إصرار معتصمي "ساحة الحبوبي" على حراكهم يضع حكومة الكاظمي أمام تحد إضافي

مخاوف من احتمال تطور التوترات بين المحتجين والتيار الصدري إلى مواجهات مفتوحة في بلد يشيع فيه انتشار السلاح واستخدامه من دون ضوابط.
الاثنين 2020/11/30
الطريق إلى حكم العراق بدماء المحتجين

بغداد - يصرّ محتجو ساحة الحبوبي على مواصلة اعتصامهم متحدين صولات أتباع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، الأمر الذي يضع رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي أمام تحد إضافي.

وتخشى حكومة الكاظمي من احتمال تطور التوترات بين المحتجين والتيار الصدري إلى مواجهات مفتوحة في بلد يشيع فيه انتشار السلاح واستخدامه من دون ضوابط.

ويمكن لمثل هذه المواجهات أن تدفع القوات الأمنية إلى التدخل، وهو ما يفتح الباب واسعا أمام تحول المشهد إلى حرب أهلية داخل المكون الشيعي.

ووقعت صدامات الجمعة بين أنصار حركة الاحتجاج الشبابية المناهضة للحكومة التي بدأت في أكتوبر 2019 وأنصار الصدر الذي دعا مؤيديه إلى النزول إلى الشارع في استعراض للقوة السياسية مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في يونيو المقبل.

واستمرت الاشتباكات طوال الليل، حيث أفاد مسعفون بمقتل ستة أشخاص حتى صباح السبت، خمسة منهم جراء جروح بطلقات نارية، وما لا يقل عن 60 جريحا.

وتشير أصابع الاتهام، وفق تقارير، إلى مسؤولية مسلحين تابعين للتيار الصدري عن إطلاق نار وقنابل حارقة على المحتجين وإحراق عدد من خيامهم، وسقوط القتلى والمصابين.

وجاءت الاشتباكات بين أنصار التيار الصدري والمحتجين على خلفية منع الأخيرين العشرات من مسلحي التيار من الدخول إلى الساحة بالناصرية، مركز محافظة ذي قار جنوب العاصمة بغداد.

وتزامن الاعتداء الجديد على المتظاهرين في الناصرية، العاصمة المحلية لمحافظة ذي قار، مع الاستعدادات لإحياء الذكرى الأولى لمجزرة الناصرية التي نفذت في 28 نوفمبر العام 2019، وأدت إلى مقتل وجرح العشرات من المتظاهرين إبان حكومة عادل عبدالمهدي. وكان المتظاهرون يحشدون للمطالبة بالكشف عن قتلة المتظاهرين وإلزام حكومة الكاظمي الإيفاء بوعود تقديمهم للقضاء.

وكالعادة، لم يكن أمام الحكومة العراقية غير اتخاذ نفس الإجراءات الروتينية في التعامل مع المشاكل والجرائم. وأمر الكاظمي بتشكيل لجنة تحقيقية بالأحداث الأخيرة في الناصرية، وإعلان حظر تجول في المدينة، وإقالة قائد الشرطة اللواء حازم الحازم، إلا أن الاحتجاجات لم تتراجع، وعادت من جديد صباح السبت من دون وجود للتيار الصدري، وكثافة في التواجد الأمني لقوات الجيش والشرطة.

وتشير وسائل إعلام محلية إلى أن بغداد أرسلت تعزيزات من الشرطة إلى الناصرية. وأصدرت بعثة الأمم المتحدة في العراق وسفارات أجنبية، بينها الأميركية، بيانات طالبت الحكومة بحماية المحتجين ومحاسبة المسؤولين عن سقوط القتلى.

واستجابة لدعوات أطلقها مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري، احتشد عشرات الآلاف من المتظاهرين الجمعة في "ساحة التحرير" ببغداد وفي محافظات أخرى جنوبي العراق، لإظهار جماهيرية التيار، تمهيدا لانتخابات برلمانية مبكرة متوقعة في 6 يونيو القادم.

الساحة للمعتصمين
الساحة للمعتصمين

وشملت تظاهرات أنصار التيار الصدري بغداد ومعظم المدن الكبرى في محافظات وسط وجنوبي البلاد، باستثناء محافظتي كربلاء والنجف (جنوب).

ويرى مراقبون أن دعوة الصدر إلى تظاهرات الجمعة تمثل بداية مبكرة لحملته الانتخابية للفوز برئاسة الحكومة المقبلة.

وأيد التيار الصدري ورئيسه الاحتجاجات الشعبية فور انطلاقها مطلع أكتوبر 2019، لكنه عاد عن موقفه بعد خلافات حادة في ساحة التحرير ببغداد، على خلفية محاولات التيار تصدر مشهد الاحتجاجات والتحدث باسمها.

وهو ما يرفضه المحتجون الذين يرون التيار الصدري جزءا فاعلا وأساسيا في العملية السياسية وله ممثلون في مجلس النواب ووزراء في حكومة عبدالمهدي التي كانوا آنذاك يطالبون بإسقاطها، وهو ما حدث بالفعل.

ولا تعول القوى الفاعلة في ساحات الاحتجاج على مواقف رئيس التيار الصدري المؤيدة للحراك الجماهيري.

وأخذت مجموعات "القبعات الزرقاء"، التابعة للتيار الصدري، مساحة مهمة من الحراك الجماهيري في ساحة التحرير وبؤر الاحتجاجات الأخرى في البصرة وذي قار وغيرهما.

ويتهم ناشطون هذه المجموعات بمطاردة المحتجين المناهضين للتيار الصدري وطعنهم بسكاكين وأسلحة أخرى، لقمع الاحتجاجات والسيطرة على ساحات التظاهر في بغداد والمحافظات الأخرى.

وتشير بيانات وتصريحات للتيار الصدري وكبار قيادييه في كتلة "سائرون" إلى عزم التيار المشاركة المكثفة في الانتخابات القادمة للفوز بأغلبية مجلس النواب، من أجل رئاسة وتشكيل الحكومة المقبلة لأربع سنوات قادمة.

وتتمتع كتلة "سائرون"، التي يقودها الصدر، بنفوذ واضح داخل مجلس النواب، وهي كتلة سياسية تتبنى خطابا وطنيا يدعو إلى إخراج القوات الأجنبية من العراق بالطرق الدبلوماسية.

وتناقلت وسائل إعلام محلية تهديدا "مبطنا" أطلقه الصدر بعد يوم من أحداث "ساحة الحبوبي"، نصح فيه المعتصمين بالعودة إلى منازلهم.

ويرى متابعون أن الصدر يعتزم استباق أي تحركات لتيارات أو كتل سياسية للتهيئة للانتخابات المبكرة، والاستحواذ على الحراك الجماهيري المستمر.

ولا يستبعد مراقبون أن يتحول العراق إلى ساحة لتصفية حسابات إيرانية مع الولايات المتحدة بعد اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده في العاصمة طهران الجمعة، وتهديدات قادة الجيش والحرس الثوري والمرشد الأعلى الإيراني بالانتقام من المسؤولين عن اغتياله.

وتتحدث إيران عن مؤشرات تدل على وقوف إسرائيل وراء اغتيال فخري زاده، واستهداف منشأة نطنز النووية الإيرانية، قبل أسابيع.

ويسود اعتقاد بأن التيار الصدري "المسيّس"، الممثل بكتلة "سائرون" برئاسة الصدر، خسر الكثير من جماهيريته بعد حوادث قمع متتالية للمحتجين، وأحدثها ما جرى في ساحة الحبوبي بالناصرية. وهو وضع يدفع إلى الاعتقاد بأن حظوظه في قيادة المرحلة القادمة بعد الانتخابات المبكرة، تراجعت إلى مستويات متدنية.