إصرار بوتين على المكابرة قد يقود روسيا إلى أحضان أوروبا

الاثنين 2015/01/05

لا يمكن لرصيد بوتين أن يكون بلا حدود أمام الثمن الباهظ الذي تدفعه جميع قطاعات الاقتصاد الروسي، في ظل استحالة تراجع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عن المواجهة، وفي ظل الوزن غير المتكافئ لجانبي المواجهة.

فالاقتصاد الروسي قبل جراحه الأخيرة لا يعادل سوى 5 بالمئة من حجم الاقتصاد الأوروبي والأميركي، بل إنه لا يعادل قشة أمام وزن الاستقرار الاقتصادي والقدرة على التحكم في النظام المالي العالمي من قبل الطرف الآخر.

ويمكن القول إن عدم نفاذ رصيد “القيصر” الروسي فلاديمير بوتين من المكابرة، بعد كل الثمن الباهظ الذي دفعته روسيا منذ بداية العام الماضي، يعد معجزة خارقة.

وقد بدأت بوادر انحسار رصيد بوتين، الأسبوع الماضي، حين خرج 5 آلاف متظاهر في موسكو للاحتجاج على الحكم بالسجن على الكسي نافالني، المعارض الأبرز لبوتين والمطالب برحيله، في ظل حشد صارم من قوى الأمن ودرجات حرارة تقل عن 10 تحت الصفر، إضافة إلى احتجاجات مماثلة في بعض المدن الروسية.

ولنتأمل حجم الزلزال الاقتصادي الذي تضاعفت ارتداداته في الأسابيع الأخيرة بعد التراجع الحاد في أسعار النفط. فالروبل الروسي فقد على مدى عام نحو نصف قيمته مقابل الدولار.

وأنفق البنك المركزي أكثر من 80 مليار دولار في الدفاع عن الروبل دون أن يتمكن من إيقاف سقوطه الحر. كما هرب من البلاد أكثر من 140 مليار دولار من الاستثمارات خلال عام واحد.

وقد اضطر البنك المركزي لرفع أسعار الفائدة من 10.5 بالمئة إلى 17 بالمئة مرة واحدة قبل أسبوعين، لوقف انهيار الروبل، في وقت لا تبتعد فيه أسعار الفائدة كثيرا عن الصفر في جميع الاقتصادات الكبرى في العالم.

ولنتخيل تأثير ذلك على أسعار العقارات ونشاط المصارف وانعاساتها على القروض والالتزامات والودائع وجميع أنواع النشاط الاقتصادي وحجم الخلل الذي يسببه ذلك الزلزال.

إذا جن جنون روسيا وقطعت النفط والغاز عن أوروبا، فإن عشرات المنتجين سيقفزون فرحا لتزويد أوروبا بما تحتاجه

الأخطر هو تأثيرها على الأسعار والقدرة المعيشية لجميع سكان البلاد وحالة الهلع التي أصابتهم وقادتهم إلى التدافع لبيع الروبل ومطاردة العملات الأجنبية خوفا من قيمة مدخراتهم وممتلكاتهم.

فروسيا ليست بلدا صغيرا معزولا من دول العالم الثالث، وهي ترتبط بشبكة واسعة من العلاقات المالية مع الاقتصاد العالمي. وهي من المفترض أن تكون قد خرجت منذ ربع قرن من الحكم الشمولي.

وتكشف الأزمة حجم رصيد السلطة المطلقة التي بناها بوتين على مدى 15 عاما، حتى أصبح يستطيع اليوم أن يقف بوجه مصالح جميع سكان البلاد الذين تطحن سياساته مصالحهم اليومية والاقتصادية المباشرة.

فالتحكم في بلد فقير مغلق أمام الأسواق والاستثمارات العالمية، يختلف عن التحكم في بلد يعادل ربع مساحة بلدان العالم، ويبلغ عدد سكانه نحو 142 مليون نسمة، وتعمل فيه مئات مليارات الدولارات من الاستثمارات الأجنبية.

كما أنه بلد يعتمد اقتصاد السوق المفتوح وشهد نموا اقتصاديا كبيرا خلال السنوات الماضية، وتعمل فيه مئات آلاف الشركات التي ترتبط بعلاقات واسعة مع الاقتصاد العالمي.

وقد بدا بعض الارتباك في خطاب بوتين السنوي قبل أسبوعين، حين عجز عن إعطاء أجوبة على الأسئلة التي تحاصر مستقبل الاقتصاد الروسي، واكتفى بتقديم وعود ضبابية بلا مضمون أو حلول محددة.

المنطق يقول إن رصيد بوتين لا يمكن أن يكون بلا حدود! في ظل التماسك المطلق لموقف الدول الغربية التي جددت على جانبي الأطلسي تشديد العقوبات في الشهر الماضي، بل أعلنت أنها بصدد وضع استراتيجية أوسع لمواجهة روسيا.

ويبدو من المستحيل أن تلجأ موسكو إلى استخدام سلاح النفط والغاز وهي في هذا الوضع الاقتصادي المزري، لأنه لن يكون له تأثير يذكر على الدول الأوروبية، ونحن نعبر منتصف الشتاء، حيث ينحسر استهلاك الوقود مع حلول الربيع.

كما أن تأثير ذلك سيكون محدودا بسبب الوفرة الكبيرة في المعروض والاحتياطات الهائلة التي تملكها أوروبا من النفط والغاز، والتي تكفيها لأكثر من 6 أشهر.

العناد مرادف شائع للدب الروسي، لكنه لن يكفي في مواجهة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في الحلبة المالية

إذا جن جنون روسيا وقطعت النفط والغاز عن أوروبا، وهو سلاحها الوحيد، فإن عشرات المنتجين سيقفزون فرحا ويتنافسون لتزويد أوروبا بما تحتاجه وسيخرج ذلك أسعار النفط العالمية من حفرتها العميقة.

وستكون النتيجة الحتمية لذلك الجنون هي انهيار الاقتصاد الروسي لا محالة، قبل أن تشعر دول أوروبا بأي تأثير يذكر لتلك الخطوة المجنونة.

العناد مرادف شائع للدب الروسي، فما بالك إذا كان في زعامتها قيصر مثل بوتين، لكن ذلك لن يكفي لمواجهة الدول الغربية في الحلبة المالية. وكلما طالت المواجهة على حافة الهاوية كان الثمن أكبر.

مهما كانت سلطة بوتين فإنه لن يستطيع إخراس صوت المصالح الاقتصادية لأكثر من 142 مليون شخص بدأت الأزمة بتحطيم مصالحهم ومدخراتهم وجميع تفاصيل حياتهم.

وقد بدأ الغضب يظهر على الروس وهم يتدافعون لسحب مدخراتهم من المصارف وإبدال الروبل بأي عملة أخرى. بل إن أصوات المعارضة بدأت تطالب برحيل بوتين.

أولى ملامح بحث بوتين عن طريق للخلاص بدأت في محاولته إيجاد حل للحرب في سوريا وهي الورقة الأولى التي يمكن أن يتخلى عنها إذا ضاق عليه الخناق، لكن ما قدمه حتى الآن لا يبدو كافيا.

بل إن بوتين ذهب أبعد من ذلك قبل أسبوعين بالتأكيد على ضرورة وحدة الأراضي الأوكرانية.

لكن واشنطن وبروكسل لا يبدو أنهما سترضيان بأقل من التراجع التام عن كل الخطوات التي اتخذتها روسيا تجاه أوكرانيا وبضمنها إعادة شبه جزيرة القرم.

أما إذا أصر بوتين على المواجهة، فقد لا تنتهي الأزمة إلا برحيل بوتين عن السلطة، حينها قد نجد روسيا تسير على خطى أوكرانيا في التقارب مع أوروبا، ليبدأ العالم مرحلة جديدة لم يسبق أن عاشها من قبل.

11