إشراقات فنية من جنوب أسيا وغربها

مؤسسة الشارقة للفنون تستضيف أعمال منير شهرودي وباني عبيدي.
الجمعة 2019/10/18
تشكيلات هندسية بالزجاج الملوّن والمرايا (أثر فني لمنير شهرودي)

تعد تجربة كل من الفنانة الإيرانية الراحلة منير شهرودي فارمنفرمايان والفنانة الباكستانية باني عبيدي من التجارب اللافتة في مجال الفنون البصرية حول العالم، لما لهما من خصوصية فنية تستند أولا وأخيرا على حصيلتهما الثقافية والمعرفية المحلية. ورغم تباين الأجيال الواضح بين تجربتي الفنانتين إلاّ أن تجاربهما الفنية تعكس على نحو واضح التأثيرات الثقافية والبصرية السائدة في مجتمعهما، كما تحملان معا إرثا فنيا مشتركا يضرب بجذوره في تاريخ المنطقة.

تفتتح مؤسسة الشارقة للفنون، السبت، ضمن برنامجها لخريف 2019 معرضين هامين لاثنتين من الفنانات البارزات في كل من إيران وباكستان، وهما “شروق وغروب” للإيرانية الراحلة منير شهرودي فارمنفرمايان و”أرض المرح” للباكستانية باني عبيدي.

حس تأملي

يستمر معرض الفنانة منير شهرودي حتى نهاية ديسمبر المقبل، وهو يقام بالتعاون مع المتحف الأيرلندي للفن الحديث، وتحت إشراف الشيخة حور بنت سلطان القاسمي رئيس مؤسسة الشارقة للفنون، وريتشل توماس من المتحف الأيرلندي.

يضم معرض “شروق وغروب” للإيرانية الراحلة منير شهرودي أكثر من سبعين عملا فنيا بين الرسم والنحت وتصاميم الحلي، إلى جانب الأعمال الورقية والكولاج، في رصد استيعادي لمسيرة شهرودي الفنية التي امتدت لأكثر من ستة عقود.

وولدت شهرودي في مدينة قزوين بإيران عام 1924 وانتقلت إلى نيويورك في  منتصف الأربعينات لدراسة الفن والأزياء، وخلال هذه الفترة جمعتها صداقة بالعديد من الفنانين العالميين، أمثال فرانك ستيلا وآندي وارهول ووليم دي كونج.

عادت الفنانة إلى بلدها في نهاية الخمسينات إلى أن غادرته مجددا بعد اندلاع الثورة الإيرانية في نهاية السبعينات لتستقر مرة أخرى في نيويورك. ومنذ بداية الألفية استطاعت شهرودي أن تستعيد مكانتها في المشهد الفني الإيراني من جديد كإحدى أبرز الفنانات الإيرانيات المعاصرات، حتى رحيلها قبل أشهر قليلة عن عمر يناهز التسعين عاما.

ولفتت أعمال شهرودي انتباه الوسط الفني في الولايات المتحدة، وتميزت تجربتها الفنية على نحو خاص بتركيباتها الهندسية المستوحاة من الزخارف الإسلامية والتي وظفت فيها فن الموزاييك، وقطع الزجاج الملون والمرايا. وهي التي عرضت أعمالها في العديد من المتاحف العالمية مثل متحف

المتروبوليتان ومتحف شيكاغو وتيت غاليري. كما أقيم لها في طهران متحف لأعمالها، وهو يعد أول متحف هناك تتم إقامته لعرض أعمال فنانة واحدة.

وتمزج أعمال منير شهرودي بين التجريد والممارسات الفنية المحلية، من الزخارف الفارسية والعمارة الإسلامية، ما أضفى على أعمالها حسا تأمليا، معتمدة في ذلك على الأشكال الهندسية والألوان الزاهية والتوظيف المبتكر للضوء.

وبدأت الفنانة أولى محاولاتها في استخدام الزجاج والمرايا في أعمالها خلال سبيعينات القرن الماضي بعد زيارتها لأحد المساجد الشهيرة في مدينة شيراز الإيرانية ورؤيتها للفسيفساء الزجاجية التي تزيّن نوافذه وأبوابه وتعكس صورة الزوار.

واستمر اعتماد منير شهرودي على التشكيل بالزجاج الملوّن والمرايا طويلا، وميّز أعمالها التي غلب عليها الطابع الهندسي والتكرار، وقدرتها على توظيف الضوء كأنها تختزنه داخل أعمالها، فيبدو حين عرضه كأنما يندفع منها إلى محيط المكان.

سخرية سياسية

الفرد نجم أعمال الباكستانية باني عبيدي
الفرد نجم أعمال الباكستانية باني عبيدي

في المقابل، يستمر معرض الفنانة الباكستانية باني عبيدي المعنون بـ”أرض المرح” حتى منتصف يناير المقبل، وهو من تقييم الشيخة حور بنت سلطان القاسمي وناتاشا جينوالا القيمة المساعدة في متحف جروبيوس باو في برلين.

ويضم المعرض نماذج مختلفة من أعمال الفنانة الباكستانية، تشمل أشرطة فيديو وصورا فوتوغرافية وأعمالا صوتية وتركيبية، إلى جانب عملين جديدين أنتجتهما الفنانة بتكليف من مؤسسة الشارقة.

وفي أعمالها تهتم باني عبيدي بطرح تساؤلاتها حول الذاكرة الشخصية والوطنية والسياسية عبر تسليط الضوء على باكستان المعاصرة، وتاريخ جنوب آسيا بشكل عام، كما يغلب على أعمالها حس السخرية والاهتمام بالجوانب الأدائية للحياة اليومية والتغيّرات التي طرأت على مجتمعها، خاصة في فترة ما بعد الاستقلال، والآمال التي تم سحقها بعنف من جراء صعود الإسلام السياسي في ظل الحكم العسكري.

وتتنقل أعمال عبيدي بين الروايات الشخصية والمجتمعية التي شكلتها صراعات السلطة التاريخية في جنوب آسيا، بالإضافة إلى العلاقات الجيوسياسية الحالية بين الهند وباكستان. وفي تجربتها الفنية أيضا تسلط الضوء على الصراع بين الدولتين الجارتين وهذه العلاقة المعقدة فيما بينهما والتي سببتها عدة حداث تاريخية وسياسية، على الرغم من الروابط المختلفة التي تجمع بينهما، كاللغة والثقافة والجغرافيا والتاريخ أيضا، لذا فهي تركز اهتمامها على حياة الأفراد المتأثرين بهذه النزاعات.

وتهتم باني عبيدي في المطلق بقضايا الأقليات العرقية والدينية في كلا البلدين، وقدّمت أفلاما وثائقية تصوّر مجموعات الأقليات في باكستان مثل الهندوس والمسيحيين والزرادشتيين، وكفاحهم من أجل الحفاظ على هوياتهم في ظل مناخ عام يتجه نحو التشدّد والأصولية.

تشكيلات هندسية بالزجاج الملوّن والمرايا
تشكيلات هندسية بالزجاج الملوّن والمرايا 

وولدت باني عبيدي في عام 1971 وعاشت لفترة متنقلة بين مدينتي نيودلهي وكراتشي، حتى انتقلت في نهاية التسعينات إلى الولايات المتحدة لدراسة الفنون. وتركز اهتمام الفنانة خاصة على دراسة الفيديو، الذي مزجت بينه وبين ممارساتها الفنية الأخرى، وهي تقيم وتعمل حاليا في مدينة برلين الألمانية. وقد عرضت أعمالها في العديد من المعارض والمهرجانات الدولية، كما شاركت في العديد من برامج الإقامة الفنية ونظمت أكثر من 12 معرضا فرديا حول العالم.

وبالتزامن مع المعرضين السابقين تستضيف مؤسسة الشارقة الدورة السادسة من “مشروع مارس” وهو برنامج إقامة سنوي للفنانين، يوفر فرصا للبحث وتفعيل وتقديم أعمال محددة من خلال زيارات ميدانية والمشاركة في فعاليات المؤسسة. ويشارك في هذه الدورة فنانون شباب من الإمارات والسعودية وكولومبيا ليستكشفوا معا عددا من القضايا التي تتضمن العلاقات بين العمارة والبيئة، بالإضافة إلى الممارسات التراثية المعاصرة.

ومن خلال تنظيم هذه الفعاليات تسعى مؤسسة الشارقة للفنون إلى تفعيل الحراك الفني في المجتمع المحلي في الإمارات والمنطقة، عبر استقطاب أكبر طيف ممكن من الفنون المعاصرة والبرامج الثقافية. كما تسعى المؤسسة أيضا إلى تحفيز الطاقات الإبداعية وإنتاج الفنون البصرية المغايرة، والمعتمدة على البحث والتجريب والتفرد، وفتح أبواب الحوار مع كافة الهويات الثقافية والحضارية.

وتضم مؤسسة الشارقة للفنون مجموعة من المبادرات والبرامج الأساسية مثل بينالي الشارقة ولقاء مارس وبرنامج الفنان المقيم والبرنامج التعليمي، خلافا للمعارض والبحوث والإصدارات المختلفة التي تؤكّد على الدور الذي تلعبه الفنون في حياة المجتمع.

17