إشهار سلاح التغريب في وجه المرأة العربية.. السعودية خصوصا

الثلاثاء 2013/10/29

في محاولة لحل لغز (التغريب) بحثت كثيرا عن أصوله لكي أفهم ما يُلقى في وجوهنا كلما طرحنا ضرورة من ضرورات التحضر، فلم أجد سوى كلاما مرسلا، إن لم أقل فارغا، من بعض المجتهدين المعاصرين، الذين يقتطعون نصوصا وشواهدا من هنا وهناك ليثبتوا صحة وجهة نظرهم بأن الغرب، في كل صغيرة وكبيرة، يتربص بالأمة الإسلامية ويعمل ليلا نهارا لتغريب أبنائها وبناتها. وأن له في ذلك، قديما وحديثا، آليات ورسل في طول وعرض البلاد العربية والإسلامية، لا يكفون عن الهجوم على ثوابت دينهم والتشكيك في هذه الثوابت والتحلل من التزامات وقيم المجتمع الإسلامي.

وقد اتضح لي أن هناك جهلا فاضحا من هؤلاء بالمصطلحات ودلالاتها. ومن ذلك استخدامهم لمفردة «التغريب» حين يتحدثون عما اصطلح على تسميته بالإباحية، باعتبار أن منطلقاتهم في كل شؤون الحياة تبدأ وتنتهي بالمرأة. ذلك المخلوق الذي ينظر إليه أصحاب الترويج المجاني لمصطلح التغريب على أنه مخلوق خطر، يبدأ منه ومن حريته وانفتاحه تهديم القيم والعادات والتقاليد المرعية. أما مناسبة البحث عن مصطلح التغريب ومدلولاته فهو ما حدث في الأيام الأخيرة حين ثارت ثائرة قادة المحافظين، بعضهم وليس كلهم، في السعودية للوقوف ضد قيادة المرأة للسيارة في المملكة. واستخدموا في ذلك كل (المسامير) التي بحوزتهم، من التحريض على المؤيدين لهذه المسألة إلى الترهيب والقذف والعنف اللفظي، ثم استخدام اسطوانتهم التاريخية المشروخة عن التغريب، معتبرين أن السماح بقيادة المرأة للسيارة بوابة لهذا التغريب.

وقد أثار فضول الكثيرين وهم يتعاملون مع هذه (المسامير) حجم الحشد المعنوي والمادي الذي سخره المحافظون ليفوزوا بالموقف من طرف واحد. بمعنى أنهم كانوا يصدون أي بادرة أو نقاش لمسألة التغريب هذه، حتى من بعض مريديهم الذين وقفوا موقفا إيجابيا من قيادة المرأة للسيارة. وهو ما فسره البعض بأن الموقف ليس موقفا ضد بدعة التغريب، وإنما هو بمثابة كسر إرادات واحتكارات، مع سبق الإصرار، للرأي العام في المملكة، الذي استبشر قبل سنوات بدعوات ومؤسسات الحوار الوطني، على أمل أن تخضع كل المسائل المختلف عليها للحوار، بعد أن طال بها الاستفراد والاستقواء من تيار واحد على حساب باقي التيارات.

الأدهى من ذلك هو ما لاحظته من أن دعوى التغريب التي لحقت هذه المسألة، كما يحدث مع دعاوى متعددة في عالمنا، وقّرت في أذهان غالبية الجماهير فصدقوها ودافعوا عن من يرفع لواءها دفاعا مستميتا بحجة الذب عن حياض الدين، التي يراد بها الشر من الليبراليين والعلمانيين المتربصين. وهذا يعني أن المحافظين الرافضين للمسألة برمتها نجحوا، كما نجحوا من قبل في مسائل كثيرة، في كسب هذه الجماهير تحت وطأة دعوى التغريب، مما سيؤدي في المستقبل إلى صعوبة زحزحة هذه الآراء، ما دامت لحقتها شبهة الإجماع، لصالح حق من حقوق النساء في المملكة وهو قيادة السيارة، مثلهن مثل نساء العالمين: مسلماته وغير مسلماته.

وقبل الموقف الأخير، الذي لا زالت ذيوله وفلوله متداولة في وسائل التواصل الاجتماعي وفي صفحات الرأي السعودية والعربية، كنت قد دخلت في نقاشات مستفيضة حول دعوى التغريب التي ترتبت عليها دعوى أخرى هي دعوى (التنزيه) التي تقع فيها بعض المجتمعات العربية لنسائها دونا عن نساء الآخرين، وكأن هؤلاء النساء خُلقن من نور بينما خلقت الأخريات من طين. وقلت وقتها، ولا أزال أردد ذلك في كثير من محافل الرأي، أنه لم يبق على وجه الأرض امرأة لا تقود سيارتها بنفسها سوى المرأة السعودية، التي تُحرم عيانا بيانا من هذا الحق، مرة من باب منع ذرائع الفسق، ومرة من باب الحفاظ على عرضها وشرفها، ومرات من باب أن المرأة السعودية غير باقي نساء المسلمين.

وهذا في الحقيقة يثير كثيرا من اللغط في الدول الإسلامية التي تعطي المرأة حق قيادة السيارة، إذ أن الأسئلة الكثيرة التي طُرحت في معركة القيادة الأخيرة في السعودية، على المستوى العربي والإسلامي، تصب في خانة التشكيك في تطبيق هذه الدول لصحيح الدين في هذه المسألة، فإذا كانت قيادة المرأة للسيارة حرام فإن كل هذه الدول تقع في الحرام. وإذا كانت المرأة عندما تقود سيارتها ترتكب معصية فإن كل نساء المسلمين خارج السعودية عاصيات أو مذنبات أو، على الأقل، متغربات. وهو ما يتطلب، في نظر من يطرحون مثل هذه الأسئلة، ضرورة حسم المسألة دينيا وإيضاح ما إذا كانت فقط مسألة اجتماعية تخص السعودية وليس لها علاقة بالدين. وإذا تجاوزنا مسألة التشكيك أو الخلاف الإسلامي حول قيادة المرأة للسيارة، فإن الحقيقة من وجهة نظري هي أن مسألة حقوق المرأة في السعودية وفي البلدان العربية قاطبة التي تتهددها دعاوى «اللبرلة» تارة والتغريب تارة أخرى، هي مسألة تخضع لموروث العادات والتقاليد، الذي اكتسب في عملية زمنية متتابعة شيئا من شرعيته وكثيرا من شعبيته. والدليل، عدا حرمان المرأة من قيادة السيارة في السعودية وهو أمر تافه في نظر البعض، ما يحدث، بعيدا عن الدين، من تمييز قانوني ومجتمعي واقتصادي في حق المرأة العربية، مما أحبط المرأة ذاتها في صراعها ضد هذا التمييز وحد من مشاركتها في تنمية مجتمعاتها وأوطانها.

وقد لا يتسع المجال هنا لإيراد النسب والأرقام التي تفضح هذا التمييز في طول الدول العربية وعرضها، بينما يمكن الاطلاع على هذه الحقائق بمجرد البحث البسيط عن التقارير والدراسات التي توضح واقع المرأة العربية. وهذا فضلا، بطبيعة الحال، عن فواجع مدونات الأحوال الشخصية للمرأة العربية التي تتقدم خطوة وتتأخر عشر خطوات في حلولها وإجراءاتها لصالح حقوق المرأة، في مواضيع الولاية والمساواة والطلاق والحضانة وقوانين العنف الأسري، الذي يقع على الزوجة والأطفال، وغيرها من القوانين التي تظل حبرا على ورق، لأنه لم تجتمع لها الإرادة السياسية والاجتماعية التي تنقلها من حالة التشريع إلى حالة التنفيذ والتطبيق.

ولذلك، على المستوى العربي كله وليس في السعودية فقط، إذا لم تجتمع الإرادتان، السياسية والاجتماعية لإعطاء المرأة حقوقها كاملة، فإن مسائلها، الصغيرة والكبيرة، ستبقى معلقة إلى حين في إرادات فئوية لا ترى في إعطاء هذه الحقوق الواضحة للمرأة سوى التغريب وتهديد ثوابت المجتمع. وبدون اللجوء إلى كسر الإرادات، كما حدث مؤخرا، يمكن أن تطرح مسائل هذه الحقوق، بما فيها حق قيادة المرأة السعودية للسيارة، للحوار والنقاش المنطقي، بعيدا عن مشاجب التغريب ومشانق الرأي.


كاتب سعودي

9