إصرار سعودي على إعادة رسم خارطة صناعة النفط العالمية

قال محللون إن السعودية لن تخفض إنتاجها النفطي خلال وقت قريب، وأنها لن تسمح لمنتجي النفط مرتفع التكلفة بمنافستها في أسواقها، في وقت أكدت فيه الرياض أنها قادرة على تحمل الأسعار المنخفضة لفترة طويلة.
الخميس 2016/01/28
الأرقام لا تبرر مواصلة الإنتاج

لندن - تزايدت المؤشرات على أن السعودية، أكبر مصدر للنفط في العالم، تخلت عن دورها في تحقيق التوازن في سوق النفط العالمية، وباتت تجد نفسها وسط معركة صعبة للحفاظ على حصتها في قطاع شديد التذبذب.

ويرى محللون أن القرار كان يهدف إلى الضغط على منتجي النفط عالي التكلفة، لا سيما النفط الصخري الأميركي، وإخراجهم من المنافسة في السوق العالمية، والضغط أيضا على دول أخرى منتجة للنفط، أبرزها إيران الخصم الإقليمي للسعودية وروسيا، أكبر منتج للنفط في العالم.

ويقول الخبير النفطي الكويتي كامل الحرمي، إن “الهدف الرئيسي للسعودية هو حماية حصتها من السوق.. لا يمكن أن تسمح لمنتجي النفط عالي التكلفة بالمنافسة في أسواقها”.

وأفقد تراجع الأسعار الرياض ما يوازي 250 مليار دولار من الايرادات المالية خلال أقل من عامين، لتسجل عجزا قياسيا في ميزانية 2015 بلغ 98 مليار دولار. وتوقعت تسجيل عجز بقيمة 87 مليارا في العام الحالي.

وبعد 14 شهرا على قرار أوبك رفض خفض الإنتاج، تغرق السوق بفائض من العرض الذي يبقي الأسعار متدنية، والتي وصفها رئيس مجلس إدارة أرامكو السعودية خالد الفالح بأنها “غير منطقية”. ورغم ذلك، يرى محللون أن السعودية لن تخفض الإنتاج دون اتفاق شامل.

كامل الحرمي: السعودية لا يمكن أن تسمح لمنتجي النفط عالي التكلفة بالمنافسة في أسواقها

ويقول خبير النفط في جامعة جورجتاون الأميركية جان فرنسوا سيزنك، إن “السعوديين يدركون جيدا أن خفضهم للإنتاج لن يؤثر كثيرا على الأسعار، لأن الكمية المخفضة ستعوضها دول أخرى مثل إيران والعراق وروسيا”.

ويضيف أن “السعوديين يريدون للمنتجين أن يعانوا بما يكفي للاتفاق على خفض شامل”، بمعنى التوصل إلى اتفاق بين دول أوبك والدول من خارجها على خفض متواز للإنتاج، بما يضمن احتفاظ كل طرف بحصته.

وأنفقت السعودية عشرات المليارات من الدولارات في العقدين الماضيين لزيادة قدرتها على إنتاج النفط إلى 12.5 ملايين برميل يوميا، لتصبح المنتج الوحيد الذي يملك هامش إنتاج إضافيا، ما يعني قدرتها على تعديل إنتاجها للتأثير على توازن السوق.

كما أنها تملك ثاني أكبر احتياط نفطي يقدر بنحو 268 مليار برميل، وخامس احتياط من الغاز الطبيعي يقدر بنحو 8.5 تريليون متر مكعب. وبحسب شركة ريستاد الاستشارية، فإن تكلفة إنتاج لبرميل النفط في السعودية لا تتجاوز 10 دولارات فقط، وهي ثاني أدنى كلفة عالميا.

وتتمتع السعودية ودول خليجية أخرى باحتياط نقدي ضخم يتيح التأقلم مع أسعار متدنية للنفط لفترات أطول قياسا مع دول أخرى.

ويرى باتريك بويان، الرئيس التنفيذي لشركة توتال الفرنسية، أن السعوديين لن يخفضوا إنتاجهم قريبا. وقال لوكالة الصحافة الفرنسية في منتدى دافوس مؤخرا “علينا أن نرى الأمور من وجهة نظر السعودية. لن ترغب بخفض الإنتاج في وقت لديك كلفة إنتاج أقل من الآخرين، وقدرة على المقاومة لوقت أطول من الآخرين”.

باتريك بويان: السعودية لن تخفض إنتاجها قريبا وعلينا رؤية الأمور من وجهة نظرها

وخلال منتدى اقتصادي في الرياض هذا الأسبوع، أكد الفالح امتلاك السعودية لوسائل عدة تتيح لها تحمل أسعار النفط المنخفضة لسنوات مقبلة.

وأضاف “لدينا تكنولوجيا أتاحت لنا الحفاظ على كلفتنا الإنتاجية المنخفضة. وأكد أن أرامكو لم تخفض استثماراتها في مجال الإنتاج، بل قلصت نفقاتها في مجالات أخرى”.

لكن قرار الإبقاء على مستويات الإنتاج المرتفعة واجه انتقادات كثيرة. ويقول الحرمي إن “النفط الصخري أثبت أنه أكثر ليونة مما كان متوقعا”، وأن الأسعار المنخفضة لم تتمكن من إخراجه كليا من المنافسة.

ويرى دبلوماسي غربي في الرياض أن السياسة النفطية السعودية الراهنة هي إحدى أدوات مقاربة أكثر جسارة في ملفات عدة منذ تولي الملك سلمان بن عبدالعزيز الحكم مطلع العام الماضي، وخاصة في نزاعات الشرق الأوسط.

ويتوقع محللون أن تؤتي هذه السياسة النفطية ثمارها في وقت قريب.

ويقول سيزنك “أعتقد في وقت قريب أنه سيكون ثمة اتفاق مع الدول المنتجة من خارج أوبك، والتي لا يمكنها أن تستمر في النزيف إلى ما لا نهاية”.

ونتيجة لذلك، يتوقع أن ترتفع الأسعار إلى حدود 50 دولارا للبرميل. لكنه قال إن السعودية ستعمل على عدم ارتفاع الأسعار بشكل كبير، لتفادي عودة قوية لمنتجي النفط الصخري.

ويرجح تيم غينيس رئيس مجلس إدارة شركة غينيس، أن تعاود السعودية ودول خليجية لعب دور التوازن في سوق النفطية العالمية في يونيو أو ديسمبر.

وتشير البيانات إلى أن إنتاج شركات النفط الصخري يمكن أن يتراجع بكميات تفوق التوقعات في الأشهر المقبلة، بسبب قرب انتهاء مراكز التحوط التي لديها، ولأن تكاليف إنتاجها تفوق مستويات الأسعار الحالية.

وأشار وزير النفط العراقي عادل عبدالمهدي، هذا الأسبوع، إلى أن 5 دول أعضاء في منظمة أوبك تزيد تكاليف إنتاجها على 30 دولارا للبرميل، أي أن إنتاجها لم يعد مجديا.

11