إشكالات تنظيم الإعلام في العراق

الأربعاء 2015/10/28

بعد احتلال العراق عام 2003، كنتُ أول من سعى لتأسيس فضائية تلفزيونية خاصة في بغداد، ولأنني كنت حريصا على أن تتم الأمور بصورة قانونية، سعيت للحصول على تصريح بإطلاق الفضائية، إلا أنني لم اهتد إلى الجهات التي ينبغي علي مراجعتها كي أحقق هدفي الإعلامي الطموع. ولا ما هي متطلبات منح الترخيص وشروطه ومن هو الذي يمنحه. وعجزنا عن تسمية الجهة المخولة في العراق المضطرب بمنح أو حجب تراخيص تأسيس محطات تلفزيونية أو إذاعية.

وبعد نصائح عشوائية تخمينية غير مجدية لعدة أسابيع بين دوائر عراقية تقليدية ودوائر تابعة لقوات الاحتلال، لم يشفِ أحد منهم غليلي فقررت مراجعة أعلى هيئة عراقية رسمية آنذاك، ألا وهو مجلس الحكم، وقد يسر لي بعض المعارف الوصول إلى رئاسة المجلس، وكان آنذاك جلال طالباني رئيس مجلس الحكم (نوفمبر 2003).

وهناك، في مكتب واسع بمبنى مجلس الحكم نصحني الأمين العام أن أكتب طلبي الآن وسيقدمه فورا للرئيس، وحيث أننا لا نعلم فيما إذا كان من حق الرئيس الشهري أن يجيز أو أن يمنع، كتبت صيغة خاصة يفهم منها أنها طلب موافقة كما يفهم منها أنها إشعار بإطلاق قناة ويكفي أن يكتب “عُلم”.

بعدها جاءني جواب الرئيس بخط يده في ذيل طلبي “يراجع وزارة الاتصالات”. وكنت قد راجعتها من قبل وقالوا إنهم لا يملكون أي تعليمات أو صلاحيات في هذا الخصوص، وكان جوابهم ذاته هذه المرة وأنا أقدم لهم توقيع رئيس مجلس الحكم وكانت فترة متاهة تأسيس الأوكار الإعلامية العلنية.

ومن ثم بدأت إدارة شؤون الإعلام والاتصالات تنتظم في العراق وفق قرار بريمر رقم 65 الذي تم تشريعه بشكل انتقالي ومرتجل والذي تأسست وفقه “هيئة الإعلام والاتصالات”، وما زالت تعتمد عليه بالرغم من صدور الدستور العراقي. وطوال إثنتي عشرة سنة لم تعمل الهيئة على تطوير عملها والاستفادة من تجارب الآخرين مع أن الإدارات المتعاقبة على هيئة الإعلام والاتصالات نظمت ورشات عمل ومؤتمرات كبيرة ومهمة بدعم من منظمات دولية وأممية حول الأطر القانونية والتنظيمية للبث الإعلامي وحول مستقبل الإعلام العراقي.

ومن أبرزها مؤتمر باريس عام 2007 بمساندة ودعم اليونسكو وكان منبرا لمناقشة استقلالية الإعلام وقانون الاتصالات وخدمات البث والتعديلات اللازمة إدخالها على القوانين العراقية.

وكأغلب المؤتمرات وورشات العمل العراقية المتخصصة والمصروف عليها بسخاء بقيت قراراتها وتوصياتها دون تنفيذ ولا متابعة ولا اهتمام لا من الدولة ولا من ذوي المصلحة المهنية، واتسمت العلاقة بين الهيئة والمؤسسات الإعلامية بالفتور وانعدام التشاور لمعالجة ما يطرأ من إشكالات تطبيقية، وهو أمر كان يمكن أن يتحقق بسهولة لو أن الهيئة حرصت على إقامة علاقات تعاونية سليمة معهم والتشاور المهني قبل اتخاذ قرارات وإجراءات مبنية على تصورات واجتهادات سلطوية، تطبقها الهيئة حتى دون مناقشتها مع أصحاب الهم وأن تسمع وجهات نظرهم.

وقد منحت الهيئة نفسها سلطات رقابية وفرضت على الفضائيات عقوبات وغرامات قسرية لا ينظمها قانون أو ضوابط واضحة، في الوقت الذي لا توجد فيه رقابة على الصحافة العراقية ولا مواقع الإنترنت.

وأقرت لجنة الثقافة والإعلام البرلمانية في 5 أغسطس 2012 في كتاب موجه إلى هيئة الإعلام والاتصالات بعدم وجود آلية لتحديد مبلغ الغرامات، مما يثير تساؤلات عن كيفية احتساب مثل هذه الغرامات.

وتنتقد اللجنة البرلمانية الهيئة لفرضها غرامة مالية لعرض مقاطع من أفلام اعتبرتها الهيئة “إباحية فاضحة”، وهي أفلام كلاسيكية وتعتبر من روائع السينما العالمية، مثل “مكبث” و”روميو وجوليت” لشكسبير، وفيلم “طار فوق عش المجانين” الذي ربح عدة جوائز أوسكار.

الأمر الثاني، أن هيئة الإعلام والاتصالات ابتكرت لنفسها حقا وهميا على البث الفضائي فطالبت بمبالغ طائلة مقابل ما سمته “الطيف الترددي”، وهو ينطبق على مجموعة الموجات مخصصة للبث الأرضي وفق أنظمة الراديو الدولية، وهذا الأمر لا ينطبق على البث الفضائي إطلاقا، فالفضائيات تستأجر تردداتها مباشرة من الأقمار، وليس لأي دولة سلطة على تلك الأقمار، ولا تحتاج أي قناة فضائية لطيف ترددي محلي، ولو كانت الهيئة تريد أن تجبي رسوما على الفضائيات بإمكانها أن تجعلها رسوما صريحة لا أن تبيع ما لا تملك.

وصلت لجنة الثقافة والإعلام النيابية إلى قناعة بأهمية تطوير التشريعات الخاصة بالإعلام، فنظمت في أكتوبر بمشاركة مستشارين قانونيين وإعلاميين ورشة عمل حول قانوني “جرائم المعلوماتية” و”هيئة الإعلام والاتصالات”، بتمويل من الاتحاد الأوروبي وتنفيذ صندوق التنمية الإعلامية للبي بي سي، لدراسة قوانين الدول المختلفة في التشريعين، للخروج بنصوص قانونية لصيانة الحريات التي كفلها الدستور ولتعزيز الإصلاحات البرلمانية ويلبي المطالب الشعبية في مكافحة الفساد والمحاصصة. عسى أن يصدر هذا القانون ويطبق لا أن يكون مصيره كمصير قانون شبكة الإعلام الذي صدر وما زال في الثلاجة.

18