إشكاليات الكتابة للتلفزيون

الأربعاء 2015/11/18

مع بدايات البث التلفزيوني في المنطقة العربية قبل ستين سنة (كانت أول محطة تلفزيونية عربية هي تلفزيون بغداد التي انطلقت في مايو 1956)، لم يتقصد المؤلفون العرب أن يكتبوا نصوصا درامية (تمثيلية) للتلفزيون تهتم بالصورة والبناء المرئي للحكاية ولم تكن للكتابة الدرامية للتلفزيون قواعد وأصول يجب مراعاتها، وإنما اكتفى المؤلفون بنقل أساليب الكتابة للإذاعة أو المسرح، بعد تقطيعها إلى مواقف تدور في ديكورات محصورة داخل استوديوهات التلفزيون.

لقد حتم التقيد بوحدتي المكان والزمان طبيعة الكاميرا التلفزيونية الضخمة شبه مقيدة في مكانها، محدودة الحركة داخل الاستوديو، مربوطة بأسلاك وكابلات متصلة بمازج الصورة في حجرة المراقبة، وبأجهزة التسجيل في حجرة الفيديو، من خلال مداخل ومخارج في جدران الاستوديو، وكان على مصمم الديكور مراعاة مواقعها كي لا يسد طريقها، وعلى المخرج أيضا مراعاتها وهو يرسم حركة كاميراته الثلاث كي لا تتشابك أسلاكها وكابلاتها فتسبب إرباكا لحركتها أثناء التصوير، خاصة وأن كل مشهد كان يصور كاملا دون توقف لعدم إمكانية المونتاج الإلكتروني آنذاك، مما يستوجب قيام الممثلين بحفظ المشهد كاملا وتأديته أمام ثلاث كاميرات تعمل متزامنة قام المخرج برسم لقطة كل منها ودرب المصورين عليها في تمارين متكررة عليهم تنفيذها بصمت وهدوء ودون تلكؤ أثناء التصوير والتسجيل وفق إيعازات وتوجيهات المخرج خلف مكسر الصورة في غرفة السيطرة ويخاطبهم من خلال السماعات التي كانت هي بدورها كبيرة آنذاك تغطي الأذن كاملة وليس مجرد كتلة صغيرة مدورة تُحشر في مدخل الأذن.

لقد بقيت مهارة كاتب الدراما التلفزيوني لفترة طويلة تتجسد قبل كل شيء في حبكة القصة وبناء المواقف وسرد الحكاية وقوة الحوار ورسم الشخصيات وتصاعد الصراعات بينها، وظل الهم الرئيس والشغل الشاغل للكتاب التلفزيونيين ليس رسم الصورة المرئية على الشاشة وتعاقب اللقطات، وإنما أن يتقن "سرد" الحكاية بالحوار والمواقف وهي بلا شك مهارة ليست هينة، وإتقانها والتمكن منها يحتاجان إلى ممارسة وخبرة تميز بها عدد من الكتاب العرب عندما كتبوا للشاشات العربية المسلسلات المحلية أو التاريخية.

تطوران أساسيان في تقنيات العمل التلفزيوني ساهما في حدوث انقلابات ثورية في فنون الدراما التلفزيونية، الأول في مجال التصوير والثاني في مجال المونتاج.

ففي المجال الأول أدى تطور معدات التصوير الإلكتروني إلى أمور عديدة مهمة في الإنتاج التلفزيوني، حيث صغر حجم الكاميرا وخف وزنها فسهل نقلها وحملها والتعامل معها، وارتفعت جودة الصورة إلى عشرة أضعاف ما كانت عليه، وأصبحت الكاميرا هي أداة التصوير والتسجيل في آن واحد (كامكوردر) فاستطاعت أن تتحرر من ارتباطها بمراكز التسجيل الثابتة، وأن تخرج من الاستوديوهات وأن تصور الأحداث في الأماكن الطبيعية الفسيحة. فاقتربت الدراما التلفزيونية من الواقعية كثيرا، على الأقل من حيث الشكل.

أما في المجال الثاني، تقنيات المونتاج، فالتطور الذي حصل فيه قرب العمل التلفزيوني من مهارات العمل السينمائي فلم يعد من الملزم تصوير المشهد دفعة واحدة من حيث الزمان أو المكان، فصار من الممكن مثلا تأجيل بعض لقطات من نفس المشهد لتصور في زمن آخر، ولم يعد الممثل مجبرا على حفظ المشهد كاملا وأدائه دفعة واحدة أمام عدد من الكاميرات تصوره في أوضاع مختلفة، وصار من المفضل تصوير عدد من المرات للقطة الواحدة واختيار أفضلها أثناء المونتاج اللاحق.

لقد حدث الانفجار الأعظم في فنون الإنتاج التلفزيوني في الثلاثين سنة الأخيرة بدخول التقنيات الرقمية في عمليات التصوير والمونتاج، فالكاميرا التلفزيونية والسينمائية في أيامنا هي بحق كمبيوتر للتصوير، ووحدات المونتاج هي كمبيوتر للمونتاج، فلم يعد من المتوقع أن نرى الآن إنتاجا تلفزيونيا بلا مؤثرات صورية وتصحيحات بالكمبيوتر وإضافات إبداعية رقمية لم يكتبها كاتب ولم يؤديها ممثل.

وهكذا فتح تطور تقنيات التصوير والمونتاج الديجيتال آفاقا غير محدودة للسرد الدرامي التلفزيوني أطلقت العنان لخيال الكاتب لصياغة “حكايته” بالنمط الذي يريده، وأن يستعيض عن الحوار بالصورة المعبرة أو الموحية، وأن يقترب النص التلفزيوني كثيرا من تفاصيل ومنهج السيناريو السينمائي، الذي يكتمل على يدي المخرج.

18