إسماعيل ولد الشيخ أحمد المبعوث الأممي لإطفاء حرائق اليمن

السبت 2015/05/23
بنعمر يسلم تركة مثقلة بالتحديات لولد الشيخ أحمد

أعلنَت الأمم المتَّحدة على لسان أمينِها العام بان كي مون إنهاء مهمَّةِ المبعوث الأممي جمال بنعُمَر إلى اليمن و تكليف الموريتاني إسماعيل وِلد الشيخ أحمد بإدارةِ هذا الملف، بعد أن اتَّهَمت دولٌ إقليميَّةٌ المغربي بنعمر بعدَم القدرة على تحقيق أي تقدُّم باتِّجاه الحل السياسي بعد تطوُّر الملف اليمني ودخولِهِ في التعقيدات العسكرية عقِبَ انقضاض الحوثيين على السلطة في عمليَّةٍ انقلابيَّةٍ أوقفَتها طائراتُ عاصفة الحزم العربية التي تابَعَت مهمَّتَها تحت شعارٍ آخر هو إعادة الأمل بعد أسابيعَ قليلةٍ من تحقيق أهدافها الاستراتيجيَّة.

تركة بنعمر

الموريتاني إسماعيل وِلد الشيخ أحمد خلَف المغربي جمال بنعمر الذي تولَّى مهمَّته في اليمن في أغسطس من عام 2012، حيثُ قامَ بجهودٍ متواصلةٍ لحل الخلافات بين فرقاءِ العمليَّةِ السياسية عقِبَ الثورة اليمنيَّة من خلال إشرافِه تحتَ مظلَّةِ الأمم المتحدة على مجريات الحوار الوطني بين جميع المكوِّنات السياسية والقبلية والعسكرية في اليمن، حيثُ تكلّلَت تلك الجهود بتوقيع اتفاق السلم والشراكةِ الوطنيَّةِ اليمنيَّة لإنهاءِ الأزمةِ بين الحكومةِ والحوثيين، الذين ما لبثوا أن باشروا تقويض السلطة الشرعيَّة المتمثِّلَةِ في الرئيس المنتَخَب عبدربّه منصور هادي وحاصروه في قصر الرئاسةِ.

نجحَ هادي بعد محاولات لم يتم الكشف عنها في الإفلَاتِ من قبضَةِ الميليشيات المتمرِّدة، ليصِلَ إلى عدَن متراجعا عن استقالَتِه التي قدَّمَها للبرلمان تحت ضغط عبدالملك الحوثي وتهديده، وليُعلِنَ عدن عاصمةً سياسيَّةً مؤقَّتَةً للبلاد، ليدخل اليمن في حربِ شوارع بين مَن وَقَفَ مع أو ضد الشرعية التي أنجبَتها الثورة اليمنية بدعمٍ من المبادرة الخليجيّة بقيادةِ السعوديَّة التي سارَعَت عقِبَ الانقلاب وبطلبٍ من الرئيس الشرعي لاستخدام القوَّةِ من خلال طلعاتٍ جويَّةٍ مكثَّفَةٍ زعزعت استقرارَ الحوثي وحلفائه في الداخل اليمني وخارجَه.

تلك التداعيات الدرامية السياسية اليمنية ختَمَها بنعمر بتقديم استقالَتِهِ كما أعلَن في السادس عشر من أبريل الماضي على صفحتِهِ عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ليأتي إسماعيل ولد الشيخ أحمد رسمياً في الخامس والعشرين من أبريل، وليبدأ جهودا متواصِلة لإحلال السلام المنشود.

ولد الشيخ أحمد يرحل عن بلاده في رحلة طويلة تقوده إلى فرنسا لدراسة الاقتصاد في جامعة مونبلييه، ومنها إلى مانشستر البريطانية ليحصل على درجة الماجستير في تنمية الموارد البشرية ليرفدها بدرجة علمية متقدمة في الاقتصاد وتحليل السياسات الاجتماعية من جامعة ماستريخت في هولندا

من ضواحي نواكشوط

خبرات ولد الشيخ أحمد تَشِي بقدرَتِهِ على إدارة الملفَّاتِ الحسَّاسة عالميا فقد وُلِدَ في بيلا إحدى ضواحي العاصمة الموريتانية نواكشوط عام 1960، وتلقَّى تعليمَهُ في مراحلِهِ الأولى في موريتانيا لينتقِلَ بعد ذلكَ لدراسةِ الاقتصاد في جامعةِ مونبلييه الفرنسية، ومنها إلى مانشستر البريطانية ليحصَل على درجة الماجستير في تنمية الموارد البشرية ليلحقها بدرجة علميَّةٍ متقدِّمةٍ في الاقتصاد وتحليل السياسات الاجتماعية من جامعة ماستريخت في هولندا.

الرجلُ الذي يُتقِنُ الفرنسية والإنكليزية والعربية، بدأ مشوارَه العملي كموظَّفٍ في مفوَّضيَّة الأمن الغذائي في موريتانيا، ليتقلَّد بعدها العديد من المسؤوليّات في مجال التنمية والمساعدة في مناطقَ عدّة من العالم أبرزُها مناصِبَهُ في اليونيسيف بدءا من نيويورك وصولا إلى جنوب شرق آسيا وسوريا واليمن الذي شغلَ فيه بين عامي 2012 و2014 منصِب المنسِّق المقيم لبرنامج الأمم المتّحدة الإنمائي ليتمَّ تعيينهُ نائب المبعوث الأممي الخاص إلى ليبيا وليتولَّى مع مطلع عام 2014 مهمَّةَ تنسيق الجهود لمكافحةِ فيروس إيبولا الذي اجتاحَ مناطقَ أفريقيَّة أبرزُها غينيا وليبيريا وسيراليون وأنغولا، وخلال مهمَّتِهِ هذه استطاع تحقيق نجاحات كبيرة من خلال إدارتِهِ ساحةَ الحرب المعنويَّةِ مع المرض الفتَّاك، ليعودَ اسمُهُ مطروقا في الملف اليمني من جديد لخبرَتِهِ وعلاقاتِهِ بمنظومة العمل الإنساني والإنمائي في أرضه، وليُدفَعَ به إلى رأس قائمةِ العاملين تحت مظلَّةِ الأمم المتحدة كمبعوثٍ أممي إلى صنعاء.

الدبلوماسي الموريتاني معروفٌ بين زملائِهِ بسِعَةِ الاطلاع والقدرة على الاستماع والبحثِ عن نقاط التلاقي بين أطراف الخلافات التي يُديرُها، واجَهَ مهمَّتَهُ الأخيرة بكثيرٍ من الهدوءِ، الذي لاحظه الجميع في ظهورِهِ الإعلامي، فضلا عن الصراحةِ الكاملة والوضوح التام في الطرح والرؤية والتحرُّكات، تلك التحرُّكات التي بدأت خليجيَّةً – يمنيَّةً – إقليميَّةً لتصلَ إلى عواصم العالم التي تُعنَى بالشأن اليمني وتقلُّباته.

عندما بدأ المبعوث الجديدُ مهمَّتَهُ كانت هدنةُ القتال في اليمن على أبوابِ نهايتِها، فسَعى لتمديدها عدَّةَ أيَّام دون شروط، لإيمانِهِ بأنَّهُ لا بديل عن الحل السياسي المبني على المبادرة الخليجيَّة مع الالتزام بآليات تنفيذها للوصول إلى مخرجات الحوار الوطني.

تلك الهدنة التي ما لبِثَت أن انتهت لتعود رحى الحربُ تدور في جنبات اليمن وسط سيطرةِ الطلعات الجويَّة التي تنفِّذها طائرات التحالف العربي الذي تقودُه السعودية، التي دَعَت إلى مؤتمر عاجلٍ في العاصمة السعودية الرياض تحت عنوان “إنقاذ اليمن” لتنتج عن هذا الاجتماع وثيقة الرياض التي أكَّدَت أن الفساد وسوء الإدارة خلال حكم المخلوع علي عبدالله صالح أديا إلى تدهور الأوضاع الإنسانية في اليمن، فضلا عن تقويض الشرعية بفعل تحالف الحوثيين وصالح.

ولد الشيخ أحمد يسعى لتنفيذ المبادرات الدولية والإقليمية لتحقيق الحل السياسي للصراع الدائر في اليمن، وقد تم تعيينه بعد أن اتهمت دول إقليمية المغربي بنعمر بعدم القدرة على تحقيق أي تقدم.

وشدَّدت الوثيقةُ على دعم الشرعية وضرورة مشاركةِ جميع أبناء اليمن في العملية السياسية الجديدة بعد محاسبةِ قادةِ الانقلاب ومن تورّط فيه ودَعَمَهُ، وفتحِ الآفاقِ نحو نواة عسكريَّة تحفَظُ مؤسَّسات الدولةِ اليمنيَّة وتضمنُ الاستقرار، وضمان استمرار الإغاثة الإنسانيَّة تحت إشراف الأمم المتحدة والعمل حثيثا على تنفيذ بنود قرار مجلس الأمن رقم 2216 الذي تضمَّنَ مطالبةَ الحوثيين بخطواتٍ مباشرة دون قيد أو شرط، أبرزُها الكفُّ عن اللجوء إلى العنف وسحب القوَّات من جميع المناطق التي سيطروا عليها في وقت سابق بما في ذلك العاصمة صنعاء، والتوقُّف مباشرة عن ممارسةِ مهام تُعتَبَرُ من مهام الحكومة اليمنيّة الشرعية.

المهمة الصعبة

في ظلِّ الموقف المتأزِّم أصلا، تأتي مهمَّةُ المبعوث الجديد الذي عمِلَ عن قرب في الملف اليمني ليطرح فكرةَ اللقاء في جنيف بين مكوِّنات الصراع، وبحضور كل الأطراف الداعمة لإيجاد حلٍّ سياسي يضمن عودة الشرعية في البلاد، مؤتمر جنيف سيكون حلقة مهمَّة في الأحداث اليمنية، ففيه من المُنتَظَر أن يتمَّ طرحُ خطَّة شاملة يتوافق عليها كل الداعمين لفرقاء الخلاف اليمني وإنهاء الأزمة هناك، بينما يرى مراقبون أنَّهُ سيكون كاجتماعات جنيف السورية بمثابةِ محطَّةٍ جديدةٍ في الاتجاه نحو الحل.

أمام المبعوث الأممي الجديد مهمَّة صعبة تتمثل في محاولةِ التوفيق بين طرفَينِ، أحدُهُما يدعو إلى إعادة الشرعية الدستورية المُنتَخَبة وآخر يشتَرِطُ إيقاف الطلعات الجويَة العسكرية التي ينفِّذها التحالف العربي قبلَ الجلوسِ على طاولةِ المفاوضات، وهنا تكمُن صعوبَةُ التعامل مع هذا الملف مع الأخذ بعين الاعتبار العقوبات التي فرَضها مجلس الأمن على الرئيس اليمني المخلوع علي عبدالله صالح وزعيم الحوثيين أو ما يُعرَفُ بتنظيم أنصار الله عبدالملك الحوثي.

فقبل الاتجاه نحو الحل تقعُ مهمَّة إيجادِ إطارٍ واحد يجمعُ أطراف الخلاف على عاتِقِ وِلد الشيخ الذي أقرَّ بكل الصعوبات السابقة، وأكَّدَ أنَّ هناك إمكانية للحل داعيا إلى التحرُّك الفوري لإيجادِ مخرج للأزمة الإنسانية التي يعيشها المدنيون في مختلف المدن اليمنية، مستنِدا إلى إحصائيات منظّمة الصحة العالمية التي أكدت مقتل أكثر من ألف شخص في الفترة الواقعة بين منتصف مارس ومنتصف أبريل من العام الجاري.

لقد أدركَ وِلد الشيخ أحمد أن الحلَّ في اليمن ينقسم إلى شقَّين، الأوَّل يقوم على توفيق وِجهات النظر بين أجهزة الدولة التي تمَّ الانقلاب عليها وبين جماعة أنصار الله، وهذا الطريق ليس مُعبَّدا بالورود بل يحتاجُ إلى خطَّةٍ مُحكَمَة بدأها المبعوث الأممي بالدعوة إلى مؤتمرِ جنيف والتي سبَقَتها جولة على العواصمِ الفاعلةِ في الملف بدءا بالرياض، أما الثاني فيقومُ على التحرُّك العاجل لإنقاذ ما يُمكِن إنقاذه في ظلِّ الأزمة الإنسانية الخانقة التي يعيشُ في ظلِّها المواطنون المدنيُّون.

كل ما سبق يضعنا أمام مواجهة حادَّة مع مهمَّة تكاد تكون مستحيلة أمام الرجل الذي عُرِفَ بقدرتِهِ على العمل في ظلِّ أقسى المناخات، فهو سيستفيدُ من المكانة التي يحظى بها لدى كل الأطراف ومن سيرَتِهِ التي اعتمدَت على العمل الإنساني، فهل ستستطيعُ هذه الصفات أن تدفَعَ بإعادة الاستقرار إلى واجهة الأحداث؟

جولات المبعوث الجديد إلى اليمن تبدو شبيهة بجولات المبعوثين السابقين إلى سوريا، في خلاف واضح قوامه سعي ولد الشيخ أحمد لفرض هدنة تنقذ المدنيين الذين يحتاجون إلى المساعدة العاجلة، فهل ينجح في ما فشل فيه نظراؤه

المبعوثون إلى صنعاء ودمشق

التاريخُ علّمَنا أن النوايا الطيِّبة للمبعوثين الأمميين لا تكفي وحدَها في حلِّ الأزمات التي تعصِف في الشرق الأوسط سواء في لبنان أو العراق أو قطاع غزة أو سوريا مؤخَّرا التي تعاقَبَ عليها العديد من المبعوثين الذين قدّموا استقالاتهم، ربّما يكون الأمر مختلِفا في اليمن مع تولي إسماعيل ولد الشيخ أحمد لهذا الملف الذي فرَض أبعادهُ التحالُف العربي بعد الانقلاب على شرعية الرئيس عبدربه منصور هادي، هادي الذي دعا مؤخّرا في مؤتمر الرياض إلى ضرورة تكثيف الجهود لإنهاء المأساة التي يعيشها أبناء شعبه.

ولد الشيخ أحمد بدأ جهوده الحثيثة مواصلا اتجاه الأمم المتحدة في لعب دور الوسيط، وهذا يجعلنا أمام سؤالٍ كبير يقومُ على البحثِ في دور الأمم المتَّحدة التي تلتزمُ الحياد في أزماتٍ تعصِفُ بالأوطان، تلك الأزمات التي ينتُجُ عنها تشريدٌ ونزوحٌ ولجوءٌ لآمنين مدنيين، فضلا عن نتائجها التدميرية على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، في المعادلة السورية وقفت الأمم المتَّحِدةُ متفرجة مكتفية ببيانات تتضمَّن بنودا بقِيت حبرا على ورق في مسيرة التنفيذ التي تعددت رحلاتها إلى جنيف في عهدة المبعوث الأممي الأخضر الإبراهيمي وعهدة دي مستورا الذي تلاه والذي يقود هذه الأيام مشاورات أخيرة في جنيف السويسرية، بهدف الوصول إلى حل سياسي كما تم الإعلان مرارا.

الخطوات الأممية في اليمن تسير على خطوات إدارتها للأزمة الإنسانية في سوريا مع اختلاف يتمثل في وجود تحالف عربي ينتصر للشرعيةِ اليمنية، وتحالف إقليمي غير عربي آخر يدعم جماعة الحوثيين في تثبيت انقلابهم على الدستور، مع الأخذ بعين الاعتبار وجود الرغبة العربية الحقيقية في إنهاء الأزمة اليمنية وتقويضِ الانقلاب، وهذا ما تابعناه على لسانِ العميد أحمد العسيري الناطق الإعلامي لعاصفة الحزم وما تلاها من إعادة الأمل، في سياق آخر تبدو جولات المبعوث الجديد لليمن شبيهة بجولات المبعوثين السابقين لسوريا، في خلاف واضح قوامه سعي ولد الشيخ أحمد لفرض هدنةٍ تنقذ المدنيين الذين يحتاجون إلى المساعدة العاجلة، فهل ينجح في ما فشل فيه نظراؤه المبعوثون إلى سوريا ويمهرُ بختم الأمم المتَّحدة إنهاء الأزمة التي شارفت على إدخال اليمن في أتون الحرب الأهلية؟

12