إصرار تركي على تحدي قواعد أزمات الأسواق الناشئة

تجاهل أردوغان للقوانين الاقتصادية ينذر بكارثة كبيرة، ووعود باستثمار 98 مليون دولار لتوفير 30 مليار دولار!.
السبت 2018/08/18
سياسات تركيا رهينة لأهواء وانفعالات أردوغان

لندن – تصاعدت مخاوف الأسواق والخبراء الاقتصاديين من إصرار تركيا على إعادة كتابة قواعد إدارة الأزمات في الأسواق الناشئة، من خلال رفض جميع القوانين الاقتصادية الراسخة.

فبدل أن تلجأ كما هو متوقع إلى رفع أسعار الفائدة لوقف انهيار الليرة ومواجهة غليان التضخم، ذهبت حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان إلى حلول جزئية وترقيعية وهي ذروة حرب تجارية قاسية مع الولايات المتحدة.

وتقول صحيفة الغارديان البريطانية إن نتائج هذه المغامرة، لن تؤثر فقط على الاقتصاد التركي، بل تمتد إلى جميع الأسواق الناشئة التي بدأت تعاني من تداعيات تشديد السياسات المالية العالمية وموجة نزوح الأموال عنها.

وكانت الأزمة التركية في البداية تكرارا لأزمات سابقة في الأسواق الناشئة وهي ناتجة عن أسباب داخلية أبرزها السياسات المالية المرتبكة وعدم احترام استقلالية البنك المركزي، إضافة إلى العوامل الخارجية التي قلصت وفرة تدفقات الأموال.

لكن المواجهة مع واشنطن قوضت الثقة بالاقتصاد التركي وفاقمت الاختلالات الكبيرة خاصة في ظل تزايد عوامل ضعف الاقتصاد العالمي.

نيلس براتلي: تركيا تشتري الوقت قبل اضطرارها لطلب برنامج إنقاذ من صندوق النقد
نيلس براتلي: تركيا تشتري الوقت قبل اضطرارها لطلب برنامج إنقاذ من صندوق النقد

وصدم أردوغان الأسواق بعلاجات غريبة، بدل أن يلجأ إلى العلاج التقليدي الذي تجرعته الكثير من البلدان، كما فعلت الأرجنتين مؤخرا، برفع أسعار الفائدة بنسبة كبيرة واللجوء إلى برنامج إنقاذ من صندوق النقد الدولي.

وشددت أنقرة القيود المالية والمعروض من الليرة وخففت القيود على المصارف بدرجة خطيرة وقلصت إمكانية وصول الأجانب إلى السيولة بالعملة المحلية، في محاولة لإخراج المضاربين على استمرار تراجع الليرة.

وفي الوقت نفسه اندفعت في تصعيد المواجهة مع واشنطن بفرض رسوم مضادة على الواردات من الولايات المتحدة والتلويح بحظر استيراد الأجهزة الإلكترونية منها.

ويرى المحلل الاقتصادي في صحيفة الغارديان نيلس براتلي أن تركيا تحاول شراء الوقت قبل أن تضطر مجبرة على طلب برنامج إنقاذ من صندوق النقد الدولي.

ويقول مراقبون إن تلك العلاجات تبدو ارتجالية ولا تنطوي على رؤية متماسكة وواضحة. وهم يستبعدون إمكانية أن تؤدي إلى تخفيف الأزمة ويمكن أن تأخذ الاقتصاد التركي إلى حافة الهاوية.

ويكمن جوهر الأزمة التركية والشرارة التي أطلقتها في إصرار أردوغان على تحدي القواعد الاقتصادية الراسخة واعتماد سياسات شعبوية تخيف المستثمرين مثل رفضه العقائدي لرفع أسعار الفائدة، التي يصفها بأنها أم كل الشرور.

ويرى محللون أن المشكلة تكمن في أن أنقرة ترفض تناول العلاجات الضرورية، مثل الحاجة الملحة لرفع أسعار الفائدة بما يصل إلى 10 بالمئة فوق مستوياتها المرتفعة حاليا والبالغة 17.75 بالمئة لمواجهة انفجار التضخم وكبح انهيار الليرة.

لكن أردوغان يواصل رفض ذلك وقد جدد تمسكه بموقفه المعارض لرفع أسعار الفائدة ليضرب عرض الحائط جميع القواعد الاقتصادية الراسخة. وأكد مجددا أن “ضعف الليرة لا يعكس الحقائق الاقتصادية للبلاد” في معارضة تامة لإجماع الخبراء.

وبدأت تداعيات الأزمة التركية تتسع إلى دول أخرى وخاصة أوروبا بسبب انكشاف مصارفها الكبير على قروض الشركات التركية.

ويرجح محللون أن تتعمق الأزمة التركية إذا استمر التصعيد المتبادل بين واشنطن وأنقرة، ولم تقدم السلطات المالية التركية على اتخاذ خطوات قاسية لمواجهة الاختلالات المالية العميقة.

وعادت الليرة التركية أمس إلى الهبوط بأكثر من 8 بالمئة بعد أن استعادت بعض خسائرها الخميس، لتصل في نهاية تعاملات الأسبوع إلى نحو 6.2 ليرة للدولار.

مصطفى ورانك: سنستغني عن واردات بقيمة 30 مليار دولار باستثمار 98 مليون دولار
مصطفى ورانك: سنستغني عن واردات بقيمة 30 مليار دولار باستثمار 98 مليون دولار

وجاء ذلك بعد أن ارتفعت لهجة التصعيد مع واشنطن، حين قالت وزيرة التجارة التركية روهصار بكجان أمس إن بلادها ردت بالمثل على العقوبات الأميركية طبقا لقواعد منظمة التجارة العالمية، وستواصل الرد بالمثل حال تكرارها.

ويعتقد معظم المراقبين أن سياسات أنقرة لا تستند إلى برنامج اقتصادي وأنها رهينة أهواء وانفعالات أردوغان، خاصة بعد أن أصبح الحاكم الأوحد الذي تجتمع في قبضته جميع السلطات في النظام الرئاسي الجديد.

وتتضح أوهام الحكومة التركية في إعلان وزير الصناعة والتكنولوجيا مصطفى ورانك، عن برنامج للاستغناء عن واردات “بقيمة 30 مليار دولار على الأقل” من خلال خطة لإنتاجها محليا باستثمار 98 مليون دولار فقط.

جاء ذلك خلال إعلان الوزير أمس عن حزمة دعم جديدة موجهة للصناعيين والشركات الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال قبيل عيد الأضحى.

وتتضمن الخطة المكونة من 16 بندا توفير دعم بقيمة 98 مليون دولار فقط لمناطق تطوير التكنولوجيا ودعم 1500 مشروع عبر وكالات التنمية.

وكشف الوزير أن الشركات الصغيرة والمتوسطة التي ستنفتح على الأسواق الخارجية ستحصل على دعم تعادل قيمته 50 ألف دولار. كما تنص الحزمة على توسيع نطاق التخصيص المجاني للأراضي في المناطق الصناعية وإلغاء رسوم التقدم للحصول على وثيقة التشجيع الاستثماري.

وأوضح الوزير أنه سيتم تعديل المبالغ المخصصة لدعم أنشطة البحث والتطوير، لتغطية الفارق الناجم عن المستجدات بأسعار الصرف، في إشارة إلى عدم استبعاد أنقرة لانحدار الليرة مجددا.

10