إصلاحات سياسية في العراق.. إنقاذ أم تصفية حسابات

عندما أعلن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي عن إطلاق حزمة من الإصلاحات استجابة لمطالب الآلاف من المتظاهرين العراقيين، الذين نزلوا إلى الشوارع احتجاجا على تفشي الفساد وتدنّي الأوضاع الاجتماعية وارتفاع معدلات البطالة، لم يركز الخبراء كثيرا عند نقطة إمكانية تطبيق هذه الإصلاحات، لأنهم يعلمون أنها صعبة التطبيق في الواقع العراقي المتشظي، بقدر ما ركزوا على ردة الفعل الإيرانية، وموقف قائد فيلق القدس، قاسم سليماني، ممثل المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي الذي يمثله قاسم سليماني في العراق، من إصلاحات رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي المدعومة من المرجع الشيعي الأعلى في العراق آية الله علي السيستاني.
الخميس 2015/09/10
هل يمكن للعبادي أن يدور خارج فلك المرشد الأعلى الإيراني وآيات قم

بغداد - منحت المظاهرات والاحتجاجات الشعبية، في بغداد وجنوب العراق، حيدر العبادي الفرصة للتحرك للحدّ من النفوذ الإيراني المتمادي في العراق واستعادة زمام القرار والمبادرة من يد قاسم سليماني الذي يتحكّم في أذرع إيران وميليشياتها المنتشرة في العراق. وكانت تقارير تحدّثت في الفترة الأخيرة عن قلق عراقي من نفوذ سليماني في العراق، الذي تجاوز في مناسبات، نفوذ رئيس الوزراء نفسه حيدر العبادي.

وترصد مجموعة الشرق الاستشارية (ميدل إيست بريفينغ)، ثلاث وقائع، تبرز مدى الخلاف بين الجبهة العراقية العبادي/السيستاني والجبهة الإيرانية سليماني/خامنئي ومعهما نوري المالكي. الحادثة الأولى التي تستحضرها مجموعة الأبحاث، التي تتخذ من واشنطن مقرّا لها، تعود إلى منتصف أغسطس الماضي، عندما طلب رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي من هيئة الميناء الجوي في بغداد إخضاع الإيرانيين الذين يستخدمون الميناء للقوانين العراقية.

وقبل صدور هذه التعليمات، كان الحرس الثوري الإيراني يعمل في ظل بروتوكول يسمح بوصول شحنات الأسلحة الإيرانية إلى بغداد. وهذه الشحنات معفاة من عمليات التفتيش العادية، ويتم تحميلها إما على الطائرات العراقية التي تستأنف رحلاتها إلى دمشق، أو على متن شاحنات ليتم تقديمها إلى قوات الحشد الشعبي الموالية لطهران.

وفي 15 أغسطس الماضي تقريبا، تم تطويق طائرة إيرانية بشكل مباغت من جانب موظفين عراقيين في ميناء بغداد الجوي. وطالب الموظفون بتفتيش الحاويات التي كان يتم تفريغها. ورفض الطاقم الإيراني وغيره من الأشخاص الذين رافقوا البضائع فتح الحاويات.

وسرعان ما وصل ممثلون عن السفارة الإيرانية والحرس الثوري إلى المكان للمطالبة بالإبقاء على الحاوية مغلقة. وانتهت المشادات الكلامية بفتح الحاويات. ولكن تعليمات من سلطة حكومية مجهولة أنهت التفتيش على عجل. وتم غلق الحاويات مرة أخرى وتحميلها إلى وجهتها المقصودة.

الحادث الثاني، أهم بكثير، حيث سرّبت إحدى محطات التلفزيون العراقية تفاصيل إحدى اللقاءات، التي جرت بعد أيام قليلة من عودة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي إلى بغداد، بعد زيارة إلى إيران استغرقت خمسة أيام. ويقال في العاصمة العراقية إن المالكي، خلال زيارته لطهران، تلقى تأكيدات إيرانية ثابتة بأن إصلاحات العبادي لن تعيد النظر في قضايا الفساد المتهم بها.

تم اللقاء، الذي عقد في 20 أغسطس الماضي، بدعوة من إبراهيم الجعفري، رئيس التحالف الوطني، وهو أيضا وزير الخارجية في حكومة العبادي؛ وقد جمع كافة قادة الكتل السياسية الشيعية في العراق، لكن كان هناك ضيف آخر من الغريب تواجده وهو الجنرال الإيراني قاسم سليماني.

العبادي حتى لو قام بتنظيف الحكومة من الفساد، يتوجب عليه أن يدق أبواب طهران من أجل تأمين المساعدة الأمنية

بعد دقائق قليلة من انطلاق الاجتماع، بدأ سليماني الحديث، في البداية من خلال مترجم، ثم مباشرة بلغة عربية ركيكة، متوجّها بحديثه إلى العبادي قائلا له إن الإصلاحات التي يريد تنفيذها ستؤدي إلى نتيجة واحدة هي: إضعاف الشيعة في العراق وخدمة أولئك الذين يريدون الإساءة للبلاد. وتساءل سليماني بحدة “كيف تهدد أبو إسراء (نوري المالكي)؟ ماذا فعل غير محاربة أعدائنا؟ هل تشاورت مع أي من هؤلاء السادة قبل تنفيذ إصلاحاتك؟ هل يمكنك أن تفعل شيئا من دونهم؟ كيف تتصرف وحدك دون استشارتهم؟”. وأضاف الجنرال “أنت لم تتشاور حتى مع حزبك، أو كتلتك، أو حكومتك قبل الإعلان عن إصلاحاتك”.

خلال مداخلة سليماني، لم يتوقف المالكي عن الإيماء برأسه تعبيرا عن موافقته. وعندما صمت سليماني سأله العبادي “هل أنت تتحدث نيابة عن الحكومة الإيرانية، أو هو رأيك الشخصي؟”. وأضاف “حسنا، الإصلاحات التي قمت بتمريرها ليست سوى جولة أولى. سيكون هناك ثانية وثالثة ورابعة. هذا ما يريده الشعب العراقي. وهذا ما يريده المرجع الديني الأعلى علي السيستاني. لا أنت، ولا أنا ولا أي شخص آخر يحق له إيقاف ذلك. وجودك في هذه القاعة لا مبرر له على الإطلاق. إن كنت أتيت لتبلغني هذه الرسالة، فقد أتممت ذلك فعلا، وسمعت جوابي. ويكفي أن أقول للجميع هنا إن الشعب العراقي والمرجع الديني يريدوني أن أغادر التحالف الوطني وحزب الدعوة. في الحقيقة، أنا على استعداد للقيام بذلك. وأنا على استعداد للتخلي عن العضوية في الحزب والكتلة مقابل عدم فقدان ثقة الناس والمرجع الأعلى. هذه رسالتي إليك وإلى جميع الحاضرين هنا”.

ويشير تقرير المجموعة الاستشارية إلى أنه لم يعلق أحد على الحوار الذي دار، ما عدا ممثل التيار الصدري أمير الكناني، الذي قال للعبادي “يجب عليك الاستمرار في إصلاحاتك. ونحن سوف ندعمك. وبالنسبة إلى أولئك الذين تم اتهامهم بالفساد، سوف تقول العدالة كلمتها في حقهم”. وتم تأكيد هذه الرواية من مصادر مختلفة.

الحادثة الثالثة التي توردها مجموعة الشرق الاستشارية تتعلّق بالحديث عن توتر بين قوات الحشد الشعبي والولايات المتحدة؛ فبينما نفى نائب المتحدث باسم قوات الحشد الشعبي، وجود أي توتر بين الحشد الشعبي وبين القوات الأميركية الموجودة، روى خالد الفهداوي، أحد قادة قوات الشرطة الاتحادية العراقية في محافظة الأنبار، قصة مختلفة. حيث قال “إن العلاقات بين الأميركيين والحشد الشعبي تمر الآن بتوتر شديد خاصة حول مدينة الرمادي. وتم تقريبا تجميد عملية استعادة الرمادي من قبضة داعش، بسبب الخلافات بيت الطرفين”.

هل يطيح سليماني بالعبادي

هذا الوضع قد يدفع، وفق المراقبين، سليماني إلى تأليب قوات الحشد الشعبي، والنواب والسياسيين الموالين لإيران والذين تعارض الخطوات الإصلاحية مصالحهم الخاصة، ضدّ رئيس الوزراء حيدر العبادي، فقد بدا له أن مشروعه الذي يهدف إلى السيطرة المطلقة على بغداد انتهى مع مشهد تفتيش الحمولات في الميناء الجوي، وهو بمثابة رسالة غير مشجعة من رئيس مجلس الوزراء وبادرة عدائية من الجنود الأميركيين؛ ولا يمكن القول إلا أنها ضربة كبيرة تلقاها الجنرال سليماني.

إيران والمالكي والنخبة السياسية الفاسدة ضد الإصلاح

مع ذلك، من السابق لأوانه معرفة من سيكون الفائز في المعركة، العبادي أم سليماني؟ صحيح أن سليماني لديه القدرة على الإطاحة بالعبادي، حيث تتمتع قوات الحشد الشعبي بقاعدة شعبية نسبية ويمكن، على الأقل من الناحية النظرية، أن تنقلب على رئيس الوزراء. لكن هذه القوات تدرك أن هذه الخطوة سوف تكون خطرة للغاية وذلك لعدة أسباب من بينها:

* المرجع الأعلى آية الله علي السيستاني الذي يقدم الدعم الكافي للعبادي. وقد توجه سليماني مباشرة لمقابلة السيستاني بعد الاشتباك الذي حصل بينه وبين رئيس الوزراء في بغداد. وليس هناك فكرة عما حدث في النجف. لكن يفترض أن يكون سليماني قد حاول إبعاد السيستاني عن صف العبادي، أو على الأقل تبليغ مخاوفه بشأن سياسات رئيس الوزراء. ويعتقد سليماني، كما صرح سابقا، أن العبادي سوف يضعف المعسكر الشيعي وأنه تخلى عن المشاورات اللازمة مع زملائه.

* صحوة في صفوف الطبقة الوسطى الحضرية العراقية. وكثيرا ما كانت هذه الطبقة من المجتمع العراقي الموجهة للسياسة العامة. والآن، هي تدعم حيدر العبادي الذي يتم النظر إليه على أنه يحاول تنظيف الحكومة من الفساد. وإذا تحركت قوات الحشد الشعبي ضد العبادي، سوف تظهر وكأنها تحمي المسؤولين الفاسدين وشبكات الفساد.

* المعونة الأميركية للعراق؛ حيث لا ينبغي التغاضي عن أن قوات الحشد الشعبي ما كان لها استعادة تكريت لولا مساعدة قوات التحالف الدولي، بقيادة واشنطن. فالآلاف من قوات الحشد الشعبي الشيعية لم تتمكن بمفردها من إلحاق الهزيمة بمجموعة تتكون من 400 فرد من مقاتلي تنظيم داعش في المدينة. وسوف تجد الولايات المتحدة صعوبة في مساعدة حكومة يتم تنصيبها بانقلاب عسكري. وأي تقدم جديد لداعش يمكن أن يؤدي إلى انخراط مباشر من إيران، مما قد يؤدي إلى ردة فعل عنيفة في العراق. لذلك، واستنادا إلى توقع العواقب، لا يوجد يقين من أن طهران سوف تعطي الضوء الأخضر لاتخاذ أي خطوة ضد العبادي في السياق الحالي.

*التيار الصدري، بدوره يمثل رافدا مهما لحيدر العبادي، رغم أن توافق السياسات ليس دائما من مميزاته، وفي اللحظات الحرجة قبل التنازل عن مواقفه المعلنة، ولكن سيكون من الصعب سياسيا القيام بنصف دورة ويصبح الصدر ضد العبادي، إذا كان مهددا.

إصلاحات العبادي

لا شك أن المظاهرات في بغداد وإصلاحات حيدر العبادي غيّرت مسار العملية السياسية، لكن، ذلك لا يعني تحقيق تقدّم ملموس على مستوى الاستجابة للمطالب الشعبية، فالتحديات التي تواجه العبادي هي في الواقع أكبر مما يراه المحتجون. ومثال واحد على ذلك: عندما هرب رئيس الوزراء السابق نوري المالكي من بغداد إلى طهران خوفا من تهم الفساد واحتمال الاعتقال، قال مسؤولون إيرانيون بصراحة إن أي إجراءات قانونية يتخذها العبادي ضد رئيس الوزراء السابق سوف تؤدي إلى سحب طهران لدعمها ومقاتليها من الدفاع عن بغداد ضد داعش. وهو ما استوجب من العبادي إعادة النظر.

علي السيستاني: لا خيار إلا الانتصار للإصلاحات وحماية العبادي

وحتى لو قام العبادي بتنظيف الحكومة من سرطان الفساد، فيجب عليه أن يذهب ويدق أبواب طهران من أجل تأمين المساعدة الأمنية. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تسبب له إيران متاعب هائلة إذا ما رأت أنه تجاوز خطوطه الحمراء. فإيران تحيط بغداد بشبكة معقدة وضيّقة من المقربين، والوكلاء، والسياسيين والجماعات شبه العسكرية. أفضل ما يمكن أن يتعلق به الأمل هو أن يعتمد العبادي على حكومة نظيفة اليدين ولكنها غير مستقلة.

فترة انتقالية

يدعو بعض السياسيين إلى إعلان حالة الطوارئ وحل البرلمان وتعليق الدستور. ويقولون إن العراق يحتاج إلى فترة لا تقل عن عام واحد يتم خلالها كتابة دستور جديد والتركيز على تحسين الوضع الأمني ومحاربة الفساد. لكن، طالما أن العراق لا يملك قوة “وطنية” صلبة، لا طائفية ولا فاسدة، فإن تنفيذ هذه التوصيات لن يغير شيئا.

النخبة السياسية في البلاد فاسدة وعلى استعداد لبيع أي شيء للحفاظ على وظائفها. وقد مكنتها هذه الوظائف من التمتع بصلاحيات الوصول إلى المال والنفوذ. وقد تم إضعاف الجيش عمدا لصالح الميليشيات الطائفية.

ويعتبر تنظيم الدولة الإسلامية لعنة مزدوجة، حيث يتم استخدامه ذريعة لتشديد القبضة الإيرانية على البلاد، كما أنه يمثل تهديدا وجوديا للعراق.

لذلك فإن المعركة الداخلية ضد الطائفية والفساد أمر ضروري لبلورة بديل وطني حقيقي. إذا لم يتم القضاء على الجماعات الطائفية والفساد في معركة مفتوحة مع الوطنيين العراقيين، لن يتم تشكيل بديل وطني كامل المحتوى. إنها معركة من أجل الوطن، وليست من أجل طائفة أو زعيم ديني.

وتخلص مجموعة الشرق الاستشارية مشيرة إلى أنه ينبغي على القادة المعتدلين في جنوب ووسط العراق، شيعة وسنة، أن يعملوا سويا لحماية بلدهم. وما هو على المحك الآن، ليس مجرد مهمة تنظيف بغداد من الفساد الذي تراكم منذ 13 سنة، بل المهمة هي إنقاذ البلاد. يبدو العراق وكأنه شيخ هرم في حالة احتضار. هناك عراق فتي جديد بصدد الولادة. ولكن ليس هناك يقين من أنه سوف يكون قويا بالقدر الكافي من أجل منع النهاية المأساوية التي تنتظر هذا البلد العظيم.

6