إصلاحات الأمير محمد بن سلمان اختبار للعلاقة بين الدولة ورجال الدين

تدور عجلة التغيير في المملكة العربية السعودية بخطى سريعة تكشف عن رغبة السعوديين وتعطّشهم لتدارك ما فاتهم من تطور في العالم واستعادة صورة قديمة لا تعرفها الأجيال الشابة عن المملكة التي كانت فيها قاعات للسينما والفنون والترفيه. ووجدت الأصوات الباحثة عن هذا التغيير في رؤية الأمير محمد بن سلمان دافعا قويّا لتعلو أكثر وتتحدى رجال الدين المتمسكين بصورة المملكة المفرطة في المحافظة.
الجمعة 2017/05/12
السعودية تتغير

جدة (السعودية) – عندما قال الداعية عبدالعزيز الطريفي لمتابعيه الذين يبلغ عددهم حوالي المليون على تويتر هذا الشهر إن الآلات الموسيقية حرام ساهم ذلك في انتشار وسم “الشعب يرفض معاهد الموسيقى”.

وأوضحت هذه العبارة المستمدة من شعارات انتفاضات الربيع العربي بجلاء مدى العداء للإصلاحات التي استحدثت بينما وقع إحياء حفلات موسيقية وعروض كوميدية ورياضة الكيك بوكسينغ.

غير أن الكاتبة السعودية نورة شنار قالت “لا تتحدثوا باسم الشعب بل تحدثوا باسم هؤلاء الذين لا يحبون الحياة ويحرمون من الموسيقى ما لم يحرّمها الله”.

توتر مع رجال الدين

يشير هذا السجال إلى مدى الضغوط على نفوذ رجال الدين المحافظين في الحكومة، في الوقت الذي يعمل فيه الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد صاحب العقلية الإصلاحية، على تنويع موارد الاقتصاد بدلا من الاعتماد على النفط وإتاحة حريات جديدة للسعوديين الذين اعتادوا على أصولية دينية يفرضها رجال الدين.

وتهدف العروض والأحداث الترفيهية إلى توفير المزيد من فرص العمل وسمح بها الأمير محمد، الذي يشغل منصب وزير الدفاع أيضا، كسبيل للإنعاش الاقتصادي إضافة إلى الترفيه عن المواطنين السعوديين الذين يعتمدون منذ العشرات من السنين على الدولة في توفير سبل الرعاية الاجتماعية.

أبرز تغيير اجتماعي يحسب للأمير محمد كان تجريد هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من سلطة القبض على الناس

كما أن التغييرات تهدف إلى الاستحواذ على ما يصل إلى ربع المبلغ الذي ينفقه السعوديون في الخارج حين يسافرون لمشاهدة عروض وأماكن للترفيه في دبي أو غيرها، وهو مبلغ يقدر بعشرين مليار دولار.

لكن يبدو من المرجح أن يكون الثمن بالنسبة إلى الحكومة، ولطبقة رجال الأعمال القوية التي تؤيد التحديث ومنح دور أكبر للمرأة، توترات مع رجال الدين.

ويشتبه رجال الدين في أن المبادرات الجريئة التي طرحها الأمير في مجالات الترفيه والسياحة تمهد لإصلاحات كاسحة في التعليم الذي يعد حصنا للتيار المحافظ. ويعتقد الكثيرون أن سيطرة رجال الدين على التعليم أسهمت في انتشار التطرف الإسلامي في السعودية.

ونتيجة لذلك فإن مقاومة الإصلاحات الاجتماعية مثل تشغيل النساء والتشجيع على تعليم موضوعات فنية مازالت قائمة في مناطق كثيرة من السعودية بدعم من رجال الدين الذين تتابعهم أعداد كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي.

إصلاحات تهدف لتعزيز الاقتصاد

توقع برنارد هيكل، أستاذ دراسات الشرق الأدنى بجامعة برينستون، أن تتمكن الدولة السعودية، التي وصفها بأنها تتمتع بقوة ساحقة، من تنفيذ إصلاحاتها رغم قلق المحافظين على أساس أنها ضرورية من أجل البقاء الاقتصادي. وقال “الأمر المدهش في هذه اللحظة هو أنكم تشاهدون فعليا تحررا اجتماعيا، لكنه ليس لأسباب عقائدية بل لأسباب اقتصادية ومالية محضة”. وأشار هيكل إلى وجود خطر يتمثل في أن أي استياء شعبي لأسباب اقتصادية مستقبلا قد يستغله المحافظون في المؤسسة الدينية أو خصوم الأمير محمد بن سلمان.

وأضاف “أنا واثق من أنه ستحدث مقاومة من القطاع الديني وأن المقاومة قد تتولد وحدها أو ربما من خلال خصوم المجموعة الحالية في السلطة في الرياض”.

وتابع “هذا سيشمل الإسلاميين وربما يشمل العديد من الرجال النافذين. فهذا النوع من العلاقات مع العناصر الدينية مبهم ولا يدار في العلن”.

غير أن محللين يقولون إن الأمير محمد وحكومته أبدوا حتى الآن قدرة فائقة على تغيير المسار لتفادي أي ضغوط، وذكروا كمثال رئيسي على ذلك قراره الأخير بإعادة البدلات المالية لموظفي الحكومة بعد إلغائها في العـام الماضي بمقتضى برنامج للتقشف.

وقال هيكل “عندما شعر بوجود مقاومة لأخذ البدلات من موظفي القطاع الحكومي الذين يمثلون ثلثي العاملين، وبأن المقاومة قد تصبح غالية الثمن من حيث الرصيد السياسي، أعاد هذه البدلات”. وأضاف “الدولة خفيفة الحركة ودينامية في الاستجابة لما تشعر بأنه مصادر محتملة للمعارضة الحقيقية”.

ليس التوتر والجدل بين الطبقة الحاكمة والمؤسسة الدينية بالأمر الجديد. فخلال التاريخ الحديث للمملكة اعترض رجال الدين على أي شيء يرون أنه حداثة مستوردة مُفسدة من تعليم النساء إلى قيادتهن للسيارات.

وجاء عداؤهم للقنوات التلفزيونية الفضائية بعد خسارة معركتهم للحيلولة دون دخول التلفزيون للمملكة في الستينات من القرن الماضي.

غير أن بوسع الأمير محمد أن يعول على والده العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز، الذي يحظى باحترام كبير في الدوائر المحافظة والدينية، في تسهيل مسيرته لتطبيق برنامجه “رؤية المملكة 2030” الذي يهدف إلى إعداد اقتصاد المملكة ومجتمعها لمستقبل أقل اعتمادا على النفط.

وعلى الأرض تبدو الإصلاحات والتغيّر الاجتماعي أمرا ملموسا وفي حركة مطردة. ففي فترة من الفترات كان السعوديون يتناولون طعامهم في المطاعم في هدوء وصمت، والآن أصبحت الموسيقى التي تؤذي آذان المحافظين تتردد في مطاعم الرياض.

ويقول الأمير محمد إن الإصلاحات الاقتصادية الجذرية التي أعلنت العام الماضي لحماية المملكة من انخفاض أسعار النفط نجحت حتى الآن، إذ أدت تخفيضات الإنفاق إلى انخفاض حاد في عجز الميزانية البالغ 98 مليار دولار.

وحتى الآن كان أبرز تغيير اجتماعي يحسب للأمير محمد تجريد هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من سلطة القبض على الناس أو استجوابهم، وهو أمر يمثل تطورا كبيرا في علاقة الدولة برجال الدين، ولم يلق معارضة واسعة.

يروي بعض الزائرين كيف كان الأمير محمد بن سلمان يحكي عن مجتمع أكثر تحررا وتسامحا وانفتاحا في السعودية خلال السبعينات من القرن الماضي، انغلق على نفسه عام 1979 بعد قيام الثورة الإيرانية وسيطرة متعصبين من الطائفة الإسماعيلية على الحرم المكي. وهم يقولون إن هدفه هو استعادة هذا العصر.

وتقول بعض استطلاعات الرأي إن أغلب السعوديين يتعطشون للحاق بما فاتهم من تطور في العالم. وأغلبية السعوديين دون سن الثلاثين وتتواصل مع العالم من خلال وسائل التواصل الاجتماعي غير أن رجال الدين يقاومون.

يمكن رؤية قلق المحافظين في تغريدات أعقبت مقابلة جرت مؤخرا مع أحمد الخطيب، المسؤول عن قيادة الإصلاحات في قطاع الترفيه بالمملكة، قال فيها إن الرياض ستفتح في يوم من الأيام دورا للسينما وتبني دارا للأوبرا.

خطى التغيير

قال الخطيب، رئيس الهيئة العامة للترفيه، إن المحافظين الذين نددوا بفتح دور السينما وبحفلات الترفيه باعتبارها حراما يمكنهم ببساطة البقاء في بيوتهم إذا لم تكن تلك الحفلات تهمّهم.

رجال الدين يشتبهون في أن المبادرات الجريئة في مجالات الترفيه والسياحة تمهد لإصلاحات كاسحة في التعليم

قال الخطيب فيما بعد إن الهيئة ستتولى ترتيب سبل الترفيه المناسبة للمحافظين أيضا. وكانت في السعودية دور سينما في السبعينات لكن رجال الدين أقنعوا السلطات بإغلاقها في خطوة كانت انعكاسا لتزايد التأثير الإسلامي في أنحاء المنطقة العربية في ذلك الوقت. ولا تزال دور السينما ممنوعة. وبدأ تنظيم حفلات موسيقية هذا العام، لكن الموسيقى بشكل عام تلقى استياء بين رجال الدين.

وكانت الكثير من الردود إيجابية على تعليقات الخطيب. فعلى تويتر انتشر وسم يشكر الهيئة التي يرأسها مع صور لأفراد يرقصون ويتناولون الفيشار.

وقال الخطيب إن أنشطة الهيئة العامة للترفيه أتاحت 20 ألف فرصة عمل حتى الآن بعد سبعة أشهر فقط. غير أن الكثير من المحافظين اعتبروا تعليقاته حافزا للشقاق ومستفزة.

ونشر محمد السحيم، الأستاذ بجامعة الملك سعود في الرياض، وسما يطالب بمحاكمة الخطيب.

وقالت إحدى التغريدات “نصيحة محب لمحمد بن سلمان، أعد لهيئة الأمر بالمعروف هيبتها وأوقف هيئة الترفيه”. لكن أبرز أعضاء هيئة الأمر بالمعروف، ومنهم كثيرون انتقدوا في السابق حملة الترفيه، لزموا الصمت إزاء مسألة السينما.

وفي يناير الماضي قال رئيس هيئة الإفتاء إن دور السينما قد تفتح الباب أمام أفلام أجنبية فاسدة تشجع الاختلاط بين الجنسين، لكنه لم يعلق على تصريحات الخطيب.

ويقول دبلوماسيون إن على الملك سلمان أن يهدئ مخاوف رجال الدين لأنه لا أحد غيره في الدولة له صلاته ومصداقيته لدى المؤسسة الدينية.

وسيكون الملك سلمان آخر من يحكم السعودية من أبناء الملك عبدالعزيز بن سعود، مؤسس السعودية الحديثة عام 1932، الباقين على قيد الحياة.

وفي اجتماع مع السفير الأميركي في مارس عام 2007، بحسب ما ورد في برقية نشرها موقع ويكيليكس، قال الملك سلمان إنه من الضروري أن تسير الإصلاحات الاجتماعية والثقافية التي بدأها العاهل السعودي الراحل الملك عبدالله بن عبدالعزيز ببطء خشية رد فعل سلبي من المحافظين.

لكن بعد سنوات، ومن خلال دعم ابنه الأمير محمد، يبدو أن الملك قبل فكرة أن خطى التغيير في المملكة بحاجة إلى التسريع.

6