إصرار حماس على الكسب السياسي الضيق أفقدها شعبيتها في غزة

السبت 2014/07/26
صبي فلسطيني يمشي على الحطام وهو يتفقد الأضرار الناجمة عن غارة جوية إسرائيلية في غزة

غزّة - دماء الضحايا والأطفال التي تراق دون انقطاع في قطاع غزّة على أيدي جنود الاحتلال الإسرائيلي، بسبب العدوان الغاشم الأخير، دين في رقبة من تسبب في إراقتها مهما كانت صفته أو الغاية أو المكسب السياسي الذي يدفعه للاستهانة بأرواح المدنيين العزّل. وأهل غزّة، من حسن الحظ، يعرفون عدوّهم من صديقهم ويميزون جيّدا بين المقاومة والمتاجرة بالدماء.

تمحورت عناوين الأحداث الرئيسية في الشرق الأوسط، بداية الأسبوع، حول رفض حركة حماس للعرض المصري بعقد اتفاقٍ لوقف إطلاق النار مع إسرائيل، وبدلا من ذلك واصلت إطلاق الصواريخ بشكل عشوائي على البلدات والمدن الإسرائيلية.

ولكن ثمة واقع بارز ليس معروفا، لكنّه يتميّز بالقدر نفسه من الأهمية؛ وهو أنّ أهالي غزة يعارضون بحزم هذه السياسات التي تنتهجها حماس. وفي الواقع، هم يعارضون بأغلبية كبيرة جدا حكمها.

وقد تم استخلاص هذه النتائج، التي كشف عنها ديفيد بولوك في دراسة صادرة عن معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، من خلال استطلاع للرأي أجرته شركة استطلاعات فلسطينية بارزة بين 15 و17 يونيو الماضي، قابلت فيه الشركة، وجها لوجه، عينة جغرافية ذات احتمالية عشوائية من سكان القطاع، من جميع أنحاء غزة. وتضمن الاستطلاع 450 شخصا من السكان، وأسفر عن هامش خطأ يقارب 4 في المئة.

وهذا هو الاستطلاع الفلسطيني الموثوق الوحيد منذ حادث اختطاف المستوطنين الثلاثة في الضفة الغربية في منتصف يونيو الماضي، وعمليات التفتيش الإسرائيلية اللاحقة وحملات الاعتقالات، وبداية الأزمة الحالية.


وقف إطلاق النار خيار سكان غزة


في الوقت الذي اشتدت فيه حدة التوتر وشرعت حماس وفصائل أخرى، في غزة، في تصعيد هجماتها الصاروخية خلال الشهر الماضي، دعم سكان القطاع وقف إطلاق النار بشكل كبير؛ حيث أعرب 70 في المئة من المشاركين في الاستطلاع عن موافقتهم أو موافقتهم الشديدة على العبارة القائلة “يجب على حماس أن تحافظ على وقف إطلاق النار مع إسرائيل في كل من غزة والضفة الغربية”. وقد تم تأييد هذا الموقف من قبل 73 في المئة من سكان غزة الذين قالوا “على الفلسطينيين أن يتبنّوا اقتراحات المقاومة الشعبية (غير العنيفة) ضد الاحتلال”. وهو الأمر كذلك، حين سئل المشاركون عما إذا كان يجدر بحماس قبول موقف رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس القاضي بأن تتخلى حكومة الوحدة الجديدة عن العنف ضد إسرائيل، حيث ردّت أغلبية واضحة (57 في المئة) بالإيجاب.

من هنا تبيّن الإجابات عن الأسئلة الثلاثة كلها أنّ معظم سكان غزة يرفضون التصعيد العسكري. وقد تكون المواقف قد تغيّرت منذ إجراء الاستطلاع بسبب غضب الأهالي من الضربات الجوية الإسرائيلية، إلا أن الأدلة المتناقلة والملحوظة تشير إلى أن أهالي غزة ما زالوا يدعمون خيار وقف إطلاق النار.

70 % نسبة السكان الذين يريدون وقف إطلاق النار في غزة


استياء من إدارة حماس للقطاع


من جهة أخرى، يشير استطلاع الرأي إلى أن سكان غزة مستاؤون من طريقة حكم حماس على مختلف الأصعدة. إذ اعتبرت الغالبية العظمى (71 في المئة) أنّ”الجرائم تمثل مشكلة كبيرة”، فيما قال ثلثان إن المشكلة الكبيرة الثانية هي الفساد الرسمي. وعلاوة على ذلك، رأت أغلبية كبيرة (78 في المئة) أن “وجود ميليشيات فلسطينية غير منتظمة ضمن البنية الأمنية الرسمية” يمثل مشكلة “متوسطة” على أقل تقدير.

في ضوء هذا الاستياء من قوى حماس الأمنية ومن إدارتها، فضّل معظم المشاركين في الاستطلاع الاحتمال القائل بأن تخضع غزة لحكم السلطة الفلسطينية.

فقد أيّدت نسبةٌ كبيرة بلغت الـ 88 في المئة العبارة القائلة: “يجب على السلطة الفلسطينية إرسال مسؤولين وضباط أمن إلى غزة لتولي الإدارة هناك”. مع العلم بأنّ نسبة الثّلثين أعربت عن موافقتها “الشديدة” على هذا المقترح.

الأمر الملفت أيضا والمخالف للفكرة الشائعة الخاطئة هو أنّ حماس لم تحقق أيّة مكاسب سياسية من عملية اختطاف المراهقين الإسرائيليين الثلاثة التي أشعلت الأزمة الحالية في الشهر الماضي. فحين تمّ طَرح سؤال حول من يجب أن يكون الرئيس الفلسطيني في العامين المقبلين، اختارت الغالبية الكبرى في غزة الرئيس محمود عباس أو غيره من القادة المنتسبين إلى حركة فتح. وفي نقيض حاد لذلك لم يحصد زعيما حماس إسماعيل هنية وخالد مشعل، سوى القليل من الدعم الذي قدّرت نسبته بـ 15 في المئة.

هذه العدائية تجاه مصر دفعت بحماس إلى رفض مبادرة وقف إطلاق النار التي تقدم بها الجانب المصري


مصلحة الإخوان العليا


الثابت أنّ حركة حماس، أو كما يدعوها البعض “الجناح المسلح لتنظيم الإخوان المسلمين”، تأثّرت بما حصل في مصر بعد ثورة 30 يونيو التي أسقطت محمد مرسي، واعتبرت نفسها معنية بالشأن الداخلي المصري حدّ تعمّد جماعات إرهابية محسوبة عليها تنفيذ عمليات على التراب المصري تستهدف أمن واستقرار البلاد وتمسّ من سيادتها، مما دفع بالمصريين إلى إغلاق معبر رفح وتخريب الأنفاق التي كانت تستعملها حماس لتهريب السلع والمواد الغذائية.

هذه العدائية تجاه مصر دفعت بحماس إلى رفض مبادرة وقف إطلاق النار التي تقدم بها الجانب المصري مؤخرا بعد مفاوضات مع الجانب الإسرائيلي.

تعنّتٌ يبدو في ظاهره تشبّثا بالمقاومة وإعلاء لراية النصر على العدو الصهيوني قصد دحره. لكن الواقع يقول عكس ذلك تماما، فحفظ دماء الضحايا الأبرياء والمدنيين العزّل هو آخر اهتمامات حماس على ما يبدو، فموقفها هذا نابع على الأرجح نابعا من ولائها التام لجماعة الإخوان، بقصد التشفي من الدولة والشعب اللّذان عزلا مرسي عن حكم. فمصلحة الإخوان العليا لدى حماس وإحراج مصر وتحقيق مكسب سياسي ضيق في ظلّ هذا القتل اليومي المسترسل، تبدو أهمّ لدى حماس من حفظ دماء مواطنيها الذين يدفعون فاتورة سياساتها المُغامرة بدمائهم وفلذات أكبادهم.


وطأة الظرف الاقتصادي


في سياق آخر، شهد اقتصاد غزة تراجعا خلال العام الماضي مع ارتفاع لنسبة البطالة قُدّرت بنحو 40 في المئة، وجاء إغلاق مصر لأنفاق التهريب المتعددة، وكذلك الخلاف بينفتح وحماس حول رواتب الموظفين ما بعد المصالحة، ليفاقم هذه الحالة الاقتصادية المتردّية.

حفظ دماء الضحايا الأبرياء والمدنيين العزّل هو آخر اهتمامات حماس

وفي هذا السياق، تخطّت نتائج استطلاع يونيو حدود هذه المؤشرات، لتُبيّن أنّ سكان غزّة مستعدُّون للجوء إلى البحث عن شغل داخل الأراضي المحتلة تحصيلا للُقمة العيش. فقد أعلن عدد مهم من المشاركين (82 في المئة) أنّهم “يودّون أن تسمح إسرائيل للمزيد من الفلسطينيين بالعمل داخل الأراضي المحتلّة”. إلاّ أنّ الأمر المؤثر أكثر من ذلك هو أنّ أغلبية قدرها (56 في المئة) أبدت “استعدادا شخصيا للعمل في الأراضي المحتلّة إذا توفرت لها وظيفة لائقة براتب عال”.

وبالتالي فإنّ الظرف الاقتصادي القاهر الذي يرزح تحت وطأته السواد الأعظم من سكّان غزّة جرّاء الحصار المضروب على القطاع أصبح غير محتمل.

في المجمل، يوضّح استطلاع يونيو، الذي استشهد ديفيد بولوك (زميل كوفمان في معهد واشنطن ومدير منتدى فكرة) بأرقامه ونسبه في ورقته هذه، التناقض الحاد بين ما يريده معظم سكان غزة وما تواصل حكومة حماس فعله وتحصيله من مكاسب سياسية.

فقد كانت شعبية الحركة في أدنى مستوياتها عندما بدأت الأزمة الحالية، وما من دليل على معاودة ارتفاعها. كما أن نتائج الاستطلاع تظهر أنّ أهالي تلك المنطقة المتأزمة يريدون وقف إطلاق النار وحتى إيجاد فرص اقتصادية داخل الأراضي المحتلة من قبل إسرائيل، وأنهم بأكثريتهم يعارضون سياسات حماس وقياداتها على حدٍّ سواء.

لذلك لا بد لهذه الوقائع الجوهرية أن تسهم في توجيه الحكومة الأميركية وحلفائها الإقليميين في إطار سعيهم، ليس فقط إلى وقف إطلاق النار، ولكن أيضا إلى توجيهات اقتصادية وسياسية طويلة الأجل حول مصير غزّة.

7