إشادة أممية بتقدم تونس في مجال حرية الديانة والضمير

خبير أممي يرى أن دستور تونس تقدمي ونموذج في المنطقة العربية، وظاهرة التطرف والتشريعات القانونية تقيدان مناخ الحريات.
السبت 2018/04/21
تونس حريصة على نشر روح التسامح بين الأديان

تونس – تواصل الحكومة التونسية جهودها لضمان الحريات العامة والفردية بالعمل على تطبيق بنود دستور 2014 الذي يدعم المكاسب الديمقراطية التي تتمع بها البلاد منذ اندلاع ثورة يناير عام 2011. وتسعى للاستفادة من مناخ الانتقال السياسي وأجواء الحريات لحماية حقوق الأقليات الدينية بالبلاد.

وأشاد المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحرية الديانة أو المعتقد أحمد شهيد، “بالرؤية التقدمية” لتونس، لكنه لفت إلى قيود وتحديات تواجهها في ما يتعلق “بالتطرف العنيف”. وزار المقرر الأممي تونس بدعوة من السلطات منذ 9 من أبريل الجاري للوقوف على سياسات البلاد التي تهدف إلى تطوير وحماية حرية المعتقد والضمير.

وأكد المحقق الأممي خلال مؤتمر صحافي، الخميس، بالعاصمة التونسية خصصه للحديث عن ملاحظاته أن “تونس لديها رؤية تقدمية (..) وهي البلد العربي الوحيد الذي يمنع تعدد الزوجات ويسمح بزواج التونسيات بغير المسلم”.

وكانت السلطات التونسية ألغت العام الماضي قرارا يمنع التونسيات من الزواج بغير المسلم.

وأضاف شهيد أن”دستور تونس الذي أقرّ في العام 2014 تقدمي للغاية ويمكن أن يكون نموذجا تستلهم منه المنطقة حيث يتم ضمان حرية المعتقد لكل مواطن وحق ممارسة طقوسه الدينية بحرية”. والتقى المقرر الأممي خلال زيارته بممثلين عن الحكومة ومنظمات المجتمع المدني وبمنتمين لمختلف المجموعات الدينية، كما زار جزيرة جربة موطن غالبية أبناء الطائفة اليهودية في إطار تقييم تعده منظمة الأمم المتحدة للدول التي تشهد انتقالا ديمقراطيا. وأعتبر المقرر الأممي أن الطائفة اليهودية التي كانت تعد نحو مئة ألف شخص قبل الاستقلال (1956 واليوم تناهز1200)، تمارس طقوسها الدينية “بكل حرية والسلطات تبدي اهتماما بحجّهم السنوي لكنيس الغريبة في جربة”. ويحج اليهود إلى كنيس الغريبة، مرة كل سنة في جزيرة جربة التونسية (جنوب)، حيث يحظى بمكانة خاصة عند اليهود التونسيين والأجانب باعتباره أقدم معبد يهودي في أفريقيا.

جمال المسلم: الموروث الثقافي الشعبي في تونس مازال لا يتقبل حرية المعتقد والضمير
جمال المسلم: الموروث الثقافي الشعبي في تونس مازال لا يتقبل حرية المعتقد والضمير

وقال جمال مسلم رئيس رابطة حقوق الإنسان في تونس لـ”العرب” إن “ممثلي الرابطة اجتمعوا بالخبير الأممي وناقشوا وضع الأقليات الدينية بالبلد”.

وأوضح مسلم أن “جلسة النقاش توصلت إلى أنه رغم مناخ الحريات المنتعش منذ الإطاحة بنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، لكن لم يقع الاعتراف إلى الآن بحقوق الأقليات الدينية بصفة عملية مثل البهائيين والمسيحيين والأفراد المنتمين للطائفة الشيعية”.

ولفت إلى أنه “في فترة صعبة كفترة الانتقال الديمقراطي قد تشهد تونس تراجعا في مجال الحريات وقد تكون معرضة لانتكاسة وذلك حسب موازين القوى بالمشهد السياسي الحالي أو من خلال  تشريعات قانونية”. واعتبر أن محاولات صياغة بعض القوانين غرضها تقييد الحريات. داعيا إلى “تركيز حرية المعتقد بشكل نهائي والحذر من محاولات التراجع، خاصة و أن الموروث الثقافي الشعبي مازال لا يتقبلها”.

ولاحظ مراقبون تراجع الحريات في تونس في السنوات الأخيرة من خلال التضييق على العمل الإعلامي أو التضييق على الحريات الفردية. ورصد هؤلاء تواتر حالات انتهاك للحريات الفردية والحقوق الشخصية وخاصة منها حرية المعتقد وحرية الضمير تمثلت بصفة خاصة في اقتحام قوات أمنية للمقاهي في أماكن مختلفة من البلاد في شهر رمضان من العام الماضي.

وحمل المراقبون مسؤولية ذلك إلى التشريعات القانونية، خاصة وأن الحكومة استندت إلى الفصل 226 من المجلة الجزائية، لإدانة المفطرين ولكل من يخالف السائد في تونس، وهو ما اعتبره حقوقيون غير متلائمٍ مع الفصل 6 و49 من دستور 2014.

ويصف خبراء قانون الفصل السادس من الدستور التونسي بالمتناقض لتنصيصه على أن الدولة تحمي المقدسات، وفي ذات الوقت يؤكّد أنها كافلة لحرية المعتقد والضمير، وهو ما جعل هذا الفصل سند المدافعين عن حرية الإفطار علنا والرافضين له على حد سواء.

لكن رغم الثغرات القانونية يعتقد الخبراء أن المجتمع التونسي أصبح أكثر وعيا وانفتاحا ويحترم الاختلافات الفكرية والعقائدية بين مواطنيه الأمر الذي يعزز حماية حقوق الأقليات ويدعم المجال الحقوقي بالبلاد، ومنذ انتفاضة يناير انتعش مناخ الحريات في تونس بفضل جهود المجتمع المدني التوعوية التي تلعب دورا بارزا في حماية المسار الديمقراطي أمام تحديات أمنية وسياسية واقتصادية تقوضه.

ولا تشكل القيود القانونية التحدي الوحيد في طريق الحريات الفردية، فوفقا للخبير الأممي فإن “تونس لاتزال تواجه العديد من التحديات المرتبطة بمناهضة التطرف العنيف”. ويحذر حقوقيون من مخاطر انتشار التطرف العنيف وما ينجم عنه من عنف وكراهية وتداعيات ذلك على السلم الاجتماعي. ويشير هؤلاء إلى مشاهد الاحتقان والانفلات والتشاحن التي تنتشر في الواقع اليومي للتونسيين، سواء في المؤسسات التشريعية والتنفيذية أو في المنابر الإعلامية بمختلف أصنافها أوعلى مواقع التواصل الاجتماعي، والتي بدأت تؤثر بشكل فعلي في ثقافة المجتمع التونسي وسلوك أفراده. كما أنه يستفيد منها دعاة التطرف لنشر أفكارهم التكفيرية بالمجتمع واستقطاب الشباب نحو بؤر الإرهاب والتوتر.

تونس لديها رؤية تقدمية وهي البلد العربي الوحيد الذي يمنع تعدد الزوجات ويسمح بزواج التونسيات بغير المسلم

وإثر ثورة 2011 عرفت تونس تطورا في الحركات الجهادية المسؤولة عن سلسلة من الهجمات الدامية كما أن الآلاف من التونسيين التحقوا بصفوف التنظيمات الإرهابية في سوريا والعراق والجارة ليبيا. ويلفت شهيد إلى أن “هناك قيودا” في مجال “حرية الفكر والمعتقد”، معللا ذلك بمثال عن المنظمات التي تُعنى بالأقليات الدينية على غرار “البهائيين الذين لم يتمكنوا من نيل ترخيص لممارسة أنشطتهم علنا”. وكان معتنقو البهائية في تونس دعوا في رسالة توجهوا بها إلى رئيس البلاد الباجي قايد السبسي، في سبتمبر الماضي، إلى ما عبّروا عنه بـ”رفع المظالم المتكررة المسلّطة عليهم والتمييز على أساس الدين”.

ونفى حكيم العمايري مستشار وزير الشؤون الدينية مخاوف الخبير الأممي. وأكد في تصريحات لـ”العرب” أن “وزارة الشؤون الدينية ملتزمة بتطبيق فصول الدستور الخاصة بضمان حرية الضمير والمعتقد”. وأشار العمايري أن “الوزارة تهتم  بكل الأديان وبجميع المعالم الدينية المختلفة بطريقة متكافئة وحج الغريبة أبرز مثال لذلك”. وأضاف أن “تونس تعد نموذجا في المنطقة العربية من خلال احترامها لحرية المعتقد حيث تحرص وزارة الشؤون الدينية على حمايتها دون تجاوز القانون”.

وأوضح أن “الوزارة تقوم بمجهودات فكرية للتوعية بالحريات الدينية حيث تنظم ندوات تناقش مسألة حوار الأديان”.

ويقدم المقرر الأممي تقريره النهائي بخصوص نتائج مهمته في مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة في مارس 2019.

4