إصلاح الجحيم

الاثنين 2015/02/23

لا تتعب نفسك يا أستاذ، لقد طفح الكيل بنا وبلغ السّيل الزّبى وأصبحت معركة الإصلاح الديني التي تتكلم عنها مجرّد مواجهة دونكشوتية مع طواحين الهواء. لنقل إن مثل هذا الرهان قد جاء بعد فوات الأوان. لا أمل في الأفق القريب ولا رجاء في الأفق الأبعد، وليس بالإمكان إنقاذ أيّ شيء. أما شعار الوسطيّة والاعتدال فما عاد يُقال إلاّ قليلاً وعلى خجل ووجل، وبنحو يبعث على الملل. وربما أصاب الروّاة القدامى كبد الحقيقة يوم دوّن بعضهم حديثا منسوبا للرسول يقول: بدأ هذا الدين غريبا وسيعود غريبا. لكن هل كان هناك أحد يتوقع غربة مرعبة بهذا الوجه؟ ثم يقال لي، لقد خسرنا معركة الإصلاح قبل بدئها؛ فهذا الدين أساء إليه حرّاسه إساءة بليغة، ومرّغوه في الدماء وعاثوا فيه فسادا وخرابا، وتركوه منخور الدّاخل مترهل الحال، متهاوي الأركان، لا سبيل إلى ترميمه ولا طريق إلى إصلاحه. يوشك السقف أن ينهار على رؤوسنا، ويوشك المركب أن يهوي إلى القعر، والأجدر بنا أن نقفز من السفينة قبل الغرق. هكذا يقال لي في بعض الأحيان. كلمات قاسية يائسة لكنها كلمات. فماذا أقول؟

نعم، لقد أفسد حرّاس الدين علينا ديننا، وجعلوا “دار الإسلام” تبدو كأنها جحيم لا أول له ولا آخر، فتنة تلد أخرى، حريق ينطفئ في مكان ليشتعل في أكثر من مكان. طال التفجير المجاني والتدمير الجنوني كل المرافق والمنشآت وما عاد يستثني وطنا أو مكانا أو إنسانا. الهدف هو كل شيء وأيّ شيء، مدارس الأطفال والمستشفيات، دور العبادة والمساجد والمزارات، المقاهي والمقابر والمحطات، لا شيء ينجو من الطوفان.

من ليبيا إلى الصومال ونيجيريا والعراق وسوريا تتسع دوائر الجحيم يوما بعد يوم، من إرهاب شنيع إلى إرهاب أشنع، من جريمة فظيعة إلى جريمة أفظع، ثم ماذا بعد؟ أصبحت مقاومة اليأس مهمة صعبة لكنها مهمة، ويبدو إصلاح هذا الجحيم في نظر البعض جهدا بلا جدوى، لكن السؤال: كيف سيصبح الوقت إذا لم نضيعه في محاولة إصلاح الأذهان والوجدان والأديان؟

مقابل الرأي الذي يرى أنّ لا أمل في الإصلاح الديني، أعتقد، وهذه قناعتي، بأن الإسلام على مستوى العقيدة ليس فقط قابلا للإصلاح، لكنه قابل أيضا لأن يصبح من بين الأديان الأكثر تناغما مع مقتضيات الحداثة السياسية في كل أبعادها، وليس في هذا أي مبالغة أو توهم. فعلا فإنّ الوضع بائس الآن وباعث على اليأس في أكثر من مكان، وربّما لم تبلغ شعوبنا مثل هذا المبلغ من الكراهية والتناحر والتأخر. وكثير من الناطقين باسم الإسلام صاروا أشبه بمصاصي الدماء الآدمية، فتاواهم دماء، وجهادهم دماء، وعلمهم دماء، ومعاهداتهم توقيع بالدماء.

وفي المقابل، يخرج عشرات الشباب يوميا عن دين الآباء كرد فعل ضدّ العنف الأعمى الذي يكتسح دار الإسلام. لكن، وكما أقول وأردد دائما، فإنّ الإسلام رغم أعطابه، يحمل الكثير من بذور التطور الإنساني الخلاق. وما هذا العنف التكفيري الأعمى الذي يعتريه عنوة سوى نوع من التعويض عن الانفتاح المتأصل فيه منذ البدء؛ لأنّ الإسلام في أصله دين بلا سلطة، بلا رجال دين، بلا مؤسسات، بلا مجالس، بلا مجامع، بلا لجان، بلا حراس، بلا أحزاب، بلا ناطقين رسميين باسمه. ثم إنّ قواعد الزّواج توافقية، وقواعد الطلاق توافقية، ومراسيم الولادة والتسمية عرفية، وشعائر الدّفن عرفية، ثم إنّ إمامة الصلاة طوعية، والفتوى لا تلزم من لا يراها ملزمة، وخليق بكل فرد أن يستفتي قلبه، ولأجل كل هذا نقول: لا كهنوت في الإسلام. لكن، ما معنى هذه العبارة: لا كهنوت في الإسلام؟

معناها أن لا سلطة دينية في الإسلام ومن ثم لا معارضة دينية في الإسلام كذلك. أليس كذلك؟ معناها أن لا دولة دينية في الإسلام ومن ثم لا أحزاب دينية في الإسلام كذلك. أليس كذلك؟ معناها أن لا سلطة تنفيذية في الإسلام ومن ثم لا سلطة تشريعية كذلك. أليس كذلك؟ معناها أن لا تفويض إلهيا، ومن ثم لا تفويض رسوليا كذلك، ومن ثم لا تفويض صحابيا كذلك، ومن ثم لا تفويض تابعيا كذلك أليس كذلك؟ ومن ثم فإن أصدق القول أن نقول: (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يفعلون).

والسؤال، ألا يمكننا البدء بمحاولة استعادة هذه المرونة العقائدية الأصلية، وذلك لأجل إعادة بناء وعي ديني جديد، أكثر انسجاما مع مقتضيات الحداثة السياسية القائمة على الفرد والتعاقد الاجتماعي؟

هذا ليس ممكنا وحسب، بل هو الممكن الآن. وأما سوء الأحوال وكثرة الأهوال فهما دليل مفجع على أن السير في نفس الطريق أصبح من باب المحال.


كاتب مغربي

9