"إشكاليات نقد التراث وتجديد الخطاب الديني" في مؤتمر بمراكش

الاثنين 2014/05/26
الأساتذة المحاضرون في مؤتمر "اشكاليات نقد التراث وتجديد الخطاب الديني"

مراكش- ناقش مفكرون وباحثون عرب خلال فعاليات اليوم الختامي لمؤتمر عقد على مدى يومين في الأسبوع المنقضي، بمدينة مراكش المغربية، “المركزية التي أولاها الفكر العربي والإسلامي المعاصر للمراجعات التراثية، والقراءات المحدثة التي دعا إليها عدد من رواده لنصوص الموروث الديني”.

وطرح الباحثيو خلال المؤتمر الذي نظمته مؤسسة “مؤمنون بلا حدود” غير الحكومية، عددا من المحاور تمثلت في “إشكالات تجديد الخطاب الديني” في الحاضر العربي والإسلامي وما يقدمه من فرص لإعادة صياغة المشروع النهضوي الإسلامي.

وانقسم الباحثون المشاركون في المؤتمر في تقييمهم لأهمية النتائج التي توصلت إليها الدراسات في مجال نقد التراث، ما بين داع إلى مقاطعة جريئة للأنماط التقليدية، وتحميله مسؤولية كل العلل التي آلت إليها الأوضاع في العالم العربي والإسلامي، وبين مشيد بأهمية التجربة النقدية التي مارستها مختلف التيارات الفكرية. ورسموا ملامح متباينة للخطابات الدينية المؤطرة لهذا المخاض الفكري الجاري في العالم الإسلامي، من الفكر العقلاني التنويري وصولا إلى الفكر المتطرف والخرافي.

وأشار المفكر التونسي، “احميدة النيفر”، خلال ورقة بحثية قدمها خلال فعاليات المؤتمر إلى أن انبعاث الفكر التجديدي في الخطاب الديني خلال السنوات الماضية، لم يأت لنقض أو الصراع مع الفكر الحداثي، بل للتواصل معه والالتقاء به للاستفادة من تجربته في مواجهة ما بات يعرف بـ” الإخفاق التاريخي” الذي عرفته الحضارة الإنسانية.

وأوضح “النيفر” أن خط التجديد الذي انطلق في العالم العربي، والقائم على إعادة قراءة للتراث، وتفكيك لمقولاته، استفاد بشكل رئيس من الإصلاحية الإسلامية، بل إنه نشأ متفرعا عنها، كما ساهم كل من الاتجاه الاجتهادي، والفكر الحداثي في صياغة معالمه وتشكيل خطاباته.

الواقع المتحرك يدفع منظري التجديد الديني في العالم الإسلامي، إلى إعادة مراجعة فلسفة «مقاصد الشريعة»

ووفقا لـ”لنيفر”، شهدت مراحل تطور هذا التيار الذي يسعى إلى إعادة التفكير في التراث من داخله وعبر وسائله وموروثه، ثلاثة أجيال، قادها ثلة من المفكرين حاولوا أن يضطلعوا بمهمة التجديد وفي مقدمتهم المفكرين، المصري أمين الخولي والهندي محمد إقبال.

ولفت المفكر التونسي إلى أن هذا الخطاب التجديدي المعاصر، تتلخص أهم ميزاته في كونه نجح في “التفكير في التراث” من داخل الثقافة العربية الإسلامية، واستيعاب الجوانب المعقولة فيه، واعتبر أن هذه الميزة سمحت لهؤلاء المجددين بالتحرر والانطلاق إلى عوالم أوسع. وفي ذات السياق، دعت الباحثة المصرية هالة فؤاد، إلى التسلح بمعاول الهدم والتفكيك في التعامل مع التراث ونقده، وعدم إحاطته بهالة القداسة التي تحول دون الباحثين والوصول إلى نتائج علمية وإلى مخرجات حقيقية تساهم في تجديد الخطاب الديني وتقويمه.

ورأت الباحثة المصرية أن التصوف بمختلف أشكاله، يجسد أحد صنوف هذا الموروث الديني الذي يتوجب تخصيصه بالدراسة والتحليل، واعتبرت أن التصوف اليوم في العالم الإسلامي يجري الترويج له كبديل ممكن في مواجهة الأيديولوجيات الإسلامية المتشددة والمفاهيم السلفية النازعة إلى العنف، أو حتى المؤسسات الدينية الرسمية.

وعادت الباحثة إلى طرح التساؤل حول طبيعة أنماط التصوف الشائعة اليوم في الوسط الإسلامي، حيث انتقلت التجربة الصوفية من الاستناد لتخيل جمالي روحاني، إلى تخيل أسطوري خرافي، ما جعل العالم الإسلامي يعيد استهلاك خطاب صوفي يعيش على هذه الأنماط الطقوسية الخرافية.

من جهته، أوضح الباحث التونسي “يونس قنديل”، أن أهمية النقاش الدائر اليوم في العالم الإسلامي حول ضرورة تجديد الخطاب الديني وخاصة المقاصدي منه (المرتبط بمقاصد الشريعة)، تأتي انطلاقا من استحضار التحديات التي تواجه الشعوب العربية التي خرجت إلى ساحات التغيير للمطالبة بالحرية والديمقراطية، وليس لمراجعة التراث أو تحديثه.

وبحسب قنديل، فإن هذا يفرض على المفكرين العرب أن يعملوا على تجديد الخطاب الديني بالاتساق مع واقع المسلمين اليوم، وعدم حصر “الذات” في مشاريع نقد التراث التي انكب عليها مفكرون عرب في مرحلة تاريخية سابقة دون أن يبيّنوا فاعليتها.

اعتبر الشبار أن الخلط الحاصل في التصور الإسلامي اليوم بين هذا الخطاب “المٌنزل” وبين الخطاب “المٌنجز”، يجعل الكثير من التيارات الدينية والطائفية والمذهبية تقدم خطاباتها وأفكارها على أساس أنها الحقيقة المٌنزلة

وأشار “قنديل” إلى أن التحديات التي يفرضها هذا الواقع المتحول والمتحرك اليوم، يجب أن تدفع منظري التجديد الديني في العالم الإسلامي، إلى إعادة مراجعة فلسفة “مقاصد الشريعة”، وبنائها على “الحرية والإرادة”، لا “الجبر والتكليف”، وعدم حصرها في نموذج أو قراءة معينة بل فتحها على آفاق أرحب على غرار التجارب المقاصدية في التاريخ الإسلامي التي اتسمت بتنوع هائل.

ولفت “قنيدل” إلى صعوبة إقامة أي مشروع حداثي في العالم الإسلامي بإعلان قطيعة كلية مع التراث، واعتبر أن بناء أية نهضة لا يستقيم إلا عبر الرجوع إلى هذا الموروث والاتصال به نقدا وتفكيكا ودراسة، بما يتوافق ومتطلبات وحاجيات أجيال العصر، لا عبر تكرار التجارب السابق في هذا المضمار.

ملامح الأزمة في الخطاب الديني، رصدها أيضا المفكر المغربي سعيد الشبار عبر ثنائية “المنزل- المنجز”، حيث لفت إلى ضرورة الفصل اليوم في العالم الإسلامي بين الخطاب “المٌنزل” المتصف بالكلية واللامحدودية في الزمان والمكان، وطبيعته المطلقة، وبين “الخطاب المُنجز”، الموسوم بالنسبة والقصور لارتباطه بسياقات زمانية معينة أو مكانية خاصة. واعتبر “الشبار” أن الخلط الحاصل في التصور الإسلامي اليوم بين هذا الخطاب “المٌنزل” الحامل لكل الصفات المطلقة، وبين الخطاب “المٌنجز”، يجعل الكثير من التيارات الدينية والطائفية والمذهبية تقدم خطاباتها وأفكارها على أساس أنها الحقيقة المٌنزلة، المنزهة عن كل تشكيك أو نقاش، وهو ما لا يستقيم حسب الشبار مع الواقع، ومع حاجيات العصر.

12