إصلاحات العبادي ترسخ الوضع القائم في العراق بدل تغييره

حزمة الإصلاحات التي نجح رئيس الوزراء العراقي أمس في تمريرها بالبرلمان لا تعني لدى كثير من العراقيين الانتقال بالبلد بشكل آلي من وضع إلى وضع جديد في ظلّ غياب المؤسسات الضامنة لحسن تنفيذها ولعدم الانحراف بها عن أهدافها المعلنة.
الأربعاء 2015/08/12
العراقيون تابعوا بشغف أخبار عملية الإصلاح عسى أن تساهم في إنهاء معاناتهم

بغداد - تعهد رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي أمس بمواصلة طريق الإصلاح وإن كلفه حياته، وذلك في أول تعليق له على إقرار البرلمان بالإجماع لحزمة الإصلاح التي طرحها عليه وتضمنت قرارات وصفت بالجريئة.

وفيما رحّبت نخب عراقية بالخطوة باعتبارها انتصارا لنهج الإصلاح وتقدما باتجاه تلبية مطالب الجماهير التي خرجت خلال الأسابيع الماضية للتظاهر والاحتجاج على تردي الأوضاع وفساد الطبقة السياسية، لم تخف شخصيات سياسية وفكرية توجّسها من انطواء عملية الإصلاح المعلن على محاذير ومخاطر يمكن أن تنحرف بها عن أهدافها الحقيقية وتجيّرها لمصلحة فئة دون غيرها في ظل غياب المؤسسات والضوابط القانونية الكفيلة برعاية الإصلاح وحسن تنفيذه.

وانصب النقد الموجه لإصلاحات العبادي على نقطتين أساسيتين هما تكريس الدولة الدينية، والدفع باتجاه حكم الطائفة الواحدة تحت غطاء إلغاء المحاصصة.

ورأى بعض المنتقدين في الدور الكبير الذي اضطلعت به المرجعية الشيعية في إطلاق عملية الإصلاح مظهرا سلبيا يدفع باتجاه مزيد تراجع السمة المدنية للدولة العراقية وتكريس الدولة الدينية على الشاكلة الإيرانية.

وكانت مرجعية النجف ممثلة في رجل الدين الشيعي علي السيستاني قد وقفت بقوّة وراء رئيس الوزراء حيدر العبادي في طرحه ورقة الإصلاح التي تضمنت إجراءات وصفت بالجريئة أهمها إلغاء منصب نائبي رئيس الجمهورية اللذين يشغل أحدهما السياسي النافذ رئيس الوزراء السابق نوري المالكي وزعيم حزب الدعوة.

وتعم قناعة بين العراقيين بأنّ العبادي لم يكن يستطيع أن يتخذ أي إجراء يمس المالكي لولا دعم المرجعية التي لم تجد بدّا من التضحية ببعض الوجوه إنقاذا لحكم الأحزاب الدينية التي طالها غضب المتظاهرين مثلما طال العملية السياسية الجارية منذ 2003 بكاملها. ومن هذه الزاوية ستكون الإصلاحات ضامنة لاستمرار وضع قائم بدل الدفع باتجاه تغييره.

إياد علاوي: ليس من صلاحيات العبادي تطبيق هكذا قرارات

وقال مراقبون إن مرجعية النجف تجاوزت خلال الأيام الماضية دور رعاية الأحزاب الدينية وتوجيهها وفض الخلافات بين قادتها ورموزها في نطاق التكتم والسرية، لتتحوّل بشكل علني إلى مشرفة على العملية السياسية وسلطة قرار في إعادة ترتيبها.

واستند هؤلاء إلى ما راج على نطاق واسع في العراق بشأن مناقشة المرجعية لتفاصيل حزمة الإصلاح مع العبادي قبل الدفع بها.

وكان القيادي في ائتلاف دولة القانون وعضو البرلمان جاسم محمد جعفر قال إن “القرارات –المنسوبة لرئيس الوزراء- سبقتها اتصالات هاتفية جرت بين العبادي ومكتب المرجعية العليا بالنجف”، مؤكّدا في تصريح تلفزيوني أن “العبادي اتفق مع المرجعية على حزمة الاصلاحات ونال دعمها، وتم الاتفاق على تشكيل لجنة مصغرة تضم خبراء ومستشارين من مكتب رئيس الوزراء وممثل عن المرجعية لوضع حزمة من الإصلاحات”.

وتعبيرا عن القلق من مزيد تراجع السمة المدنية للدولة العراقية بفعل تضخم دور المرجعية الدينية قال الناشط السياسي العراقي مازن الخالدي إنّ “الصورة التي خرجت بها القرارات تثير مخاوف لدينا مما بعدها”، مضيفا “أن المحزن أن العبادي لم يكن قادرا على اتخاذ تلك القرارات لولا سلطة ونفوذ المراجع الدينية، وهذا بحد ذاته خطر يرسخ وضعا شبيها بولاية الفقيه الموجودة في إيران، ولا يبعث برسائل اطمئنان للأكراد أو السنة والمسيحيين وباقي الطوائف”.

ويثير كلام المازني سببا آخر لتحفظ بعض العراقيين على حملة الإصلاح يتمثّل في إمكانية توظيف مطلب إلغاء المحاصصة الحزبية والطائفية التي تقوم عليها العملية السياسية في العراق لكريس حكم الطائفة الواحدة بحجة امتلاك الأغلبية الكافية لذلك.

وتعرّضت إصلاحات رئيس الوزراء العراقي إيضا إلى انتقادات من وجهة نظر قانونية ودستورية لخصها إياد علاوي زعيم ائتلاف الوطنية بالقول إن إلغاء مناصب نواب رئيسي الجمهورية والوزراء “خرق واضح للدستور”، وأنه “ليس من صلاحيات العبادي تطبيق هكذا قرارات”.

3