إشراقات الرمز في معرض السعودي محمد سالم باجنيد بالقاهرة

الخميس 2017/11/02
توائم بين جماليات الحروف ودلالاتها العميقة والإيحائية

القاهرة – بخبرة الثمانين من عمره، يقدم التشكيلي والخطاط السعودي، ذو الأصول اليمنية، محمد سالم باجنيد، عددا كبيرا من لوحات الخط العربي بحس تصوّفي ورؤية فلسفية، وفيها يجسّد آيات القرآن الكريم والمعاني الدينية والإيمانية العميقة، في إطار معرض فردي للفنان افتتح بنقابة الفنانين التشكيليين في دار الأوبرا بالقاهرة، ويستمر حتى الثالث من نوفمبر الجاري.

يحمل معرض باجنيد عنوانا دالا هو “جماليات الشكل وإشراقات الرمز”، ويمثل هذا المنظور مفتاحا للولوج إلى تجربة الفنان، القائمة على بنية الحرف كشكل جمالي بحد ذاته وقيمة تشكيلية يمكن استنطاقها على نحو مجرد، وكشف عما وراء الحرف من طاقات مشعة تتوالد متدفقة مما يحمله من تأويلات قابلة للإدراك، ورموز سحرية وخفية.

وجد محمد سالم باجنيد ضالته في تشكيلات خط الثلث على وجه الخصوص، ذلك الخط الطيّع في التركيبات المعقدة والملائم للتداخل والتشابك بين الحروف والكلمات دون حدوث لبس لدى المتلقي، ففجر من خلاله مجموعة من البناءات والصياغات لآيات القرآن الكريم، تتسق مع مضامينها الإشراقية والنورانية، وارتكز الفنان على الأبيض والأسود والفضي والذهبي في لوحاته لإبراز ذلك الوهج النابع من المعاني التي تعبر عنها خطوطه.

برز خط “الثلث الجلي” في القرن العاشر الهجري، ويتميز عن غيره من الخطوط بقابليته للتشكل في إطار تكوينات جمالية مستقلة، ولهذا الخط الفضل في ظهور ما يسمى بـ”اللوحة الخطية” كنسق تشكيلي، تطور بشكل لافت في عهد العثمانيين، وتعود جذور خط الثلث إلى القرن الرابع الهجري، وقد سمي بهذا الاسم نسبة إلى “ثلث قُطر القلم” الذي يُكتب به هذا الخط.

ويعد الفنان محمد سالم باجنيد أحد أعلام الخط العربي في العالم العربي، وتتسم تجربته بالتلقائية في التعبير، ودقة التصميم، والقدرة على استشفاف الجوهر واستبطان الماهية من خلال الكشف التصوفي والصفاء الروحاني والحدس، فضلا عن التزوّد بثقافة فنية وأفق معرفي عريض.

محمد سالم باجنيد يفجر من خلال خط الثلث مجموعة من البناءات والصياغات لآيات القرآن الكريم

وينتسب باجنيد إلى أسرة حضرمية من جنوب الجزيرة العربية، وقد ولد في مدينة جدة بالسعودية في العام 1937، واهتم منذ صغره بالخط العربي وأشغال الديكور والتصاميم الفنية، وعُهدت إليه مهمة تصميم ستارة باب الكعبة المشرفة، بحجم ضخم، وقد أهديت إلى مقر هيئة الأمم المتحدة في نيويورك.

شارك الفنان السعودي في العديد من المعارض والمحافل الدولية في المغرب وتونس والإمارات وغيرها، وحصل على الدكتوراه الفخرية من مركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية والقانونية، وله تجربة طويلة مع كتابة الآيات القرآنية بأسلوب فني، تعود إلى العام 1994، ويطورها باجنيد عاما بعد عام.

آيات قرآنية عديدة قدمها باجنيد برؤيته التشكيلية الخاصة في معرض “جماليات الشكل وإشراقات الرمز”، بتنويعات بنائية ولونية مختلفة للآية نفسها في بعض الأحيان، إذ يستشعر الفنان أن شكلا واحدا قد لا يكفي لطرح بناء ملموس معادل لتصوراته عمّا تقدمه الآيات من معان وتوحي به من إلهامات تضيء خيالات الفنان.

ومن الآيات القرآنية التي تعامل معها الفنان بصريا ووجدانيا في معرضه “نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم”، “وتعاونوا على البر والتقوى”، “ربّ اغفر لي ولوالديّ”، “والسلام عليَّ يوم ولدتُ”، “عالم الغيب والشهادة”، “إنما إلهكم الله الذي لا إله إلاّ هو”، وغيرها، ويسعى الفنان إلى تقديم تكوينات بصرية تحمل قيمة تشكيلية قادرة على نقل مضمون الآيات، على نحو إيحائي يمسّ وجدان المتلقي، حتى لو لم يكن يعرف قراءة اللغة العربية.

وما يبتغيه باجنيد في تجربته أن يكون الحرف شكلا ومضمونا في آن واحد، ولأن الأشكال الثابتة للحروف تقود إلى تفسيرات محدودة ومشروطة، فإن إطلاق الحرف من بروازه الشكلي النمطي في تكوينات إبداعية تخييليّة جديدة، يحرر ذلك الحرف من قيد التفسير الأحادي ويكسبه تأويلات لا متناهية تتسع للرموز التصورية والإيحاءات الشعورية، بما يضع يد المتلقي على جوهر الآية القرآنية وطاقتها الكامنة.

وهذه الانسيابية التي تحققها تشكلات الحروف في التكوينات المتناغمة تكاد تشبه التجريدية التي تحققها نغمات الموسيقى، إذ تصير المفردات التعبيرية قادرة على أن تكون هي بحد ذاتها “الحالة” التي يجري التعبير عنها وليست مجرد إشارات تحكي عن هذه الحالة أو تصفها ظاهريا.

الحرف، في تجربة باجنيد التشكيلية، وسيلة وغاية معا، فالفنان يتوسّل الحرف كشكل يتّسع لما لا يتّسع له حرف آخر من مضمون يعتمل في داخل الفنان من وحي الآية القرآنية، كما أن الفنان يجعل ذلك الحرف بشكله النهائي وطاقته الدلالية المصبوبة فيه، مبتغى تشكيليا مجردا، قابلا للتلقي، قادرا على إحداث حالة مشابهة لدى من يطالعه بتعمّق، دون الحاجة إلى القراءة التفسيرية.

لوحات فنية ذات حس تصوفي ورؤية فلسفية

ويتعامل محمد سالم باجنيد في لوحات معرضه مع فريقين من الجمهور، الأول قادر على فهم اللغة العربية وقراءة الآية القرآنية في اللوحة، والثاني لا تتوفر له إمكانية القراءة، وسيجد كل فريق ما يروق له من “جماليات الشكل”، وكذلك من “إشراقات الرمز”.

والقيمة المضافة التي سيجدها الفريق الأول، هي الإجابة عن تساؤلات من قبيل: إلى أي مدى جسدت تشكيلات الفنان الطرح المستقر في مخيلة المتلقي بشأن الآية القرآنية، من حيث الدلالة والتأويل والرمز والتفجير؟ وهل جاءت هندسة الشكل الوعائي الجميل متناغمة مع موسيقى الاستبطان الداخلي؟ وما إلى ذلك من مسارات للتساؤل والتفكير والتذوّق.

أما الفريق الثاني، فإنه بالكاد يتعامل مع رموز وخطوط وزخارف مركبة كوحدات تشكيلية مكتملة، وهنا تقف جماليات وإشراقات اللوحة عارية، إلّا ممّا تمتلكه من قدرة على نقل الحالة التي تفجّرها الآية القرآنية، وليس المقصود ترجمة المعاني بطبيعة الحال، إنما اصطياد ذلك الطقس الروحاني والأثر الخفي الذي تبثّه الآية في الحواس والوجدان عند التفاعل العميق معها.

الآية الكريمة “الله نور السماوات والأرض”، على سبيل المثال، في ستارة الكعبة التي صمّمها باجنيد، تتكرّر في أربعة تشكيلات في الجزء العلوي من الستارة، وبغض النظر عن إمكانية قراءة حروف الآية البيضاء المتوهّجة، فإن التشكيل الذي يسعها يوحي بذلك القبس الإلهي أو المدّ النوراني اللانهائي المتصاعد من قلب مشكاة أو نبض قنديل أو عصارة مصباح يسيل، وهنا سرّ تميّز الفنان السعودي محمد سالم باجنيد.

16