إصلاح الجامعات العربية مفتاح للتغير في المجتمع

الثلاثاء 2013/12/24
القطاع الخاص بالعالم العربي لا يهتم بالبحث العلمي

إن الجامعة هي الركن الأساسي والجوهري في عقل الأمة وضميرها، فهي البوتقة التي تخرج منها الرؤى والأفكار والأبحاث في فروع المعرفة كافة، وقد أثبت التاريخ الحديث أن تقدم الأمم مرتبط بالمستوى العلمي لجامعاتها.

إن إصلاح الجامعات يجب أن يكون كاملا وشاملا، فهو يعد من أهم مفاتيح التغيير والنجاح في المجتمع. لذلك فإن الخطوة الأولى للإصلاح تكمن في تشخيص المشاكل المؤدية إلى أزمة الجامعات والبحث العلمي، وأهمّها المشاكل الإدارية والفنية، إضافة إلى الافتقاد للرؤية الشاملة ببعدها التكاملي.

ويمكن القول إن خلاصة مقاييس الجودة العالمية في المجال الجامعي، تتركز حول هدف أساسي وبارز هو إنتاج المعرفة. ذلك أن المؤسسات الجامعية الكبرى التي تخصّص ميزانيات هائلة، فمثلا “ميزانية جامعة هارفارد الأميركية تبلغ 35 مليار دولار سنويا”، حيث تتحصل على أعلى الرتب العالمية وتسعى إلى أن تكون من أهم وظائفها إنتاج المعرفة، وتخريج نخب قيادية من أصحاب الكفاءة العقلية والنفسية التي تخول لهم التفوق والنجاعة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية والسياسية.

لذلك فإن خروج كل الجامعات والمراكز البحثية العربية من الترتيب العالمي لأفضل 500 جامعة على مستوى العالم كل عام، أمر طبيعي ومنطقي في ظل تدني مخصصات التعليم والبحث العلمي، واستمرار نزيف هجرة العقول العربية إلى الخارج، وسيطرة الأجواء الطاردة للكفاءات والقدرات، مع انخفاض دخول الأساتذة، وعدم تقدير صناع القرار للعلم والعلماء، وغياب حريات البحث العلمي كجزء أساسي من تقييد منظومة الحريات العامة في البلدان العربية. كما أن القطاع الخاص بالعالم العربي لا يحتاج للبحث العلمي ولا يهتم به، لأنه يعتمد على التكنولوجيا المستوردة، بينما القطاع الخاص في أوروبا والدول المتقدمة هو الذي يمول البحث العلمي ويعتمد عليه، إضافة إلى عدم الاهتمام بالتعليم ما قبل الجامعي، لأنه في تدهور مستمر، وتدهوره يعني تدهور التعليم الجامعي، وتدني البحث العلمي.

أضف إلى ذلك ارتفاع نسبة الأمية في العالم العربي، وهي دلالة واضحة على الخروج من دائرة التاريخ في المستقبل القريب، رغم أن الجامعات العربية تزخر بالكوادر العلمية الراقية في الداخل والخارج، ولكن المشكلة تكمن في وجود منظومة إدارية فاشلة.

لكن جل الجامعات العربية تفتقد للرؤية الشاملة والفلسفة التعليمية التي تؤسس عليها المداخلات المعرفية التي تقدمها للطلبة والمنهجية المعتمدة في التكوين. ذلك ما جعل الفكر السائد بين خرّيجيها يتأرجح بين المحافظة والتقليد وبين الاتباعية التي لا تتجاوز مستوى نقل المعلومات، وهو مستوى مغاير نوعيا لمستوى نقل المعرفة لما يفضي إليه الأول من انبهار، وما يحققه الثاني من وعي ينتج عن تركيز المنهج العلمي في الفكر والسلوك.

من البديهيات في الإدارة العامة أنّ الأداء الفعال لأية مؤسسة مرتبط بمدى توفر الهيكل الإداري الواضح والمستقر وهذا ما تفتقر له الجامعات العربية، حيث أن اختيار القيادات الجامعية بجميع مستوياتها غالبا ما يعتمد على الولاء للأعلى ومن ثم المؤهلات المطلوبة، وهو ما يعكس ضعف الرؤية الإستراتيجية وعدم الرغبة في الاجتهاد والتغيير، وانخفاض مستوى دخل عضو هيئة التدريس بما يؤثر ذلك سلبا على عطائه العلمي والبحثي.

كما أن السلطة المطلقة للقيادات الجامعية وسيادة المؤثرات الشخصية في اتخاذ القرار عامل آخر في ضعف الأداء.

تقدم الأمم مرتبط بالمستوى العلمي لجامعاتها وإصلاح الجامعات يجب أن يكون كاملا وشاملا، فهو يعد من أهم مفاتيح التغيير والنجاح

ودون شك فإن هدف الإصلاح، هو محاولة الخروج من الأزمة العميقة التي يعرفها نظام التعليم العالي بصفة عامة والجامعي بصفة خاصة. لكن الأزمة، في مختلف أبعادها وعناصرها لا تهم الجامعة فقط بقدر ما تمتد إلى المحيط بمكوناته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ذلك أن الجامعة جزء لا يتجزأ من المجتمع، وبالتالي يستتبع إصلاحها إصلاح محيطها.

لقد ظل تعليمنا تعليما هجينا رغم أن الجميع ظل يطرح ومنذ مدة طويلة، بأن التعليم في الوطن العربي بحاجة ماسة إلى إصلاح عميق جدا وجذري على مستوى البنيات والمضامين والآفاق. وأنه لا يمكن إصلاح التعليم دون إصلاح الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

ولعل المشكلة الرئيسية التي تعوق فعالية مؤسسات التعليم العالي، هي الإدارة والحرية الأكاديمية والاستقلالية والرقابة، وهناك اتفاق عام بأن الجامعات في الدول العربية أصبحت أشبه بالمصانع القديمة التي بنيت في غير الموقع المناسب لها والتي زادت إنتاجها الكمي وقل إنتاجها النوعي، من دون أن يطرأ عليها أي تغيير يذكر.

إن الجميع يتوقع أن يساعد التعليم في بناء قوة عمل مؤهلة وخلاقة تستطيع أن تتكيّف مع التكنولوجيات الجديدة، وأن تشارك في “ثورة الذكاء” التي هي القوة المحركة لاقتصاداتنا، وأيضا أن يقوم التعليم بدفع المعرفة بطريقة تسمح بأن تسير التنمية الاقتصادية جنبا إلى جنب مع الإدارة المسؤولة على البنية المادية والبشرية، وكذلك الحفاظ على الخصوصيات الثقافية مع الانفتاح على الثقافات الأخرى والالتزام بتقدم المجتمع.

ودون شك فإننا نحتاج اليوم إلى رسم رؤية مستقبلية للارتقاء بكفاءة نظام التعليم العالي من خلال خطة تكون ذات رؤية واضحة وبمعايير تحدد احتياجات نظام التعليم العالي وأنماطه ونوعية مخرجاته وأساليب تمويله، كما تهدف إلى تحقيق الاستغلال الأمثل والأكفأ للموارد البشرية في مؤسسات التعليم العالي وتشجيع البحث العلمي وتوثيق العلاقات المتبادلة مع مؤسسات القطاعين الحكومي والأهلي لرفع مستوى المساندة المالية للإنفاق على أنشطة البحوث التطبيقية والتطوير التقني وتوثيق العلاقة المتبادلة مع القطاع الخاص. والخلاصة، تبدو الصورة غير زاهية في تقييم دور الجامعات العربية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية لأنها مازالت في حالة نوم عميق لا تنتج إلا شخير معلومات خارج تغطية الزمن!


أكاديمي وباحث مقيم في الإمارات

17