"إشارة" سكنة حسن تفتح بالفن أسئلة الحاضر على آثار الماضي

تشكيلية سعودية تعيد الحياة إلى مملكة ثاج من خلال أعمال تزاوج بين كلاسيكية الماضي والمفاهيمية الجديدة.
الثلاثاء 2019/04/02
لا حياء في الألوان

تقف التجارب التشكيلية السعودية الجديدة بين كلاسيكية الماضي وحداثة المفاهيمية الجديدة التي تشتغل على وعي المتلقي واستجابته للخروج من حدود البرواز ناحية عالم مفتوح للتأويل والقراءة، غير أن بعض التجارب، ورغم كونها ما زالت داخل البرواز، إلاّ أنها تقدم مشاريعها الفنية بصورة غير تقليدية، تعالج أسئلتها واستقصاءات عوالمها وفق رؤيتها الخاصة، كما تفعل الفنانة السعودية سكنة حسن في معرضها الأخير المعنون بـ”إشارة”.

الخبر (السعودية) – تشير الفنانة التشكيلية السعودية سكنة حسن في معرضها الشخصي “إشارة” (Signal) إلى بعض قطع الآثار التي وجدت بالسعودية، والتي يعود عمرها إلى أكثر من 100 عام قبل الميلاد، وكيف أصبح هناك توجه مؤسساتي لها بعد أن كانت غائبة في ذاكرة التاريخ دون عناية، بسبب سيطرة التيار الصحوي الذي كان يعتبرها أصناما.

وتتساءل سكنة حسن من خلال معرضها في غاليري “تراث الصحراء” المقام مؤخرا بالخبر (شرق السعودية) عن سبب الالتفات المفاجئ لهذا الإرث الإنساني الضخم، فتقول لـ“العرب”، “لماذا الآن، وفي زمننا هذا، تظهر هذه الآثار لجيلنا، وكأنها إشارة إلى معرفة وتوثيق هذه القطع وهذه الحضارة وربطها بتراثنا وثقافتنا”.

من هذا السؤال الثقافي اختارت سكنة أن يكون واجهة معرضها الأساسي قناعا ذهبيا مكتشفا في تلال مدينة ثاج الأثرية مؤخرا، حيث وجدوه في مدفن لطفلة لا تتجاوز العشر سنوات، وقد وضعت على سرير، ونثرت حولها القطع الذهبية، والأحجار الكريمة مع وجود هذا القناع على وجهها.

عالم مفتوح على القراءة والتأويل

لقد رأت سكنة في هذا القناع الذهبي انعكاسا ثقافيا وصناعيا وحرفيا متقدما، حيث وجدت فيه مرايا للحالة التي كانت عليها مملكة ثاج الممتد تاريخها منذ عصر ما قبل الميلاد.

وتقول سكنة حسن لـ“العرب” “من خلال 12 عملا رئيسيا وأربعة اسكتشات قدّمت أعمالي بطريقة واقعية معاصرة، حاولتُ أن أبرز الإشارة التي توجّهنا إلى آثار وتراث وحياة الأسلاف والأجداد، وذلك في سبيل ترسيخ الهوية الزمنية والحضارية الثقافية التي كانت في أزمنتهم”.

وتضيف “في هذه التجربة أتأمل تلك القطع التي تدلنا على سكان الأرض وطريقتهم في توثيق حياتهم بالفنون والمنحوتات والحلي والنقوش والملابس والخامات، وأضع الإشارة على ذلك الزمن الذي تنحدر منه فنوننا، حيث أورثنا هذا الواقع من الفنون في زمننا الحالي بطريقة معاصرة ورقمية”.

وعن مناخات التجربة وكيف انطلقت فنيا، تقول سكنة “هذه التجربة هي استكمال لمشروع معرض الرياض القائم حاليا، حيث سلطت الضوء من خلال اللوحات على الزيّ الرسمي للمحافظات الرئيسية في السعودية، والبالغ عددها ثلاث عشرة محافظة، وأثناء بحثي في ثقافة مناطق المملكة أخذتني النتائج إلى عدة أسئلة جوهرية تتعلّق بآثار المملكة القديمة، وكيف تم تجاهلها كل هذه السنوات، ثم تعود فجأة للواجهة بعد أن فُكّ قيدها وتركت حرة في متناول أيدي المهتمين، ولكي أؤكد على عمق هذه الآثار ومدى حضارتها قمتُ باستخدام حروف المسند الجنوبي القديمة في بعض اللوحات كشاهد حيّ على تنوّع الثقافة وعمقها”.

بين التواري والتحرر
بين التواري والتحرر

وتتابع “هذا الشعور بقيمة التاريخ جعلني أمام مسؤوليتي كفنانة يجب عليها أن تؤرشف بصريا لكل ما يمكن قراءته والوقوف عليه أثناء بحثي في عالم تاريخ المكان، الذي كان على وشك الاندثار لولا إنقاذه من قبل علماء الآثار والأنثروبولوجيا، وهذا ينطلق من إيماني بأن العمل يجب أن يكون ذا هوية، وينطلق من فكرة”.

يغيب الرجل عن عوالم سكنة حسن، ولو حضر في تجربتها فهو يحضر على شكل طير في إشارة منها إلى مدى حريته وتحليقه وطيرانه قبالة سجن المرأة وعدم قدرتها على التحليق والطيران في المجتمع السعودي الذكوري، لهذا فجميع شخوص وأبطال سكنة من النساء التي يغلب عليهن التواري والاختباء وراء الحجاب أو البرقع أو العباءة التي من خلالها تؤكد غياب الهوية النسوية إزاء حضور الهوية الذكورية في مجتمع أبوي، لكنها مع ذلك تتخذ من شخصياتها الفنية شخصيات جريئة، تقاوم الفضاء الاجتماعي، وتحاول أن تثور عليه، وتتخلّص من جدرانه الأسمنتية القاتلة، ومن هناك يقف المتابع لتجربتها على النساء وهنّ يحاولن أن يصنعن شيئا من لا شيء، أو من أي شيء يمكن استثماره في الحياة.

وتقول “إنني أرسم ما أعيشه، فالمرأة مغيّبة في المملكة، وعلى المستوى الشخصي، أنا لا أحد يعرف شكلي، وإنما الجميع يعرفني من خلال لوحاتي، ومن الأكيد أن هذا الأمر جاء لمصلحتي في النهاية، هذا التغييب يخلق لدى المتلقي فضولا يقوده للبحث، أرغب في الثورة على التقاليد التي كانت تحرمني، بسبب كوني امرأة، من أبسط حقوقي مثل السياقة، هذا الأمر البسيط كان يعيقني من المشاركات الفنية بسبب عدم قدرتي على إيصال لوحاتي بأمان دون أن تتلف”.

مرايا من الماضي تعكس امرأة اليوم
مرايا من الماضي تعكس امرأة اليوم

وعن رأيها في المشهد التشكيلي السعودي المعاصر ترى سكنة بأن التشكيل يعيش حالة من الثراء الفني، وأن التجربة والسفر والقراءة هي التي تصقل الفنان وتبني تجاربه.

وتقول “النظرة الكلاسيكية التي كانت تهاجم تجربتي ‘الديجتال آرت’ بدأت تتغير، حيث كانت في مرحلة من المراحل غير معترف بها من قبل الفنانين الكلاسيكيين  والمؤسسات الفنية الرسمية، لكن الأمور اختلفت الآن، فقد طلبت مني وزارة التعليم السعودية تقديم دورات لمعلمات التربية الفنية في المنطقة الشرقية من أجل إدخال هذه المدرسة الفنية في المناهج الفنية التعليمية لدى الطالبات، وهذا بالنسبة إليّ يشكّل أملا كبيرا، حيث بدأت الجماهير تتفهّم أن الفرق بين المدرستين مجرد تقنية فحسب”.

16