إصلاح المجتمع ضرورة لإصلاح الاقتصاد في العراق

الخميس 2016/08/18

لا يقدم الحديث عن موضوع تنويع مصادر الدخل في العراق وتقليل الاعتماد على مورد النفط، أي جديد بعد أن تم طرحه مرارا في النقاشات الاقتصادية والبرامج السياسية للحكومات المتعاقبة في العراق.

لكن تجدد الحديث عنه هذه المرة يأتي بعد تدهور أسعار النفط العالمية من 110 دولارات للبرميل الواحد إلى ما دون 50 دولارا للبرميل بعد ذلك، والتداعيات الخطيرة التي انعكست على الأوضاع الاقتصادية في البلدان المصدرة للنفط.

ويعدّ العراق من أكثر البلدان تضررا من تدهور الأسعار، لأن النفط يمثل المورد الرئيسي لإيراداته، حيث يشكل ما يصل إلى 95 بالمئة من إيرادات الموازنة العامة للدولة، ولذلك تفجر العجز المالي وما ترتب عليه من انخفاض في حجم الإنفاق الحكومي.

وهذا ما جعل من موضوع الإصلاح الاقتصادي ضرورة حتمية لا مناص منها، وهو ما دفع الحكومة للحديث عن وضع خطة استراتيجية للإصلاح الاقتصادي باعتبارها أولوية قصوى، كرد فعل مباشر على الانحدار الكبير في إيرادات صادرات النفط الخام.

وأصبح تنويع مصادر الدخل من أجل ضمان استمرار تدفق الإيرادات من مصادر غير صادرات النفط، ضرورة ملحة، بسبب التقلبات الحاصلة في أسعار النفط، وهنا يمكن أن نطرح سؤالا مهما هو:

هل ستنجح الحكومة في تحقيق الإصلاح الاقتصادي وتتمكن بالفعل من تقليل الاعتماد على النفط؟ وكيف ستتمكن من تحقيق ذلك في ظل الظروف والتحديات الكبيرة التي تحاصرها؟

والجواب على ذلك وهو ليس بخاف على الجميع، هو أن الحكومة ستجد صعوبة بالغة في تحقيق ذلك على الأقل في ظل تحديات أمنية مصيرية وتخبطات سياسية مستمرة وغياب وحدة القرار وصناعته وفق رؤية مركزة وموحدة، يمكنها أن تضع البلاد على الأقل ضمن المسار الصحيح.

وقد يثير بعض الاقتصاديين سؤالا من نوع آخر، هو: ماذا لو كانت الأوضاع في العراق تتسم بالاستقرار الأمني والسياسي وحتى الاقتصادي، فهل ستنجح الحكومة في برنامجها الإصلاحي؟

والقصد من السؤال هو: هل التداعيات الأمنية والسياسية والتدهور الاقتصادي المتمثل في تفشي الفساد المالي والإداري وانخفاض أسعار النفط العالمية وغيرها من الأزمات، هي المعرقل الوحيد لتحقيق الإصلاح؟

وهنا يكون لزاما علينا أن نمحّص في التدقيق ونتعمّق في التفكير أكثر! وذلك من خلال ما تظهره التجارب الناجحة للكثير من الدول التي نجحت في تحقيق قاعدة صناعية وتنموية متطورة أو على الأقل نجحت في تحقيق الاستقرار الاقتصادي ومعالجة الكثير من اختلالاتها الاقتصادية.

ويقودنا ذلك إلى خلاصة مفادها أن المسألة لا تتوقف عند حدود الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية كالتي يعيشها العراق، بل إن المتتبع لمسار هذه الدول يرى أن ثمة هناك تحولا كبيرا حصل في النهج العام للدولة، لا يتوقف عند الجانب السياسي فقط، بل يمتد إلى التغيير والإصلاح في المنظومة العامة للدولة، ويصل إلى جميع أركانها السياسية والاقتصادية، والدليل الرقي الاجتماعي الذي حققته تلك البلدان والذي يعتبر نتيجة واضحة لعملية التغيير الشاملة.

إذن ما هو المطلوب من الحكومة لتحقيق هذا الإصلاح؟ وما هي المهمة المناطة بها والواجب الذي عليها فعله لتحقيق الإصلاح الاقتصادي؟

من البديهيات الراسخة أن الاقتصاد يرتبط بشكل كبير بالسياسة، وعليه فمن أجل إصلاح الاقتصاد لا بد أن يكون هناك إصلاح سياسي.

ولكن كيف يتم إصلاح الاقتصاد المرتبط بحلقة السياسة التي تعاني من الفوضى؟ تلك المعادلة مغلقة وتحتاج إلى متغير آخر من أجل تحقيق التوازن، فإذا كان إصلاح الاقتصاد مرهونا بإصلاح السياسة، فمن يصلح السياسة إذا ما كانت غير فاعلة أو فاسدة أو غير قادرة على تحقيق أهدافها؟

إصلاح السياسة مرتبط بإصلاح المجتمع، وهذا ما يمكن تلمسه في مسيرة تلك الدول التي نجحت في التحول أو الإصلاح الذي حققته وعلى كافة الأصعدة، فالسياسة هي انعكاس لطبيعة المجتمع الذي تنصهر وتتفاعل فيه منظومة القيم والعادات والأخلاقيات والسلوكيات التي تظهر بشكل نهائي في صورة السياسي الذي يقوم باتخاذ القرارات اللازمة للإصلاح.

ويعود الجدل إلى محور المعضلة: كيف يتم إصلاح المجتمع؟ ومن المسؤول عن هذا الإصلاح أو من يقوم به؟

لكن السؤال الأهم الذي يمكن طرحه هنا هو ما هي الآليات التي يمكن اعتمادها في تحقيق ذلك؟ أي ما هي آليات الإصلاح اللازمة لتحقيق إصلاح المجتمع؟

لذلك فإن وضوح آلية إصلاح المجتمع والاتفاق عليها هو حجر الأساس في الموضوع. وهو الذي يمثل الحل الذي سيجعل هذا البلد قادرا على الخروج من عنق الزجاجة وتفادي الأزمات الحالية والمستقبلية، لأن تحقيق الإصلاح الاجتماعي هو الكفيل بتقييم وتقويم مسار عمل السياسة.

ينبغي للتقييم أن يكون نابعا من صميم مجتمع واع وناضج يعرف أولوياته وأهدافه ويتفاعل مع القضايا الهامة الخاصة به بشكل إيجابي. لذلك ينبغي أن نبدأ بإصلاح المجتمع لكي تكون الطرق المتعارف عليها للتقويم والتغيير، قادرة على وضع وصنع نموذج سياسي يعكس الصورة المجتمعية السليمة ويحقق أهدافها في التنمية والرفاه والاستقرار سواء كان أمنيا أو سياسيا وحتى اقتصاديا، وهذا ما يجب السعي من أجل بلوغه.

مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية

11