إشكالية السياسة العربية الخارجية: العزلة والانكفاء

الأربعاء 2015/09/30

التغيير ظاهرة تميّز بها العالم منذ القدم. بيد أن مجموعة متعددة المضامين أدت، منذ نهاية القرن الماضي، إلى أن تضحى هذه الظاهرة غير مسبوقة في سرعتها وتأثيرها وشمولية تحدياتها وانفتاح نهاياتها. وقد سبق المفكر العربي أنور عبدالملك أن أطلق عليها “عملية تغيير العالم”. وكان صائبا في تسميتها ودقيقا في تشخيص مخرجاتها.

ومن نافل القول إن أنماط التفكير والتخطيط السابقة لمرحلة ما قبل انتهاء الحرب الباردة لم تعد قادرة على التعامل بكفاءة مع معطيات عالم يتغير على نحو سريع. لذلك لم تتردد بعض الدول في إجراء مراجعة شاملة لسياساتها الخارجية والرؤى والتوجّهات المرتبطة بها، في سياق فعل سياسي يريد الاستمرار في أن يكون مؤثرا وبالتالي ناجحا.

الصين تقدم أنموذجا لمثل هذه المراجعة، فسياستها الخارجية شهدت خلال الفترة بين أعوام 1949 و1977 عملية إعادة هيكلة مستمرة. فمن توجه الاعتماد على الاتحاد السوفييتي السابق (1949-1960) إلى توجه الاعتماد على الذات (1960-1970)، ثم تبني العزلة النسبية (1970-1977). بعد ذلك اتبعت سياسة الانفتاح السياسي الخارجي الشامل منذ انعقاد المؤتمر العاشر للحزب الشيوعي الصيني في عام 1977. وقد كان هذا التوجه الأخير محصلة لتأثير مدخلات هيكلية أثّرت آنذاك في الواقع الصيني الداخلي والخارجي.

ويبرهن المثال الصيني على فرضية تؤكد أن السياسة الخارجية لإحدى الدول تعد انعكاسا لنوعية المعطيات التي تشكل واقعها الداخلي والخارجي في زمان محدد. كما أنه يؤكد على أن الدول لا تتردد في اختيار التحول من توجه محدد إلى آخر مختلف عندما تدرك أن هذا التحول سيفضي إلى تحقيق ما تصبو إليه من أهداف، أو على الأقل يسهّل عليها ذلك. فالصين لم تذهب إلى تبني خيار الانفتاح على العالم إلا عندما أدركت أن مخرجات هذا الخيار هي التي ستساعدها على الارتقاء والوصول إلى مصاف القوى الدولية الكبرى. ونرى أنها تسير باتجاه تحقيق هذا الهدف.

وعلى ضوء هذه التجربة نتساءل، ما التوجه الذي يتعين على الأداء العربي، منفردا أو مجتمعا، الانطلاق منه؟

وتأسيسا على مضمون مسلمّة بأن ثمة علاقة طردية تربط بين الفاعلية الداخلية للدول وفاعليتها الخارجية، يكون من الطبيعي أن تفضي مجمل الاختلالات الهيكلية التي يعاني منها الجسد العربي إلى الأخذ بأنماط من السلوك السياسي الخارجي عكس نوعية الأرضية الهشة التي انطلقت منها.

هذه الأرضية أتاحت لمجموعة من الدول، ذات المصالح الاستراتيجية في الوطن العربي، مجموعة فرص مضافة لتعطيل استثمار العرب لقدراتهم على الفعل دعما لفاعليتهم الخارجية، ولضمان عدم تكرار تجربة الحظر النفطي العربي عام 1973، التي كادت تفضي إلى تحوّل العرب إلى قوة دولية مؤثرة. وعند إبداء الرأي في التوجه السياسي الخارجي العربي، من المفيد تناول مضامين كل من الاتجاهين: العزلة والانغماس المكثف.

فبالنسبة إلى التوجه نحو العزلة، فهو يعني الانكفاء على الذات وبالتالي تجنب الانغماس في التفاعلات الدولية إلا عند الضرورة. وتفيد خبرة الدول التي أخذت بها التوجّه، في الماضي والحاضر، أنها ذهبت إليه تحت تأثير ضآلة قدراتها الذاتية على الفعل، فضلا عن تواجدها ضمن بيئة إقليمية ودولية قد تتسبب المشاركة في تفاعلاتها بتكلفة باهظة.

وتكمن إيجابيات هذا الاتجاه أساسا في تقليص الموارد التي تخصّص لدعم السياسة الخارجية، وتحويلها لأغراض داخلية ودعم عملية التنمية، ومع ذلك، فإن سلبياته تفوق إيجابياته؛ حيث أن المتغيرات الإقليمية والعالمية، تنتج مفعولا عكسا يدفع بهذه الدول إلى التفاعل مع غيرها تأمينا لأمنها بمعناه الشامل.

أما عن التوجه نحو الانغماس، فهو يفيد الحرص على المشاركة المكثّفة في التفاعلات الإقليمية والعالمية مع تنوعها في سبيل تأمين حاجات ذات أبعاد داخلية، فضلا عن دعم قدرة الدولة على الفعل، سيما وأن هذا التوجه يساعد على بناء علاقات واسعة يمكن توظيفها في الأزمنة المختلفة سبيلا داعما لتحقيق الأهداف المنشودة. ولنتذكر أن الدعم الدولي يعد أحد عناصر القدرة على الفعل، هذا إضافة إلى تأمين حاجات ذات أبعاد خارجية.

وعلى الرغم من إيجابياته، ينطوي هذا التوجه على استنزاف مستمر لقدرات الدولة وتحمّل تكلفة قد لا تستطيع إلا بعض الدول العظمى تحمّلها. فمثلا الحرب البادرة، كانت إحدى المدخلات المهمة التي دفعت إلى انهيار الاتحاد السوفييتي.

وقياسا بمعادلة الخسائر-الأرباح التي تقترن بالاتجاهين أعلاهما، نرى أن الحاجة إلى أداء سياسي خارجي مؤثر لا تسمح بالأخذ بأحدهما كتوجه عام للسياسة الخارجية العربية. هذا لأن خسائرهما تفوق أرباحهما. ففي ضوء خصائص عالم اليوم، ينطوي الانكفاء والمشاركة المحدودة في التفاعلات الدولية، وبالتالي العزلة، على تهديد خطير لأمن الدولة. كما أن الانفتاح الأفقي والواسع على الدول الأخرى لا يفضي، فحسب، إلى تشتيت الاهتمام ومدّه على قضايا وأحداث دولية هامشية وتحمل تكلفة باهظة، وإنما يؤسس أيضا لإشكالية خطيرة تكمن في التناقض بين السعي إلى أهداف حيوية محددة والموارد المخصصة لتحقيقها .

وفي ضوء ما تقدم، نرى أن التوجه المركّب الذي يجمع، بتوازن محسوب، بين مضامين العزلة والانغماس في التفاعلات الدولية، هو الأجدى والأنفع عمليا لتأمين المصالح العربية.

أستاذ العلوم السياسية ودراسات المستقبل

6