إصلاح إذاعة القرآن المصرية يبدأ من نزع جلباب القداسة

رفض النقد واتهام المعارضين بازدراء الإسلام يكرّسان الجمود لأغراض سياسية.
الأربعاء 2020/11/11
توظيف المقدسات في خطاب التشدد

أثار شاب مصري ضجّة كبيرة داخل منابر المؤسسات الدينية والإعلامية وصل صداها إلى مواقع التواصل الاجتماعي بعد نشره مقطع فيديو ساخر ينتقد فيه أداء مقدمي برامج إذاعة القرآن الكريم، واستمرارهم في مخاطبة الناس بأفكار قديمة نشأت عليها الإذاعة منذ ستينات القرن الماضي، ووصل الأمر إلى حد اتهامه بالتنمّر والسخرية من المقدسات وازدراء الأديان.

لم تهدأ حالة الجدل التي أثارها الشاب المصري محمد أشرف، الذي صنع محتوى كوميديا، سخر فيه من أداء مقدمي برامج إذاعة القرآن الكريم، كمبادرة منه لحثها على إصلاح نفسها والابتعاد عن الجمود الفكري الذي يعتري القائمين عليها، واستمرارهم في مخاطبة الناس بأفكار قديمة نشأت عليها الإذاعة منذ ستينات القرن الماضي.

وبدت ردود الفعل تجاه الفيديو الساخر من مقدمي البرامج، وكأن الشاب انتقد قدسية المحتوى القرآني وليس أشخاصا يفترض أنهم بشر عاديون يخطئون ويصيبون. فالأزهر انتفض غضبا، ووزارة الأوقاف ردّت بالمثل، ودار الإفتاء دخلت على نفس الخط، والهيئة الوطنية للإعلام قررت مقاضاة الشاب، وهناك من اتهمه بازدراء الأديان.

وتسابقت كل مؤسسة دينية وإعلامية للدفاع عن إذاعة القرآن الكريم، في محاولة لاكتساب شعبية لدى الشريحة المجتمعية التي تتعامل مع الإذاعة باعتبارها “تابو”، والاقتراب منها يعني الكفر بمهمتها، ووجدت كل جبهة ذريعة لتتقرب إلى الشارع، وذلك عبر اتهام الشاب بارتكاب خطيئة لا تغتفر بحق الأصوات المقدسة.

محمد أشرف يقدم اعتذاره للمذيعين والعاملين في إذاعة القرآن الكريم لكن أصابع الاتهام ما زالت موجهة ضده
محمد أشرف يقدم اعتذاره للمذيعين والعاملين في إذاعة القرآن الكريم لكن أصابع الاتهام ما زالت موجهة ضده

وتكمن خطورة الدفاع المستميت عن إذاعة القرآن الكريم ضد أي محاولة لتغيير توجهاتها المتحجرة، في استمرار الوضع الراهن على ما هو عليه إلى أجل غير مسمى، فلطالما وجد القائمون على إدارة هذه المحطة انتفاضة دينية وإعلامية وشعبية، لا يمكن لمن يظن نفسه كيانا مقدسا أن يغيّر من جلده، فصوت المدافعين أقوى من الأصوات الناقدة والناقمة والساخرة.

وقبل ظهور وسائل الاتصال الحديثة، كانت إذاعة القرآن الكريم تحظى بجماهيرية استثنائية، لأنها الصوت الإذاعي الوحيد تقريبا الذي نجح في اختراق قلوب المصريين وعقولهم على تنوع طبقاتهم الاجتماعية من خلال شخصيات دينية مميزة، أمثال الشيوخ محمد رفعت ومصطفى إسماعيل ومحمود خليل الحُصري وطه الفشني وابتهالات النقشبندي.

ولم يدرك مسؤولو الإعلام في مصر أن الظروف تغيّرت وهناك مؤسسات أخرى أصبحت تقوم بدور إذاعة القرآن الكريم، ولم تعد وحدها قوة ناعمة تملأ العالمين العربي والإسلامي، كما كان مخططا لها عند نشأتها، بل إنها قاربت على الاندثار أمام إصرارها على أن تكون جزءا من التراث الذي يصعب تنقحيه من السلبيات.

التطوير حتمي

قال حسن علي، العميد السابق لكلية الإعلام بجامعة بني سويف (جنوب القاهرة) سابقا، إنه “لا خلاف على أن الإذاعة تحتاج إلى تطوير جذري في الأداء والمحتوى وأجندة القضايا الدينية، وتعاني أزمة في طبيعة مقدمي البرامج، لأن بعضهم لو كانوا مخضرمين في الثقافة الإسلامية ولا يجيدون العمل الإعلامي، والعكس، أيّ أن أدواتهم منقوصة”.

وأضاف علي لـ”العرب”، “نقد الإذاعة مطلوب لدفعها إلى التطوير ومواكبة العصر لا الوقوف عند حقب ماضية، والمشكلة أن المسؤولين عن المحطة وحتى العاملون فيها، يسيرون على قاعدة لا ضرر ولا ضرار، لتجنب الدخول في مواجهة مع الشيوخ، ولا يمتلكون الجرأة على التطوير والحداثة وفتح الملفات الدينية الشائكة”.

وشدّد على أن معضلة الشريحة الأكبر في المجتمع المصري، قد تربت ونشأت على التعامل مع إذاعة القرآن باعتبارها واجهة الإسلام، وأي محاولة للاقتراب منها أو التغيير من هوّيتها، تحمل مساسا بالدين نفسه، وهو ما نجحت في تكريسه مؤسسات ورموز دينية تتعامل مع هذا الصوت الإذاعي على أنه منبرها الموثوق فيه للنفاذ إلى عقول الناس.

وأشار إلى أن الأزهر والأوقاف والإفتاء، لهم برامج خاصة بهم في إذاعة القرآن الكريم، تشرف عليها مجموعة العلماء والدعاة التابعين لهم، وجميعهم يسعى جاهدا ليكون برنامجه صاحب الشعبية الأكبر، ولا يقبل المساس بالمحتوى المقدم أو العبث في أسلوب تقديمه حتى لو كان قد عفا عليه الزمن، لأن ذلك يعتبر مسّا غير مباشر بالمؤسسة الدينية التي تستحوذ على البرنامج.

واعتبر علي أن مفهوم “القدسية” قد تولّد وترسّخ وصار جزءا أصيلا من عمل إذاعة القرآن الكريم، وانتقل بالتبعية إلى المستمعين أنفسهم، وهو ما جمّد أي محاولة للاقتراب من هذه الإذاعة وحال دون أن تكون مواكبة لروح العصر، وقريبة من الأجيال المعاصرة التي هجرتها أمام تحجر أفكارها ونمطية برامجها، حتى صار أغلب جمهورها من شريحة كبار السن والمتعاطفين بالفطرة مع ارتباط خطاب الإذاعة بالإسلام.

وقال أحمد سيد، وهو شاب مصري اعتاد أن يبدأ يومه بسماع صوت القرآن في الإذاعة من خلال راديو السيارة، إنه بمجرد انتهاء فقرة القرآن يضطر إلى البحث عن محطة أخرى، لأنه لم يعد يجد في إذاعة القرآن ما يلبي احتياجاته كشاب، فأغلب البرامج تقليدية واجترار لإنتاج الماضي والقضايا التقليدية، التي دأب على الاستماع إليها منذ طفولته.

وأضاف سيد لـ”العرب”، “هناك شريحة كبيرة مازالت تستمتع إلى الإذاعة لمجرد أنها تعيدها إلى ذكريات قديمة، ويراودها الحنين إليها دائما أمام التقلبات الاجتماعية والسياسية الراهنة، وشريحة أخرى تتعامل معها باعتبارها رمزا لزمن جميل، حيث الحياة البسيطة، والشريحة الثالثة تداوم على الاستماع إليها لغرض القرآن فقط”.

وأكد سيد أن القاعدة الجماهيرية لإذاعة القرآن لم تعد تتعامل معها كمنبر إعلامي تنويري تثقيفي لأن الناس وجدت البديل الأكثر عصرية، فهناك وسائل تواصل اجتماعي وبرامج دينية على الهواتف الحديثة، وقنوات متخصصة تقوم
بنفس الدور، وحسابات شخصية لعلماء أكثر تحضرا يداومون على التواصل مع الناس في الفتوى.

كما أن أغلب مقدمي البرامج وضيوفهم يخاطبون الناس بلغة الماضي، وتراهم يستندون إلى أحاديث نبوية لم تعد تناسب الحاضر، لكنهم يصرون على طرحها ونقاشها وإقناع الناس بأنها من صميم الإسلام الصحيح، والمشكلة أن الشريحة الأكبر من المستمعين مازالت تنظر إلى فتاوى الإذاعة باعتبارها أصل الدين.

حصص دينية ثابتة

القدسية التي تحاط بها إذاعة القرآن الكريم لها جذور حكومية ومجتمعية
القدسية التي تحاط بها إذاعة القرآن الكريم لها جذور حكومية ومجتمعية

ما يثير الاستغراب، أن هناك برامج دينية ثابتة يوميا يقدمها أشخاص رحلوا عن الدنيا وأصبحوا في دار الآخرة، من بينهم أحمد طنطاوي شيخ الأزهر السابق، وهذا في حد ذاته مؤشر يعكس إصرار إذاعة القرآن على إضفاء قدسية مضاعفة على كل ما يرتبط بالماضي، سواء كان شخصا أو محتوى، ومحاولتها التمسك بالتراث بمفرداته وعقلياته لتجعله المهيمن على الرسالة الموجهة إلى المستمعين.

وبغض النظر عن دوافع تقديم برامج لأشخاص صاروا في القبور، فإن الأزمة الأكبر ترتبط بالإصرار على بث برامج ثابتة لا تتغير منذ العشرات من السنين، جعلت المحطة متحجرة، ولولا بعض الأصوات المميزة لكانت وصلت إلى مرحلة الاندثار.

ويرجّح مهتمون بنشاط خطاب الإسلام السياسي أن النقد صار السبيل الوحيد تقريبا لتخلي إذاعة القرآن الكريم عن جمودها، وتطوير خطابها الذي لا يزال يتعامل مع صوت المرأة باعتباره عورة، بل يصل إلى حد اعتباره من الأمور المحرّمة، وتحديدا عند بثها فتاوى دينية متشددة تنتقد طريقة نطق النساء للآيات وتعتبر أن تلاوتهن للقرآن فيه نوع من الرقة والنعومة الزائدة.

ويؤكدون على أن التعاطي مع الإذاعة بقدسية لن يغيّر الواقع، أو يعيد الأمور إلى نصابها، وإذا كانت المحطة لديها بالفعل قدر معقول من السماحة وعدم التشدد والتمييز أو التشبث الفكر الذكوري، فإنه قد أصبح لزاما عليها توسيع مشاركة المرأة في تقديم البرامج وقراءة القرآن، بدلا من أن تصبح هذه الأصوات جزءا من ذكريات الزمن الجميل.

ويزيد استمرار المحافظة على نفس الأصوات بعينها في ترتيل القرآن في الإذاعة، والتي هي من عصور قديمة، دون إفساح المجال أمام جيل جديد لديه نفس المقومات الصوتية تقريبا، من صعوبة مهمة استقطاب شرائح جديدة من المستمعين الذين لديهم الشغف بكل ما هو حديث وعصري. فلا يمكن لمن كان يسمع قارئا بعينه طوال ثلاثين عاما، أن يداوم على ذلك طوال حياته، لأنه في حاجة إلى التنويع والحصول على المعلومة الدينية بأسلوب جديد وعصري وحياتي.

ومن يتابع يوميا وبدقة هذه الإذاعة بإمكانه أن يقف على عدة أفكار وسلوكيات متشددة غير معلنة، فمن المستحيل مثلا أن تكون هناك فواصل موسيقية بين البرامج والتنويهات، كما أن الابتهالات الدينية المصحوبة بالموسيقى غير مدرجة تماما في برامج الإذاعة، وكأنها تطبق قاعدة التحريم المطلق لكل ما يرتبط بالفن ولو كان في صورة قالب موسيقى هادئ يريح المستمع ويمنحه قسطا من الهدوء.

ويرى النائب البرلماني محمد أبوحامد، وهو أيضا باحث في شؤون الأديان، أن “استعادة إذاعة القرآن الكريم رونقها لتخاطب كل الشرائح، تتطلب تخليها عن الحساسية تجاه النقد، والكف عن تقديم نفسها كرمز ديني معصوم من الخطأ ومنزه عن النقد، وهذه أزمة المؤسسات الدينية عموما في مصر، فلا يمكن الجزم بأن الشاب أراد السخرية من المحطة، لأنه يقدم فنّا يحمل إسقاطا كوميديا، وهذا أمر عادي”.

وقال أبوحامد لـ”العرب”، إنه كان يفضل استضافة الشاب في الإذاعة للاستماع إلى وجهة نظرة، وهذا يعكس قمّة التسامح الذي تحدث عنه الإسلام، لا أن يتم التصعيد ضده وتهديده، فهذه الاستراتيجية التي تتبعها المؤسسات الدينية تجعل أيّ شخص يسعى إلى تطوير الفكر الديني يواجه بحملة شرسة تدفع الآخرين إلى التراجع والصمت، ويستمر سقوط للهاوية.

صوت سياسي إسلامي

مفهوم «القدسية» صار جزءا أصيلا من عمل إذاعة القرآن الكريم، وانتقل بالتبعية إلى المستمعين أنفسهم، وهو ما جمّد كل محاولة للإصلاح والتجديد لتكون الإذاعة مواكبة لروح العصر
مفهوم «القدسية» صار جزءا أصيلا من عمل إذاعة القرآن الكريم، وانتقل بالتبعية إلى المستمعين أنفسهم، وهو ما جمّد كل محاولة للإصلاح والتجديد لتكون الإذاعة مواكبة لروح العصر

يبدو أنه من الصعب فصل الجمود الفكري المسيطر على المحطة  الإذاعية ويعود سبب ذلك إلى الخلفيات السياسية التي أدت إلى نشأتها في عام 1964، حيث كان من ضمن أهداف الحكومة المصرية أن تظهر إذاعة القرآن الكريم مدى إسلامية نظام الحكم، وأنه ليس قريبا من الشيوعيين “الملحدين”، كما كان يتردد في بعض الأوساط المجتمعية، وحينها اتخذ الرئيس الراحل جمال عبدالناصر قرارا بإطلاقها لتبث القرآن والبرامج الدينية والابتهالات.

ولا شك أن الهدف والظروف التي نشأت فيها الإذاعة قد أصبحا بالتالي متجذرين في عقلية الأجيال التي تدير المحطة والتي قامت بتثبيتها عند موجة واحدة لا تتغير أو تتقدم، لتكون صوتا إسلاميا ثابتا يستمد رعيته من خطابات الماضي الممجّدة، أيّ أن الغرض السياسي من ورائها صار عرفا مقدسا، باعتبار أنها متواصلة في كل العصور، ومع جميع الأنظمة لتعطي انطباعا على إسلامية نظام الحكم، وبالتالي لا مجال للمساس بهذه القاعدة الثابتة.

ويقود ذلك إلى القول إن أسباب وجود إذاعة متخصصة في القرآن الكريم بنفس النمطية التي نشأت عليها يبدو مقصودا، لأن الحكومات المتعاقبة هي من أقنعت الناس بأن أيّ مساس بأساساتها يعني تغيير توجهات الحاكم في نظرته للإسلام، وطالما أن المحطة ثابتة عند نفس المرحلة القديمة، فإن إسلامية النظام لم تتغير.

ويمكن التأكيد على هذه القناعات بالتركيز على ردود فعل الناس عند القيام بحركة تغييرات في مواعيد بعض البرامج التي تبثّها إذاعة القرآن الكريم، فقبل عامين تم إجراء تحديثات بسيطة بإدخال مذيعين جدد، والإعلان عن رحيل آخرين، وحينها بدا الأمر وكأن الحكومة قررت المساس بالهوية الدينية للدولة، لمجرد أن هناك شعورا بالتغيير ولو في الأشخاص وليس المحتوى.

محمد أبوحامد: كنت أفضّل استضافة الشاب في الإذاعة للاستماع إلى وجهة نظرة، وهذا قمة التسامح
محمد أبوحامد: كنت أفضّل استضافة الشاب في الإذاعة للاستماع إلى وجهة نظرة، وهذا قمة التسامح

وما يبرهن على الثقل الذي تتمتع به إذاعة القرآن لدى السلطة، أن الرئيس الراحل أنور السادات والحالي عبدالفتاح السيسي سبق لهما إلقاء خطبتين سياسيتين من خلالها، وأجريا حوارين مع مذيعيها تطرقا خلالهما إلى محاربة الأفكار المتطرفة ومواجهة الفاشية الدينية وإصلاح المفاهيم المغلوطة من خلال منبرها.

ولا يتوقف السيسي عن مخاطبة المؤسسات الدينية بضرورة تجديد الخطاب الديني وتنقيح التراث، ومع ذلك لم يسبق أن وجه كلامه إلى إذاعة القرآن الكريم ليطلب منها الفعل ذاته، ومثل هذا الأمر يوحي بأن الدولة تدرك تبعات الاقتراب من المحطة كجزء من الهوية الدينية والوطنية والتاريخية للمجتمع، بدليل الانتفاضة التي لحقت بسخرية الشاب من المحطة، لدرجة أن أجهزة الأمن أعلنت تتبّعه لمعرفة توجهاته الفكرية.

وطالما أن القدسية التي تحاط بها إذاعة القرآن الكريم لها جذور حكومية ومجتمعية، فإنه من الصعب اختراق جمودها ووضعها على طريق التجديد والتطوير ولو النسبي، في المحتوى والبرامج، وهو ما يكرس وجودها كمنبر متحجّر يخدم توجهات سياسية معينة، ويكفي أن الاقتراب منها ولو بالنقد البنّاء قد يقود صاحبه إلى تهمة ازدراء الأديان فيجد نفسه خلف قضبان السجن.

13