إصلاحات السعودية وقود للمظاهرات الإيرانية

الأربعاء 2018/01/03

تؤكد الشعارات التي يرددها المتظاهرون الإيرانيون أن شعوب المنطقة منفتحة وفي حالة تنافس دائم، حتى وإن كانت تعيش عزلة ثقافية طبيعية أو مفتعلة تمثّل عائقا في التواصل في ما بينها. ننطلق في قراءة هذا السياق من حيث الانعكاسات القارية في تطبيق النظرية السياسية للمفكر الاستراتيجي زبيغنيو برجينسكي، مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر، إذ طالب بضرورة إنشاء حكومات إسلامية في محيط الاتحاد السوفييتي السابق لمواجهة المد الشيوعي.

ويعتقد بعض المؤرخين أن الجنرال محمد ضياء الحق دشّن المرحلة بانقلاب عسكري على حكومة ذو الفقار علي بوتو في باكستان عام 1977. وشهدت بداية حكمه تقريب الجماعة الدينية والدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، وحفّـز ذلك شعب إيران الدولة المحاذية له على إسقاط حكم الشاه محمد رضا بهلوي.

هكذا، نفهم مدى تأثير حزمة القرارات السعودية الإصلاحية وقدرتها على اختراق الدولة الفارسية الثيوقراطية، التي نجحت عام 1979 إبان الثورة الخمينية في التأثير سلبيا على المحيط العربي ما نتج عنه مسار عقائدي مواز في الهدف مناهض في الاتجاه، استمر عقودا تحكمه المعطيات الإقليمية غير القادرة على إزاحة ركام القرون الماضية في تجاوز العقدة التاريخية بين المذهبين.

ما سبق يعني أن التحالف والبناء بين الحضارات لا يمكن تنحيتهما والعمل على تحقيق التوسّع العقائدي السياسي المتركّز في منهج الولي الفقيه وإقصاء الاستقرار والأمن والسلم والإمعان في قهر إرادة الـشعب واضطهاده داخليا وخارجيا ومنعه من الـتمتع بحريته واسـتقلاله دون امتعاض من وطأة العقوبات الدولية المفروضة سنوات على إيران، بينما الدولة الإقليمية المنافسة تحارب التطرف والغلو والإرهاب وتكافح الفساد من الأعلى إلى الأسفل باذلة جهدا واسعا في مصالحة الداخل للتغلب على العقبات والعثرات في إقامة أسس جديدة قوية راسخة ليس من باب الخوف والتحصّن من التحولات الإقليمية بل من باب الإقرار بالحق والعدل في المساواة بين فئات المجتمع وطبقاته.

ندرك الآن نجاعة إجراءات العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز التطويرية للمملكة في تقوية جبهة الداخل وعدم الركون لمتغيرات الخارج والسماح لها بالنفاذ من متطلبات المواطن الأساسية في تشكيل حركات إصلاحية تمزق وحدة الوطن بإشاعة الكراهية والعنصرية وتأليب الرأي العام على الدولة، وهي أساليب منافية لطبيعة المواطن السعودي الذي جُبِل على وحدة الصف والتلاحم والتكاتف والتعاضد مع القيادة، وهذا مؤشر علاقة وطيدة وشعور من القيادة بأهمية التركيبة الاجتماعية الواحدة في صناعة التغيير من أعلى هرم في السلطة.

هنا، نستطيع قياس حال النظامين السعودي والإيراني، وقدرة الأول على التحوّل والتموضع والاستقرار حيث يشاء ومتى أراد، فيما الثاني يعجز عن رسم خطوط مساره بعيدا عن الرؤية الكونية التي تصبو إلى هيمنة رجل الدين والمؤسسات المرتبطة به على نشاط الإنسان وعلاقاته وأفكاره وقيمه ومعتقداته، ما يوضّح أن المشاركة السياسية والتعددية الحزبية لديه لا تعكس واقعا ديمقراطيا يعبّر عن احتواء التركيبة الوطنية ذات العرقيات القومية الفارسية والأذرية والجيلاك والأكراد والعرب والبلوشستان والتركمان، بقدر ما يفضح هشاشة واهتراء البناء السياسي للملالي في البلاد.

إذن هذا النظام الذي حظي في بداية الثورة ببعد فكري قيادي شعبي حافظ على تكوينه حتى وفاة الخميني، تحوّل نتيجة فقدانه لمنظّر الثورة إلى خوض صراعات مكتومة في كافة المستويات بدءا من محاولات إيجاد الخليفة المناسب وصولا إلى المناصب الثورية المتعددة التي تضع التعبئة الشعبية العامة في يد المرشد الأعلى، ما ينبئ بأن الممارسات السلطوية التي كانت تزعج المواطن وصلت الآن إلى النهاية.

كاتب سعودي

7