إصلاح الأضرار مستمر في الكويت

الاثنين 2013/08/12

لم يأت انتخاب مرزوق الغانم رئيساً لمجلس الأمة الكويتي من فراغ. أن يشغل الغانم، الشاب المعروف بديناميكيته وانتمائه إلى أولئك الذين يفكّرون في المستقبل وربط الكويت بكلّ ما هو حضاري وعصري، موقع رئاسة المجلس يُعتبر دليل عافية ونقلة نوعية في آن.

إنّه فوز يندرج في سياق تطورات متلاحقة تصبّ في خدمة الكويت وتمكينها من تجاوز المرحلة الصعبة التي تمرّ بها المنطقة من جهة وتحصين الداخل من جهة أخرى.

الثابت أن هذه النقلة النوعية لا يستطيع القيام بها سوى العقلاء من كبار العائلة، على رأسهم أمير الدولة، والجيل الجديد من الكويتيين الذين احتكّوا بالعالم المتحضر ويمتلكون ما يكفي من الثقافة والعلم، بما يتيح لهم خدمة البلد فعلاً. وهذا يعني خدمة الكويت بالأفعال وليس بالكلام المعسول.

هؤلاء الشبّان من الجيل الجديد تخرّجوا من جامعات عالمية معروفة سمحت لهم بامتلاك ثقافة حقيقية بعيدة كلّ البعد عن التزمت والتطرف. الأهمّ من ذلك كلّه، أن هؤلاء يعرفون الكويت جيداً ويعرفون تركيبة البلد التي هم جزء منها، ويعرفون خصوصاً الأسباب التي جعلت من الكويت في الماضي القريب دولة طليعية على كلّ صعيد وفي كلّ المجالات.

قبل الانتخابات النيابية الأخيرة يوم السابع والعشرين من تموز- يوليو الماضي، كان أمير الدولة الشيخ صُباح الأحمد أخذ الأمور بيديه وقرّر إعادة الكويت إلى ما يجب أن تكون عليه، أي إلى دولة تتطلع إلى شغل موقعها الطبيعي في المنطقة بدل البقاء في أسر الشعارات والمزايدات. فقد عانت الكويت طويلا من الجمود ومن غياب التعاون بين الحكومة ومجلس الأمّة. صار تعطيل العمل الحكومي بحجّة الفساد أقرب إلى هواية من أي شيء آخر.

قد يكون هناك فساد، كما قد تكون هناك مبالغات. لكنّ اللافت في معظم النقاشات، التي كانت تتوّجب استجوابات للوزراء، هو غياب الأرقام الحقيقية واللغة الراقية عن معظم ما كان يدور تحت قبة قاعة عبدالله السالم (مجلس الأمة). كانت الإشاعات كفيلة، أحياناً، بإسقاط حكومة أو استقالة وزير في عالم لا مكان فيه سوى للأساليب العلمية والخبرة المهنية لدى التعاطي مع المشاريع الكبيرة التي تبدو الكويت في أشدّ الحاجة إليها. هل طبيعي أن يكون القطاع الصحّي، مثلاً، في حال لا تليق ببلد قليل السكان، نسبياً، يمتلك ثروة كبيرة؟

ثمة مؤشرات إلى دخول الكويت مرحلة جديدة مختلفة. تقوم هذه المرحلة على كلمة «التعاون» بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. ولذلك، كان الشيخ صُباح في غاية الوضوح عندما قال في كلمة افتتح بها مجلس الأمة الجديد «لا حاجة لي بالتأكيد على حتمية التعاون بين المجلس والحكومة، كي يتحقق الإنجاز المأمول به ويأتي الإصلاح المنشود».

لم يخف أمير الكويت في الوقت نفسه دقّة الوضع الإقليمي وانعكاساته على الكويت وضرورة الابتعاد عن كل ما يثير الحساسيات، خصوصا الغرائز المذهبية بين السنّة والشيعة. قال في هذا المجال: «علينا أن لا نسمح بأن تكون بلادنا ساحة لصراعات ومعارك الغير وتصفية حساباتهم. وعلينا الحذر، كلّ الحذر من استدراج الفتنة البغيضة التي تشقّ صفوفنا وتنال من وحدتنا وتضعف قوّتنا».

هناك رغبة كويتية في تجاوز الجمود. كانت الانتخابات الأخيرة أفضل دليل على ذلك. هناك إرادة شعبية في كسر الحلقة المفرغة التي أجبرت أحد عشر حكومة على الاستقالة منذ 2006. في الفترة الأخيرة، لم تعد تمرّ سنة من دون انتخابات نيابية. باتت الكويت في حال ضياع داخلياً وإقليمياً.

ما يبعث على التفاؤل بمستقبل الكويت أن الشعب تحدّى الحرّ والغبار والصيام وأقبل على صناديق الاقتراع. الذين قاطعوا الانتخابات تعرّضوا لهزيمة وليس لمجرد نكسة. إنها هزيمة للإخوان المسلمين ولآخرين على شاكلتهم. هزيمة لأولئك الذين كانوا يريدون أن تكون الكويت مجرّد صندوق يستخدم في تمويل نشاطات معيّنة في هذا البلد أو ذاك، خصوصاً في مصر.. أو في هذه الدولة الخليجية أو تلك.

من الواضح أن المجلس النيابي الجديد، بانتخابه مرزوق الغانم رئيساً له، قرّر أن يكون شريكاً في عملية كسر الجمود وتعزيز ما تحقق من تقدم في العامين الماضيين، خصوصاً في مجال إقرار خطة التنمية الطموحة وتعزيز دور الإعلام، الذي بدأ يلعب الدور الطبيعي والموضوعي المطلوب منه، وبدء البحث في كيفية تطوير التعليم والخدمات الصحية وبناء منازل جديدة للمواطنين.

لا عودة إلى الخلف في الكويت بوجود أمير عاقل يعرف العالم العربي عن ظهر قلب مثلما يعرف بدقة التوازنات الإقليمية والدولية. لم يتردد الشيخ صُباح في اتخاذ المواقف الشجاعة المطلوبة. شمل ذلك الانفتاح على الدول الآسيوية التي حققت انجازات اقتصادية باهرة، ودعم الشعب السوري، ودعم مصر والاستقرار فيها، خصوصا بعدما قال الشعب كلمته وأخرج الإخوان المسلمين وتوابعهم من رئاسة الجمهورية.

المهمّ أن الكويت تتقدم بخطى حثيثة بغية التعويض عن الأضرار التي لحقت بالدولة والمجتمع في السنوات القليلة الماضية وإصلاحها. المهمّ الآن أن هذا التقدّم الذي يتحقق، والذي بدأ بمبادرة من أمير الدولة، بات مدعوماً شعبياً. بات مدعوماً من أكثرية شعبية رفضت مقاطعة الانتخابات الأخيرة وانتخبت مجلساً متجانساً إلى حدّ كبير.

ما قد يكون أكثر أهمّية أن تعي الأوساط الكويتية كلها أنّ لا أمل في مستقبل أفضل دون الاستثمار في التعليم. والتعليم الجيّد الذي في مستوى معيّن هو ذلك الذي يبتعد عن القشور، مثل الاختلاط وما شابه ذلك. التعليم الجيّد يركّز على المعرفة من خلال برامج حديثة معترف بها دولياً، وليس تلك التي وضعها الإخوان المسلمون، خصوصاً بعد تغلغلهم منتصف التسعينيات من القرن الماضي في النظام التربوي.

8