إسماعيل ياسين صانع تاريخ الكوميديا المصرية

السبت 2014/05/31
إسماعيل ياسين صائغ فقير غسل السيارات وأدخله نصاب عالم الفن

عندما بلغ إسماعيل ياسين من العمر 17 عاما هرب من ظلم زوجة أبيه، فاتجه إلى القاهرة في بداية الثلاثينات من القرن الماضي حيث عمل صبيا في أحد المقاهي بشارع محمد على وأقام بالفنادق الصغيرة الشعبية. وهناك تعرف إسماعيل على شخصية فنية مشهورة هو «عطية أفندي» أحد أهم صبيان الأسطى «نوسة» أشهر راقصات أفراح الدرجة الثالثة، وطلب منه عملًا بالفرقة ووعده عطية بتدبير اللازم في الصباح.

وبالفعل اطمأن له نجم الكوميديا ونام على سرير مقابل له في نفس الغرفة، ولكن ما إن استيقظ من نومه حتى اكتشف أن «عطية أفندي» سرق بدلته الجديدة وحافظة نقوده التي احتوت على 3 جنيهات هي تحويشة عمره، استشاط إسماعيل غضبًا وطار يبحث عن هذا “النصاب” دون جدوى، فهداه عقله إلى الذهاب للأسطى نفسها باكيًا ومتوسلًا إعادة نقوده، فرقّ قلبها له وطلبت منه أن يعمل معها في فرقتها ووفرت له حجرة فوق السطوح بشارع عمادالدين، بعد أن أخبرته أن عطية أفندي قد سرقها هي الأخرى وهرب، العمل مع فرقة نوسة لم يرق لطموحات الفنان الموهوب، فالتحق بعد فترة بكازينو الراقصة بديعة مصابني، التي أكرمته وأعطته الفرصة لتقديم مونولوجاته الكوميدية، خاصةً بعد فشله الجليّ في الغناء، واستطاع إسماعيل ياسين أن ينجح في فن المونولوج، وظل عشر سنوات من عام 1935 حتى عام 1945 متألقا في هذا المجال حتى أصبح يلقى المونولوج في الإذاعة نظير أربعة جنيهات عن المونولوج الواحد شاملا أجر التأليف والتلحين، والذي كان يقوم بتأليفه دائماً توأمه الفني أبوالسعود الإبياري.


ابن صائغ الذهب


ولد إسماعيل ياسين عام 1912، وهو الابن الوحيد لصائغ ميسور الحال في شارع عباس بمدينة السويس، وتوفيت والدته وهو لا يزال طفلا يافعا، التحق الصغير إسماعيل بأحد الكتاتيب، ثم تابع في مدرسة ابتدائية حتى الصف الرابع الابتدائي. عندما أفلس محل الصاغة الخاص بوالده نتيجة لسوء إنفاقه ثم دخل والده السجن لتراكم الديون عليه، اضطر الفتى للعمل مناديا أمام محل لبيع الأقمشة، فقد كان عليه أن يتحمل مسؤولية نفسه منذ صغره. ثم عمل مناديا للسيارات بأحد المواقف بالسويس. كان إسماعيل ياسين يعشق أغنيات الموسيقار محمد عبدالوهاب ويرددها منذ نعومة أظافره، ويحلم بأن يكون مطربا منافسا له.


عصر إسماعيل ياسين الذهبي


اختاره فؤاد الجزايرلي ليشترك في فيلم (خلف الحبايب). فكان العام 1939 بداية دخوله السينما، وقدم العديد من الأفلام لعب فيها الدور الثاني من أشهرها في تلك الفترة (علي بابا والأربعين حرامي) و(نور الدين والبحارة الثلاثة) و(القلب له واحد)، وفي العام 1945 جذبت موهبة إسماعيل ياسين انتباه أنور وجدي فاستعان به في معظم أفلامه، ثم أنتج له أول بطولة مطلقة في فيلم (الناصح) أمام الوجه الجديد ماجدة، فاستطاع ياسين أن يكون نجما لشباك التذاكر تتهافت عليه الجماهير، وكانت أعوام 1952 و1953 و1954 عصره الذهبي، حيث مثل 16 فيلما في العام الواحد وهذا الأمر لم يستطع أن يحققه أي فنان آخر.

اضطر الفتى للعمل مناديا أمام محل لبيع الأقمشة، فقد كان عليه أن يتحمل مسؤولية نفسه منذ صغره ثم عمل مناديا للسيارات بأحد المواقف بالسويس

وعلى الرغم من أن إسماعيل ياسين كان لا يتمتع بالوسامة والجمال، وهي الصفات المعتادة في نجوم الشباك في ذلك الوقت، إلا أنه استطاع أن يجذب إليه الجماهير عندما كان يسخر من شكله وكبر فمـه في معظم أعماله.

فاستطاع أن يقفز للصفوف الأولى وأن يحجز مكانا بارزا مما جعل المنتجين يسعون للتعاقد معه على أفلام جديدة وأصبح البطل الوحيد الذي تقترن الأفلام باسمه حتى وصل إلى القمة.

وفي عام 1954 ساهم في صياغة تاريخ المسرح الكوميدي المصري وكوّن فرقة تحمل اسمه بشراكة توأمه الفني وشريك مشواره الفني المؤلف الكبير أبوالسعود الإبياري، وظلت هذه الفرقة تعمل على مدة 12 عاما حتى 1966 قدم خلالها ما يزيد على 50 مسرحية بشكل شبه يومي من تأليف أبوالسعود الإبياري.


أيقونة شعبية


وبداية من عام 1955 كون هو وتوأمه الفني أبوالسعود الإبياري مع المخرج فطين عبدالوهاب ثلاثياً من أهم الثلاثيات في تاريخ السينما المصرية وتاريخ إسماعيل ياسين وأبوالسعود الإبياري أيضاً فقد عملوا معاً في أفلام عديدة. و يذكر أن 30 بالمئة من الأفلام التي قدمها نجم الكوميديا كان وراءها المخرج فطين عبد الوهاب، وكانت تحمل أغلبها اسم إسماعيل ياسين، حيث أنتجت له الأفلام باسمه بعد ليلى مراد، ومن هذه الأفلام والتي كان معظمها من تأليف أبوالسعود الإبياري نجد: إسماعيل ياسين في متحف الشمع – إسماعيل ياسين يقابل ريا وسكينة – إسماعيل ياسين في الجيش – إسماعيل ياسين في البوليس – إسماعيل ياسين في الطيران – إسماعيل ياسين في البحرية – إسماعيل ياسين في مستشفى المجانين.

ولازمه في هذه الأفلام الممثل رياض القصبجي الشهير بالشاويش عطية، حيث كانت مشاهدهما – ولا تزال إلى الآن – محطة هامة في تاريخ الكوميديا والتي يستمتع بها الجمهور حتى الآن بسبب المفارقات العجيبة والمواقف الطبيعية في الثنائيات.


الملك فاروق يدخله مستشفى المجانين


عندما أفلس محل الصاغة الخاص بوالده نتيجة لسوء إنفاقه ثم دخل والده السجن لتراكم الديون عليه، اضطر الفتى إسماعيل ياسين للعمل مناديا أمام محل لبيع الأقمشة، فكان عليه أن يتحمل مسؤولية نفسه منذ صغره ثم عمل في أحد مواقف السيارات بالسويس

كان أمرًا طبيعيا أن تصل شهرته إلى الطبقة الحاكمة ففي عام 1950 دعي الفنان الراحل لإلقاء بعض مونولوجاته في حفل خيري لصالح جمعية “مبرة محمد علي” في “ملهى الأوبرج”، فأوعز الملك فاروق إلى أحد رجاله بدعوة إسماعيل إلى الاستراحة الملكية للتسرية عنهم وقال الملك لإسماعيل: “يلا يا إسماعيل سمِّعنا نكتة جديدة”، من فرط الارتباك بدأ إسماعيل النكتة قائلاً: مرة واحد مجنون زي جلالتك كده! فصرخ الملك: إنت بتقول إيه؟ يا مجنون! أدرك إسماعيل الموقف فما كان منه إلا أن سقط متظاهراً بالإغماء، وغادر الملك غاضباً لمتابعة بقية الحفلة، وظل بعض رجال الحرس حول إسماعيل، لينفذوا العقاب الذي سيأمر به جلالة الملك، ولكن يوسف رشاد- طبيب الملك الخاص- قال لتمرير الموقف إن إسماعيل مريض، تصيبه حالات من ضعف الذاكرة وفقد الإدراك، وهو في حاجة لأن يقضي فترة تحت الرقابة الطبية لمعالجة هذه الحالة، فأمر الملك بإيداعه “مستشفى الأمراض العصبية والنفسية”.


عاشق دمشق


بقدر ما أفادت السينما نجم الكوميديا إسماعيل ياسين خلال مشواره الفني بقدر ما شوّهت صورته الذهنية لدى الجماهير العربية، التي تخيلت أنه مجرد فم كبير وحركات اعتباطية، ولكن الجماهير السورية اكتشفت عكس ذلك تمامًا خلال إحدى زياراته إلى دمشق. ياسين قضى أسبوعًا في دمشق، والتي دُهشت للفارق العظيم بين الصورة والحقيقة ولمست منه ذكاءً فطريًا أصيلًا، وبديهةً قويةً خصبةً، وروحا وديعة رحبة، فأحبته الجماهير إلى حد «الازعاج» الذي اضطره إلى ملازمة فندقه، لا يغادره إلا إلى المسرح ولا يغادر المسرح إلا إلى الفندق.

ولكن برغم كل هذا لم ينج الفنان المصري من مضايقات المعجبين؛ فكانوا كلما رأوه في الطريق أو بهو الفندق، اجتمع المئات حوله وكأنهم في مظاهرة، ولا يستطيع أن يشق طريقه إلى الشارع إلا بصعوبة، وذات مرة زار معرض دمشق الدولي ودعته الإذاعة السورية إلى إلقاء كلمة في جناحها الخاص الذي أقامته، ولكنه لم يكد يبدأ الكلام حتى أطلّ أحد المعجبين عليه من «سقف» الجناح، فالتفت ياسين لينبه المشرفين على الجناح إلى هذه التحية «الخطيرة».

كان إسماعيل ياسين يعشق أغنيات الموسيقار محمد عبدالوهاب ويرددها منذ نعومة أظافره، وكان متأكداً من أنه سيكون مطرباً منافسا له، لولا أن قدره قاده إلى التمثيل

وفي مرة أخرى تنكر نجم الكوميديا ليطوف سوق الحميدية، أكبر الأسواق التجارية في العاصمة السورية، وحينما نزل إلى أحدى المحال ليشتري بعض الهدايا، لم يعرفه صاحب المحل، الذي أصيب بذعر كبير حين شاهد حشدًا ضخمًا من الناس يتزاحمون أمام الفاترينات التي كادت أن تتحطم، فسارع الرجل يريد إغلاق المحل، ولكنه أدرك من همسات الناس أن التزاحم بسبب زبونه إسماعيل ياسين، فباع له زجاجة الكولونيا بأرخص من ثمنها بثماني ليرات سورية حتى يتخلص من هذا الزبون الخطر.

وقبل سفره أراد ياسين أن يستقل سيارة أجرة ليقوم بزيارة أحد معارفه، ولكن سائقي السيارات رفضوا أن يأخذوه معهم، فسأل أحدهم: “إيه الحكاية؟!!”، وأجابه السائق: “مو شايف كل هالناس؟ مين اللي هيبعدهم عن السيارة؟” ودق إسماعيل ياسين على صدره قائلًا: “أنا اللي هحوشهم» فضحك السائق وهو يقول: “لا.. اتفضل سوق أنت.. وأنا اللي هحوشهم”. ولكن ياسين وبرغم تلك الحوادث أعطى دمشق وعدًا بأن يعود إليها مرة أخرى ومعه فرقته المسرحية.


اسماعيل ياسين وغوغل


منعت الرقابة فيلمه “العمر واحد” بدعوة أنه يثير غضب الأطباء، فتم تغيير اسم الفيلم ليصبح “نمرة 6” لإقناع الرقابة بعرضه، وتم تمثيل قصة حياته في مسلسل بعنوان “إسماعيل ياسين أبو ضحكة جنان” بطولة الفنان “أشرف عبد الباقي”، وفي 15 سبتمبر 2011 قامت غوغل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بوضع خربشة غوغل لإسماعيل ياسين في شعارها في مواقع غوغل في البلدان ذات النطاقات العربية بمناسبة الذكرى الـ99 لميلاده. الخربشة تمثل إسماعيل ياسين وهو يقوم بثلاثة أدوار.

أما أشهر إيفيهات إسماعيل ياسين التي اشتهر بها فكانت “يا نور النبي”، فكان يكررها في أفلامه حتى درجت على ألسنة الناس، ويقول الفنان ياسين إسماعيل ياسين عن والده، بأنه ورغم قيامه بالأدوار الكوميدية وإضحاك وإسعاد الألوف في مصر والوطن العربي إلا أن شخصيته كانت تتميز بالحزم والجدية، وكانت تشبه شخصية عاصم الاسترليني التي جسدها في فيلم المليونير.

15