إصلاحات سعودية طموحة تتحدى تراجعا اقتصاديا في الأفق

تدفع الحروب والتوترات التي تشهدها دول المنطقة السعودية إلى ضرورة مراجعة عقيدتها الدفاعية لتستعدّ جيّدا لمواجهة التحديات القادمة، سواء في الداخل أو خارج حدودها. وهذه العقيدة، وفق الخبراء، لا تقتصر فقط على التسلح العسكري، بل هي منظومة مترابطة وتكمّل بعضها البعض. وتشمل هذه المنظومة، إلى جانب القدرات العسكرية والأمنية، التحرّكات الدبلوماسية والمواقف المؤثّرة في السياسات الخارجية، ويصحب ذلك إصلاحات داخلية اجتماعية واقتصادية وسياسية يدعمها فتح المجال أمام جيل شاب لتولي مواقع قيادية.
الجمعة 2016/01/29
تغييرات تحتاج جرأة الشباب

الرياض – بينما سجّلت السنة الماضية تغييرا ملموسا ومؤثّرا على مستوى السياسة الخارجية وعقيدة ردّ الفعل الدفاعية، تمثّلت أساسا في تبنّى السعوديين دورا قياديا أكثر صرامة في المنطقة، رصد الخبراء منذ مطلع هذا العام، خطوات هامة في مجال تطوير الاقتصاد وتقليص الاعتماد على النفط.

ويرجع الخبراء جانبا أساسيا من هذا التغيير إلى دفع من الأمير محمد بن سلمان الذي، يمثل جيل الشباب، والذي يترأس مجلس الشؤون الاقتصادية ومجلسا آخر يشرف على شركــة “أرامكو” النفطية العملاقة.

وقد أكّد ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان هذه الرؤية خلال حوار له في مجلة إيكونومسيت، جاء فيه أن “الرياض تدرس برنامجا اقتصاديا طموحا خلال الخمسة أعوام المقبلة”.

وقد لاقى هذا الحديث ترحيبا كبيرا من قبل العديد من السعوديين وخبراء صندوق النقد الدولي الذين تحدّثوا، على مدى سنوات، عن ضرورة الإصلاحات لكن واجهوا جمودا بيروقراطيا وتحديات فنية حالت دون تنفيذها. لكن، يبدو الآن أن العزيمة السياسية على تنفيذ هذه الإصلاحات أقوى من أي وقت مضى إذ تحظى الإصلاحات بدعم مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية.

تفاؤل حذر

رغم أن الخبراء يعلمون أن ثمار الإصلاحات الاقتصادية لن تؤتي أكلها في القريب العاجل، إلا أن بداية الحديث عنها أعطى تفاؤلا بدا واضحا، مطلع هذا الأسبوع، خلال منتدى التنافسية العالمي، الذي انعقد بالرياض، بمشاركة المئات من المسؤولين ورجال الأعمال السعوديين الذين ناقشوا على مدى ثلاثة أيام سبل إنقاذ اقتصاد المملكة من تأثير تراجع أسعار الخام عبر تطوير قطاعات جديدة ومنح الفرصة للقطاع الخاص للمشاركة في التنمية.

خصخصة أرامكو في حال تنفيذها ستساعد المملكة على الانضمام إلى مجموعة من الدول الحديثة التى تطبق الحوكمة السليمة

وخلال المؤتمر قال عبداللطيف العثمان، محافظ الهيئة العامة للاستثمار السعودية “هناك نقلة نوعية في كافة الجوانب“. وتردد صدى نبرة التفاؤل هذه خلال المؤتمر بين الكثير من كبار المسؤولين السعوديين.

وفي ظل الضغوط التي يحدثها هبوط النفط على العملة المحلية وعلى الميزانية التي سجلت عجزا قياسيا قارب الـ100 مليار دولار، تعتزم المملكة الإعلان عن أكبر تحول في السياسة الاقتصادية في أكثر من عشر سنوات يساعدها في رسم ملامحه جيش صغير من شركات الاستشارات الغربية يقدر عددها بالمئات.

وتنطوي ملامح الإصلاحات، وفق ما صرّح به الأمير محمد بن سلمان، على بيع حصص في شركات حكومية كبرى مثل عملاق النفط أرامكو السعودية علاوة على فتح الاستثمارات لتطوير الأصول غير المستغلة بالشكل الأمثل بعد مثل الحيازات الكبيرة من الأراضي والثروات في قطاع التعدين. كما سيجري تحويل أجزاء من منظومة الرعاية الصحية الحكومية إلى شركات تجارية بهدف تحسين كفاءتها وتخفيف العبء على ميزانية الدولة وهناك خطط لزيادة نسبة المدارس الخاصة.

وقد تستخدم الحكومة مواردها المالية الهائلة للمساعدة على تنويع الاقتصاد بعيدا عن النفط، عبر منح عقود لشركات جديدة للاستثمار في قطاعات مثل بناء السفن وتكنولوجيا المعلومات والسياحة. لكن مشكلة المملكة تكمن في أن تطبيق مثل هذه الإصلاحات الصعبة والمركبة وجني ثمارها قد يستغرق سنوات. وفي الوقت الراهن ستواصل المملكة الاعتماد على النفط ما يترك الاقتصاد عرضة للتقلبات الحادة في أسعار الخام.

مازن السديري: الوعي بخطورة الاعتماد على النفط أمر جيد ويدعو إلى التفاؤل

ويرى جون فرنسوا سيزنك، الباحث الزميل بالمجلس الأطلسي، أن خصخصة شركة أرامكو والشركات التابعة لها، في حال تنفيذها ستساعد المملكة على الانضمام إلى مجموعة من الدول الحديثة التي تطبق الحوكمة السليمة، إذ أن زيادة الشفافية في ملكية أكبر شركة في المملكة، فضلا عن أشكال جديدة لتمويل الدولة، تدفع البلاد بعيدا عن الاعتماد على عائدات النفط وتوجهها نحو اقتصاد حديث أكثر مماثلة لدول مجموعة الـ20 التي تنتمي لها السعودية.

ويقول مازن السديري، رئيس الأبحاث لدى الاستثمار كابيتال، “الوعي بخطورة الاعتماد على النفط أمر جيد ويدعو للتفاؤل… حتى لو جاء في وقت متأخر فإنه أفضل من ألا يأتي على الإطلاق“.

وللحد من وطأة هبوط أسعار الخام على الاحتياطيات الأجنبية تبنت الحكومة خطوات شملت رفع الدعم عن أسعار الطاقة المحلية وضبط الإنفاق ما قد يؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصـــادي عن 3.3 بالمئة سجلت بنهاية 2015.

ويقول الاقتصادي فضل البوعينين، الذي حضر منتدى التنافسية، إن جانب التفاؤل المبرر يرتبط بالإصلاحات الاقتصادية الهيكلية التي تهدف إلى تنويع مصادر الاقتصاد وبالتالي تنويع مصادر الدخل، إضافة إلى وجود فرص يمكن للحكومة أن تستغلها لرفع حجم الناتج المحلي خاصة في القطاعات غير المفعلة.

وأضاف “لكن الوضع الاقتصادي العام لا يدعم التفاؤل الكبير الذي ظهر به الوزراء في منتدى التنافسية كما أنه لا يدعم أيضا المؤشرات التي تحدث عنها بعض الوزراء خاصة ما ارتبط منها بالنمو وعدد الوظائف المتوقع خلقها“. وتابع “هناك قلق حقيقي لدى القطاع الخاص من إمكانية خفض الإنفاق وانحسار السيولة بما يتسبب في رفع تكلفة التمويل. وهناك قلق من تقليص الوظائف في القطاع الخاص لأسباب مرتبطة بالمتغيرات الاقتصادية“.

تحديات ولكن…

برزت خلال المؤتمر ثلاثة تحديات رئيسية أولها كيفية تمويل المشروعات التي جرى الإعلان عنها مثل مجمع لبناء وإصلاح السفن أعلنت عنه أرامكو، وقالت إنه سيوفر نحو 500 ألف وظيفة، خاصة وأن أسعار الفائدة في السوق تشهد ارتفاعا حادا وسط تخوف البنوك التجارية من أزمة سيولة بسبب تراجع عائدات النفط، وهو ما قد يؤدي إلى تحمل الحكومة معظم تكلفة تمويل هذه المشروعات.

والتحدي الثاني يكمن في توفير القوة العاملة السعودية الماهرة التي تحتاجها مثل هذه المشروعات في بلد يعمل أكثر من ثلثي موظفيه بالقطاع العام الذي يمنحهم رواتب مرتفعة وظروف عمل مريحة نسبيا مقارنة بالقطاع الخاص. وقالت أرامكو إنها ستوفر برامجها الخاصة للتدريب وتأهيل المهارات المحلية.

وقد تؤدي الثقافة الاجتماعية المحافظة إلى الإبطاء من وتيرة الإصلاحات في المملكة. ففي إحدى الجلسات النسائية بالمنتدى جرت مناقشة سبل دعم دور المرأة السعودية في قطاع الأعمال و ما قد يعيقها أن النساء لا يسمح لهن بالقيادة في المملكة.

ويقدر أن هناك نحو مليون سائق سعودي في المملكة توظفهم الأسر لنقل النساء. وقد يؤدي السماح للنساء بقيادة السيارات إلى تلاشي الحاجة للسائقين وتخفيف الأعباء على الأسر، علاوة على توفير مئات الملايين من الدولارات التي تخرج من البلاد عبر تحويلات العمالة الوافدة. وحتى الآن لم يصدر تصريح من السلطات السعودية بأن الموضوع قيد الدراسة.

ويشير حجم الاحتياطيات الأجنبية والذي بلغ 628 مليار ريال في نوفمبر إلى أن المملكة لديها نافذة تجعل اقتصادها أقل عرضة لتقلبات أسعار النفط على مدى عدة سنوات، قبل أن تنخفض الاحتياطيات إلى مستوى يسبب ذعرا للأسواق المالية مما يجعل الإنفاق الإضافي على الإصلاحات أكثر صعوبة.

وفي الوقت الراهن قد يواجه الاقتصاد السعودي بعض المتاعب؛ وقد قال مصرفي أجنبي، عمل في السعودية لمدة تزيد على عشر سنوات: إن توجه أسعار النفط هو ما سيحدد في النهاية ما إذا كانت المملكة ستواجه تراجعا اقتصاديا كالذي شهدته في ثمانينات القرن الماضي عندما انكمش الاقتصاد لعدة سنوات. وأضاف أنه في حال ارتدت أسعار النفط فوق 60 دولارا للبرميل فإن الضغوط على الاقتصاد ستنحسر.

من جانبه قال البوعينين “بشكل عام لن تخلو برامج الإصلاحات الاقتصادية من بعض الألم وهو ألم مبرر يمكن تحمله للوصول إلى الأهداف المرسومة…شريطة النظر بواقعية للمتغيرات الاقتصادية وعدم إغفال التحديات“.

7