إشكالية الكتابة للطفل بين الخيال والتربية

الأحد 2017/07/09
لوحة : نوار حيدر

في كل مرة أقدم فيها على الكتابة للطفل يراودني شعور بالرهبة وأنا على أبواب الكتابة لراشد صغير يشاركني الحياة، ويشهد -مثلي- على ما يدور فيها من أحداث. هذا هو مصدر الرهبة، أن تكتب لقارئ لا يمكن خداعه أو الكذب عليه، قارئ يعي بأنه شخص مستقل، يرفض الوصاية عليه، يؤمن بحريته وحقوقه التي يعرفها ويطالب بها، لكنه في نفس الوقت طفل صغير يحتاج إلى الحماية والرعاية، فإلى أيّ منهم ستنحاز أثناء الكتابة؟

إن تعرض الكاتب لمثل هذه الإشكالية وانشغاله بها يجعله يكتب تحت إحساس بالمسؤولية، إن لم يكن أمام العالم فعلى الأقل أمام ضميره الذي يحتّم عليه أن يقدم أفضل ما لديه، وهذا الأمر يقع في ضمير البشرية بأكملها وليس الكاتب فحسب. فهل يضمن هذا للطفل نتاجا أدبيا مميزا؟ أو بالأصح هل هذا كاف كي تمتلئ الأرفف بكتب الأطفال الرائعة والمثالية، التي يتوفر فيها كل ما نأمله لأطفالنا؟

يتعامل البعض مع الكتابة للطفل باستخفاف وينظرون إليها على أنها ذلك النوع السهل من الكتابة، الذي لا يحتاج إلى مجهود أو وقت كبيرين، ربما لهذا أيضا يستخف آخرون بكتاب الطفل ويتعاملون معهم ككتاب من الدرجة الثانية، على اعتبار أنهم يقومون بعمل يمكن الاستغناء عنه. وليس المجال هنا للرد عليهم فقد تجاوز الوعي العام هذه القضية بكثير، كما أننا لن نناقش أيضا إقبال البعض على الكتابة للطفل لكونها سبوبة تجني مالا أكثر مما تجنيه ألوان أخرى من الكتابة، وأيضا لن نتعرض لمتطلبات الكتابة للطفل، ولا أهمية لإلمام الكاتب باحتياجات النمو والمرحلة العمرية التي يكتب لها، وغير ذلك من إشكاليات يتحدث عنها الجميع، لكننا سنتناول قضية أخرى تؤرق المهتمين بالطفل وبالأخص أكثر الجهات التصاقا به وبعالمه عن قرب وهي المؤسسة التربوية، ويمكن أن نلخص هذه القضية في بعض الأسئلة:

هل يخضع أدب الطفل لنفس المعايير التي يخضع لها أدب الكبار؟ بمعنى هل له الحرية كاملة في تناول أيّ قضية بلا حدود أو قيود؟ هل لأدب الطفل هدف تربوي يهتم بتنشئته ورعايته، أم أن الهدف الرئيسي هو إمتاع الطفل ومده بالخيال والدهشة فقط؟ هذا ما يتصارع عليه التربويّون والأدباء معا، ولكل منهم وجهة نظر تستحق أن توضع في الاعتبار.

الطفل يحتاج إلى الرقابة المتخصصة لما يصل إليه من إبداع بحكم كونه صغيرا لا يستطيع الدفاع عن نفسه أو انتقاء ما يتناسب مع عقله وفكره أو المبادئ التي يجب أن ينشأ عليها

ينتمي معظم كتاب أدب الطفل للمؤسسة الإبداعية -لو جازت لنا التسمية- التي ترفض القيود أو الرقابة على الكتابة ويرون أنه لكي يقبل الطفل على القراءة عليك أن تقدم له إبداعا يليق بمخيلته، وعملا يتصف بالجمال ما يحقق له الدهشة والمتعة، ولا يمكن أن يحدث هذا إلا لو كان بعيدا عن النصح والوصاية، وليست وظيفة الإبداع أن يكون ممنهجا لصالح مؤسسة تربوية أو سياسية أو اجتماعية أو دينية، بل ليس من الواجب أن تكون له وظيفة من الأصل بمعني أن الفن من أجل الفن، والإبداع من أجل الإبداع، ولا يمكن أن يوصف العمل بالإبداع إلا لو كان حرا بلا قيود أو رقابة.

أما التربويون فيرون أنه من حق الطفل ألاّ نعرضه لإنهاكات فكرية تتنافى مع قواعد التربية السليمة فلا يمكن أن نسمح بمحتوى مغلوط أو غير لائق تربويا يحرّض على عنف أو كراهية. إن ترك الأمر لكل من يكتب للطفل دون أن يكون مؤهلا لذلك يفتح الباب لمحتوى ضار به، ويرون أنه من الواجب أن يخضع كل ما يكتب للطفل للتحكيم التربوي كي لا يصبح العمل الأدبي ساحة لتضمين التوجهات والإسقاطات المتعددة لكل من يرغب في بث آرائه السياسة أو الفكرية فيصبح الطفل عرضة للتشتت والصراع عندما يخضع لأيدلوجيات وانتماءات متضاربة في مرحلة عمرية تحتاج لتكوين قناعاته وهوياته بعيدا عن أيّ صراع.

يحتاج الطفل إلى الرقابة المتخصصة لما يصل إليه من إبداع بحكم كونه صغيرا لا يستطيع الدفاع عن نفسه أو انتقاء ما يتناسب مع عقله وفكره أو المبادئ التي يجب أن ينشأ عليها، فهو بحاجة إلى كتب تجنب روحه وخياله وعقله ويلات الصراعات والحروب كي نبتعد به عن منطقة الخطر بما لا يفقده الشعور بالسلام والأمان، فلماذا لا يتعاون الأدباء مع المدرسة من أجل صالح الطفل؟

إنها وجهة نظر تستحق الدراسة، وإذا كان الأدباء دائمو الاعتراض على ما يدرس في المدرسة من مناهج وكتب خالية من الدهشة والخيال، ويهاجمون المؤسسة التربوية لقتلها الإبداع والمبادأة، فلماذا لا يقدمون بدائل إبداعية مناسبة للطفل، لماذا لا يوظفون الإبداع لخدمة التربية؟

يطرح التربويون هذا السؤال في انتظار بدائل مرضية تجمع ما بين وجهتي النظر، وهي مسؤوليتان متضاربتان تحمل في طياتهما قيم متضاربة مثل الصدق، الخيال، الواقع، المسؤولية، الوصاية، المشاركة، والحرية..

وقله قليلة من الكتاب يستطيعون الخروج من هذا الفخ والنجاة من المأزق عن طريق صنع توليفة من هذا وذاك دون أن يطغي أحدهما على الآخر. فيقدم له صورة إبداعية صادقة، غير مغلوطة ومليئة بالجمال والخيال والأمل.

كاتبة من مصر

ينشر الملف بالتعاون مع "الجديد" الشهرية الثقافية اللندنية

13