد الحريات ويسفك الدماء، ليثير هو الآخر الجدل من جديد، خاصّة بتصريحه المثير عقب سماع نبأ فوزه الذي قال فيه “رغم كون بلده ألبانيا مختلفا تماما عن إسرائيل، إلا أن ما يجمع البلدين أن كلا منهما ‘يناضل من أجل البقاء في محيط كريه أحيانًا’”، وهو ما يفتح التساؤلات حول: عن أي نضال يتحدث؟ وما مفهوم النضال لديه، وما رأيه في ممارسات إسرائيل الدكتاتورية؟! والأهم أن يخبرنا ما المقصود بمحيط كريه أحيانًا.

13