إشكالية الوعي الفلسطيني بالكفاح المسلح

الاثنين 2015/07/06

عاش الفلسطينيون ردحا طويلا من الزمن على فكرة مفادها أن الكفاح المسلح هو الأسلوب الرئيس لتحرير فلسطين، لكنهم في غضون سعيهم للثورة على واقعهم، وجوعهم لـ”الثأر” من عدوّهم، لم ينتبهوا إلى ضعف إمكانياتهم، ولا إلى وضعية النظم السياسية المحيطة بهم، وفوق هذين، ففي غمرة حماسهم تجاهلوا الخلل في موازين القوى لصالح عدوهم، والمعطيات الدولية الداعمة له.

من الأساس فإن الفصائل الفلسطينية لم تأخذ في اعتبارها أن المقاومة المسلحة ليست عملا سهلا أو مسموحا به، إذ أن هذا الأمر بحاجة إلى قرار سياسي، وإلى حسابات تتعلق بالتوظيف في الموضوع الفلسطيني، على الصعيدين الداخلي والخارجي، لاسيما في منطقة تسود فيها أنظمة تسيطر على مواطنيها وتحرمهم من الحقوق والحريات، فكيف إذا كان الأمر يتعلق بثورة مسلحة؟

توفّرت الظروف لانطلاق المقاومة الفلسطينية المسلحة بعد حرب 1967 لأسباب عديدة، من ضمنها أن هذه المقاومة باتت بمثابة حاجة إلى النظام العربي للتغطية، أو للرد على الهزيمة. هكذا بات ثمة أنظمة تؤمن للعمل الفدائي الدعم المالي، لتغطية موازناته ومخصّصات ألوف المتفرّغين من فدائيين وإداريين، وبات ثمة أنظمة أخرى تؤمّن السلاح، كما ثمة أنظمة تسمح بوجود قواعد عسكرية للمقاومة على أراضيها، مع كل ما ينجم عن ذلك من تبعات. بيد أن المراهنة على اندلاع الثورة في الخارج، والاعتماد في ما يخص الإمكانيات على الدول، لم تكن ناجحة كما لم تكن بالمجان، إذ أنها أدخلت الفصائل الفلسطينية في التزامات قيدت معنى المقاومة، والأهم أنها دفّعت الفلسطينيين أثمانا باهظة من حياتهم ومن استقرارهم.

المقاومة الفلسطينية المسلحة لم تنطلق من بين فلسطينيي 1948، ولا من بين فلسطينيي الأراضي المحتلة في 1967، إذ لم يعتمد هذين التجمعين المقاومة المسلحة، وإنما أشكال المقاومة الشعبية وضمنها الانتفاضة. أيضا فإن هذه المقاومة لم تنشأ نتيجة الحراك السياسي وسط تجمعات اللاجئين في الأردن وسوريا ولبنان، وإنما انطلقت من هذه البلدان وقتها، وفق معادلات عربية سمحت بوجود الفصائل وبالتالي قواعد المقاومة المسلحة، لحسابات تتعلق بالأنظمة المعنية.

هذا يثير عدة اشكاليات، أهمها أولا، أن الحركة الوطنية الفلسطينية ذهبت إلى المقاومة المسلحة مباشرة دون ممهدات سياسية، وقبل أن تبني مؤسساتها الوطنية وإطاراتها التشريعية، وحتى دون أن تأخذ بخط التدرّج الطبيعي بأشكال عملها النضالية. ثانيا، القيادة الفلسطينية ذهبت إلى العمل المسلح وفق رؤية مسبقة مفادها أن هذا ما ينبغي القيام به، قبل أي عمل آخر، بغض النظر عن مدى استعداد الفلسطينيين لحمل هذا الشكل الكفاحي، وقدرتهم على تأمين متطلباته وتحمل تبعاته وكلفته. ثالثا، أن المقاومة الفلسطينية، بسبب نشأتها هذه وشيوع عقلية تقديس الكفاح المسلح، لم تنتج تجربتها الخاصة، المبنية على المراجعة النقدية، لأن التقديس ينبني على الإيمان، ويتناقض مع المساءلة والمحاسبة. رابعا، محصلة كل ذلك تجلت في طغيان المقاومة المسلحة على مجمل بنى العمل الفلسطيني، إلى حد أنها لعبت دورا كبيرا حتى في صوغ الهوية الوطنية والكيانية السياسية للفلسطينيين، وفي رؤيتهم لذاتهم كشعب.

ذلك كله لم ينتج عنه شيئا مناسبا، أو موازيا للتضحيات التي قدمها الفلسطينيون، لاسيما في مخيمات اللاجئين في الأردن ولبنان وسوريا، إذ أن هؤلاء باتوا أكثر عرضة للانكشاف والتفكك. والأهم من ذلك أن المحددات التي تحدثنا عنها، وأهمها الاعتماد على الخارج، أسهمت في تحول المقاومة إلى سلطة في كافة أماكن تواجدها، فهي نشأت منذ البداية كمشروع سلطة في مجتمعاتها، وكنظام مثلها مثل الأنظمة القائمة، طالما أنها استندت إلى بنى ميليشياوية مسلحة.

وضعية السلطة في الخارج، هي التي سهّلت تحول المقاومة الفلسطينية إلى سلطة في الداخل بموجب اتفاق أوسلو، وتحول كتائب المقاومة إلى أجهزة أمنية، هدفها حماية السلطة القائمة بعد أن أقرت بالعجز عن مصارعة العدو. والمشكلة أن كل ذلك يجري في وقت مازالت فيه خطابات الفصائل تتغنى بالكفاح المسلح، ومازال فيه هذا الشكل يحتل الوعي السياسي للفلسطينيين.

كاتب سياسي فلسطيني

8