إشكاليات ممارسة الثقافة العربية في أولى ندوات مجلة "الجديد"

الأربعاء 2015/02/18
انشغلت الندوة بحال الثقافة العربية وحال الناس والتشظي الدامي للحاضر العربي

حول طاولة مستطيلة في مقرّ مجلة “الجديد”، وسط لندن، احتشدت نخبة من المثقفين والمفكرين العرب، توافدوا بناء على دعوة للمشاركة في الاحتفاء بصدور العدد الأول من مجلة “الجديد” التي تسعى إلى أن تكون منبرا عربيا لفكر حر وإبداع جديد -حسب بيان المجلة- والتي تريد أن تحيي نكهة المجلات العربية الثقافية والأدبية والفكرية السابقة، التي ما زالت ذكراها متوارثة بالرغم من توقف معظمها عن الصدور منذ سنوات.

تركزت موضوعات ندوة “حال الثقافة وأدوار المثقف”، على واقع الثقافة العربية اليوم، أسئلتها وهمومها، وأدوار المثقف على منعطف التحوّلات العاصفة، وقد ورد في الدعوة للندوة أن الحديث فيها سيقتصر على عدد من المشاركين المذكورين في القائمة “القصيرة” وجلسنا ننتظر أن نسمع من المسموح لهم بالكلام أجوبة وتوضيحات عن القضية المطروحة.

جاءت المداخلات الأولى من أساتذة ومفكرين معروفين بدأوها بأطروحات “أكاديمية” حول مفهوم الثقافة والاختلافات التاريخية حول ذلك، وأصرّ البعض على التوسع في دروب “فلسفة الثقافة” وربما علم الثقافة! وكانت أطروحات قيمة بلا شك تدل على نضج فكري ومعرفة بالموضوع. ولكن لم نجد فيها الإجابة الشافية عن حال الثقافة العربية اليوم وهمومها ولا عن دور المثقف في هذه الأوضاع العربية “العاصفة”.

المثقف العربي أصيب بقلق في قضية الانتماء، وبالحذر من صراحة الموقف، وشاع بين المثقفين داء عدم الاعتراف بالآخر

تدريجيا بدأ المشاركون يقتربون أو يلامسون الوضع “المعاصر” للثقافة العربية والأفضل أن نقول للمثقف العربي. ومن ثمّ وصلوا إلى أن اضطراب الأوضاع العربية أدّى حتما إلى اضطراب الثقافة، وأصيب المثقف العربي بقلق في قضية الانتماء، وبالحذر من صراحة الموقف، وشاع بين المثقفين داء عدم الاعتراف بالآخر، وقد تحدّث خزعل الماجدي من ورقة مهيّئة، مستعرضا الإشكالية في نقاط محدّدة، وتساؤلات تتطلب أجوبة.

وكانت الكاتبة التونسية لمياء المقدم في مداخلتها أكثر قربا من واقع المثقف العربي اليوم، وشكت من التنافر بين المثقفين أنفسهم. وقد أمتعني الاستماع إلى كثير من الأفكار والتحليلات، ولكنني لم أجد تفسيرات وشروحات لكثير من إشكاليات ممارسة الثقافة في البلدان العربية.

أولى ندوات مجلة الجديد انعقدت بالتعاون مع صحيفة "العرب" وضمت نخبة من ألمع المثقفين العرب وانشغلت باسئلة اللحظة العربية الراهنة

بقيت أسئلتي بلا جواب ومنها: هل يهتمّ المثقف العربي فعلا بالثقافة؟ هل سيشتري مجلة “الجديد” إذا لم يكن فيها مقال له أو عنه؟ هل يتابع البرامج الثقافية على شاشة التلفزيون أم برامج المسابقات والمنوّعات والمسلسلات التركية؟ هل يقوم المثقف العربي بنشاط “نضالي” مطالبا أن يكون له دور في الحياة السياسية والسلطة والقضايا العامة وضدّ تهميش المثقفين والثقافة؟

كذلك ما هو تفسير ظاهرة تسقيط الآخر بين المثقفين، والتقليل من شأن الغير والشماتة بمن يصاب منهم بضرر، أو بانتكاسة أو محنة؟ لماذا ينعدم التضامن غالبا بين المثقفين العرب في البلد الواحد وفي البلدان المتعددة؟ لماذا يتصف العديد من المثقفين بالعدمية والسلبية؟ وهل يقوم المثقف العربي حاليا بدور فعال في التنوير والتوعية؟

طرحت في أول الجلسة سؤالا فيما إذا كانت مجلة “الجديد” التي نحضر اليوم الاحتفاء بصدور عددها الأول، “أهي من المثقف إلى المثقف أم هي من المثقف إلى الناس؟” فردّ عليّ مدير الندوة ورئيس تحرير المجلة نوري الجراح بأنني ربما تلقيت الجواب من المتكلمين في الندوة.

ولكن الندوة انتهت ولم أجد جوابا شافيا واضحا عن سؤالي. غير أنني استمتعت بالحضور وتلك الإثارات الذهنية، التي أنصتّ إليها طوال ثلاث ساعات.

14