إصلاح التعليم في المغرب رهين الاستثمار في التعليم التقني والمهني

يعتبر إصلاح قطاع التعليم بالمغرب من الأولويات التي جندت لها الدولة كافة الإمكانيات، وخلقت لأجل النهوض بها عدة لجان وبرامج خاصة، واتخذ ملف إصلاح التعليم دفعا جديدا بعد أن تم طرح قضايا التعليم في خطاب العاهل المغربي الملك محمد السادس بمناسبة عيد العرش، في 30 يوليو المنقضي. حيث أكد على ضرورة إصلاح جوهري لهذا القطاع وإعادة الاعتبار للمدرسة المغربية لتقوم بدورها التربوي والتنموي المطلوب.
الثلاثاء 2015/08/11
الارتقاء بالتعليم في المغرب يتطلب إصلاح المرحلة الابتدائية والتعليم التقني

إصلاح التعليم يظل عماد تحقيق التنمية، ومفتاح الارتقاء الاجتماعي والانفتاح، وضمانة لتحصين الفرد والمجتمع من آفة الجهل والفقر، ومن نزوعات التطرف والانغلاق حسب الرؤية الواردة في الخطاب الملكي، وتبعا له سيقوم المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي بتقييم تطبيق الميثاق الوطني للتربية والتكوين والبحث العلمي ليتمكن من بلورة منظور استراتيجي شامل لإصلاح المنظومة التربوية المغربية.

ولأن مستقبل الدولة يبقى رهين مستوى التعليم الذي يتلقاه أبناؤها فإنه من الضروري أن يظل إصلاح التعليم بعيدا عن الأنانية، وعن أي حسابات سياسية ترهن مستقبل الأجيال الصاعدة، بدعوى الحفاظ على الهوية. ويجب أن تهدف الإصلاحات للتعليم في المغرب إلى تمكين المتعلم من اكتساب المعارف والمهارات، وإتقان اللغات المحلية والأجنبية، لا سيما في التخصصات العلمية والتقنية التي تفتح له أبواب الاندماج في المجتمع كما تمكنه من اكتساب كفاءات تخول له الانخراط في سوق الشغل.

من ناحية أخرى ثبت اليوم أن التكوين المهني قد أصبح قطب الرحى في جميع القطاعات التنموية عالميا وهو نفس الدور الذي يجب أن يلعبه في المغرب، لذلك ينبغي الانتقال من التعليم المهني الأكاديمي التقليدي إلى تكوين مزدوج يضمن للشباب الحصول على عمل في وقت وجيز.

هذا ما يجعل إصلاح التعليم وقطاع التكوين المهني في حاجة إلى صياغة تنجز في إطار تعاقدي وطني ملزم، ليسفر على النتائج المرجوة من ورائه وذلك من خلال اعتماد قانون إطار يحدد الرؤية على المدى البعيد، ويضع حدا للدوامة الفارغة لإصلاح الإصلاح، إلى ما لا نهاية.

العائلات المغربية تبحث عن جودة التعليم بالانفتاح على اللغات الأجنبية والمدارس الخاصة التي توفر فرص شغل أكثر

وفي تعليقه لـ”العرب” حول الإصلاحات المقترحة لقطاع التعليم، أشار د.عثمان الزياني أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري بجامعة مولاي إسماعيل، بمكناس، إلى أن تخصيص حيز زمني كبير من الخطاب الملكي لقطاع التعليم فيه استشعار لما آل إليه هذا الورش الإصلاحي والذي اعتبره الملك قطاعا مصيريا حيث لم يحقق الرهانات التي تم التخطيط لها وما زال لم يصل إلى المستوى المطلوب.

وذكر أستاذ العلوم السياسية أن الخطب الملكية غالبا ما تحمل في ثناياها أبعادا تشخيصية لواقع قطاعات معينة وترمي إلى التحسيس بمختلف الاخلالات التي تعانيها ومن بينها قطاع التعليم الذي يعد أحد المجالات التي تعرف الكثير من المشاكل.

وأكد الزياني أن الإصلاح الحقيقي للتعليم يجب أن يقوم على أساس هجر المنظور التقليدي للتعليم الأكاديمي، والاستثمار في التعليم التقني والمهني والتكنولوجيا الحديثة.. وقال إن هذا الخطاب يأتي في سياق أزمة التعليم التي يعرفها المغرب، حيث يحمل في طياته مضامين دالة على حجم الاختلال الذي يعرفه القطاع في جميع المستويات.

وبخصوص دور المدرسة العمومية في النهوض بجودة التعليم والمساهمة في التنمية، نبه محدثنا إلى ضرورة إعادة الاعتبار للمدرسة المغربية التي فقدت الكثير من بريقها وتخلفت عن القيام بأدوارها التنموية والتربوية.

ونوه إلى أهمية التأكيد على الارتباط المفصلي بين إصلاح التعليم وتحقيق التنمية والارتقاء الاجتماعي، بالإضافة إلى تحصين الأفراد من الفقر والجهل والنزوع نحو التطرف.

مستقبل الدولة يبقى رهين مستوى التعليم الذي يتلقاه أبناؤها ومن الضروري أن يظل إصلاح التعليم بعيدا عن الأنانية

واعتبر الأستاذ الجامعي أن توظيف سؤال استفهامي في متن الخطاب، هل التعليم الذي يتلقاه أبناؤنا اليوم في المدارس العمومية قادر على ضمان مستقبلهم؟ هو في مضمونه تعبير عن عدم جدوى منظومة التعليم المعمول بها في الوقت الراهن.

وأكد عثمان الزياني، أن العملية التعليمية تحتاج إلى إصلاحات جذرية تستمد أصولها ومرجعيتها من خلال بلورة منظور استراتيجي شامل لإصلاح المنظومة التربوية بصفة عامة والتي تنهل معينها من خلال تقييم تطبيق ميثاق التربية والتكوين المهمة التي كلف بها المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي.

وشدد الجامعي الزياني على أن العائلات المغربية تبحث عن جودة التعليم من خلال الانفتاح على اللغات الأجنبية والمدارس الخاصة التي رغم تكلفتها الباهظة إلا أنها توفر فرص شغل أكثر وتتيح لأبنائهم إمكانية الانخراط في الحياة العملية.

هذا ما اعتبره إيذانا بالأزمة التي أضحى يعرفها قطاع التعليم العمومي الذي لم يعد يستجيب للرهانات المختلفة على جميع الأصعدة خاصة على مستوى التشغيل.

وعرج الزياني على أهمية التحرر من النظرة السلبية لقطاع التكوين المهني وعدم اعتباره ملاذا للفاشلين، وعلى أن نجاح الفرد غير مرتبط فقط بالحصول على شهادة البكالوريا، حيث أصبح التكوين المهني أساسيا في العملية التنموية.

وختم بالقول بأن أي عملية إصلاحية لقطاع التعليم لا يجب أن تنحصر في دوامة إصلاح الإصلاح، وإنما وجب وضع قانون إطار على المدى البعيد، وذلك في إطار تعاقدي وطني ملزم، وهي دعوة صريحة من أعلى هرم في السلطة لإشراك جميع الفاعلين في هذا المجال.
17