إصلاح المنظومة التربوية في المغرب ينطلق بالاستفادة من مزايا التقييم

يلعب التقييم دورا محوريا في رسم السياسات التربوية ذلك أنه أداة للوقوف على نقاط الضعف والقوة فيها، وتعتمد مؤسسات التعليم في الدول الغربية على متابعة استراتيجياتها من خلال القيام بعملية تقييم دورية لخططها بغرض بناء الاستراتيجيات المستقبلية انطلاقا منها، وهذا ما تسعى المملكة المغربية لتطبيقه على استراتيجياتها فيما يخص إصلاح منظومة التربية والتكوين والنهوض بمستوى التعليم والبحث العلمي.
الثلاثاء 2015/11/03
إصلاح منظومة التربية والتعليم باعتماد التقييم يحسن آداء المدرسة المغربية

الرباط - أهمية التقييم العلمي والموضوعي تكمن في كونه يضع صانعي القرار والفاعلين التربويين وأسر المتعلمين أمام حقيقة الواقع التربوي والتكويني، بما يفضي في المحصلة إلى فتح نقاش موسع حول السبل الكفيلة بتطوير وتحسين أداء مؤسسات التربية والتكوين والبحث العلمي، هذا ما أكده رئيس المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، السيد عمر عزيمان، خلال الندوة الدولية، التي نظمتها الهيئة الوطنية لتقييم منظمة التربية والتكوين والبحث العلمي لدى المجلس في الرباط حول: “التقييم في التربية والتكوين: المقاربات والرهانات والتحديات”.

وأجمع الحضور من أعضاء الحكومة المغربية وخبراء ومهنيين ميدانيين وجامعيين مغاربة وأجانب، أن التقييم التربوي والتكويني ليس فقط مجرد رصد للاختلال بل ينبغي أن يتجه أساسا نحو الرصد القبلي للصعوبات واستدراك التعثرات وتثمين الإنجازات وتوطيد المكتسبات وتطويرها.

ونظرا للدور الذي يلعبه التقييم في تحديد الاستراتيجيات والسياسات العمومية في التربية والتكوين تم طرح القضايا المرتبطة بالمقاربات والآليات ومجالات تدخل التقييم في التربية والتكوين والبحث العلمي، وهو ما من شأنه أن يوضح الأهداف المرجوة من السياسات العمومية للتربية والتكوين خاصة في ظل الإصلاح التربوي الذي شرع فيه المغرب، في إطار الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030 المعدة من قبل المجلس، والتي يحتل كل من التقييم والتتبع المستمرين مكانة محورية ضمن توصياتها، باعتبارهما ضمانتين لإنجاح الإصلاح وقيادة التغيير.

ودارت أشغال الندوة حول أربعة محاور تتمثل في “الأطر النظرية ومقاربات التقييم” و“الإطار المؤسساتي للتقييم من منظور مقارن” و“مكتسبات التلاميذ وعمليات التعلم” و“نتائج التقييم والسياسات العمومية” وتدرجت المواضيع المقدمة من قبل المحاضرين من التقديم النظري لعملية التقييم بمختلف وسائله ومراحله حيث تم عرض أهمية التقييم في دراسة وتطوير المنظومات التعليمية إلى تقديم تجارب دولية في التقييم لدى بعض المؤسسات التعليمية وطرح الوضع الراهن للتربية والتكوين في المغرب وهو الموضوع الذي قدمه مدير التقويم وتنظيم الحياة المدرسية والتكوينات المشتركة بين الأكاديميات، في وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني بالمغرب محمد الساسي، في ورقته بعنوان ﻣﻨﻈﻮﻣﺔ ﺍﻟﺘﻘﻮﻳﻢ ﺍﻟﺘﺮﺑﻮﻱ ﺑﺎﻟﻤﻐﺮﺏ: ﺍﻹﺭﺳﺎﺀ ﻭﺁﻓﺎﻕ ﺍﻟﺘﻄﻮﻳﺮ.

وقدم عدد من الخبراء الأجانب في مجال التقييم محاضراتهم ومن بينهم ناتالي مونس، رئيسة المجلس الوطني لتقييم النظام المدرسي في ورقة بعنوان: “تقييم المنظومات المدرسية أداة لبناء السياسات المدرسية على المدى الطويل”. وقدمت مارغريت كلارك، الخبيرة في التربية، في البنك الدولي دراسة تحليلية للبرامج التقييمية الجهوية والدولية، كما ركز بعض المشاركين على دور التقييم في جودة البحث العلمي وعرضت تجارب أجنبية في محاولة للاستئناس بها من بينها التجربة الإيطالية والهولندية والأميركية.

عمر عزيمان رئيس المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي: التقييم يجب أن يقوم على أدوات ومؤشرات مؤسسة علميا، ومتعارف عليها دوليا، تتسم بالموضوعية

ويهدف المجلس الأعلى للتربية والتكوين المغربي من خلال هذه الندوة إلى دعم استراتيجيته لإصلاح المنظومة التربوية التي تمتد من 2015 إلى 2030 من خلال مواكبتها ودعم سبل إنجاحها بعملية تقييم من أجل الارتقاء بجودة المدرسة المغربية. وقال رئيس المجلس، عمر عزيمان، إنه من الضروري القبول الجماعي بالتقييم، بوصفه قيمة تهدف إلى التطوير والتقدم والارتقاء، وبقدرته على الإسهام في تقوية التعبئة حول قضايا المدرسة. وأضاف أن التقييم يجب أن يتم بناء على أدوات ومؤشرات مؤسسة منهجيا وعلميا، متعارف عليها دوليا، تتسم بالموضوعية والشفافية، وتأخذ بعين الاعتبار شروط المنظومة التربوية والمؤسسات وتطلعات المجتمع وتحديات العصر.

ودعا المؤسسات المشرفة على التربية والتكوين والبحث العلمي إلى “التبادل المنتظم والإصغاء المتفاعل، المبني على تحقيق قيمة مضافة”، مع الهيئة المضطلعة بالتقييم، لافتا إلى أنّ عملية التقييم ليست مجرد رصد للاختلالات، بل ينبغي أن يتجه دورها إلى أبعد منها، وذلك بالرصد القبلي للصعوبات، واستدراك التعثرات، وتثمين الإنجازات، وتوطيد المكتسبات وتطويرها، والبحث المستمر عن كل ما من شأنه أن يدفع بالمنظومة التربوية نحو تحسين أدائها ومردوديتها.

من جانبها وضحت مديرة الهيئة الوطنية للتقييم لدى المجلس الأعلى للتربية والتكوين، رحمة بورقية، أن الهيئة الوطنية للتقييم تلتزم بتطبيق توصيات المجلس الأعلى للتربية والتكوين، مشيرة إلى أن إرساء قواعد التقييم سيكون مبنيا على الاستفادة من المكتسبات المتراكمة، والإنجازات المحققة، سواء في المحيط الوطني أو الدولي، والانفتاح على الأنظمة التقييمية الوطنية والدولية.

وأضافت أنّ المنظومة التربوية مطالبة بالاستجابة لمبدأ المحاسبة الدستورية والثقافية، مؤكدة أن التقييم يأتي لتنظيم سير الاستراتيجية المتبعة وحسن تدبيرها، داعية إلى أن تتلاءم الدولة مع “عولمة التربية، وأن يتم اعتماد التناوب على التقييم الداخلي للمؤسسات والتقييم الخارجي”، معتبرة أن الهدف من التقييم هو الدفع بالسياسة العمومية في مجال التربية إلى الأمام ووضع التربية على سكة الجودة.

وأشارت رئيسة هيئة التقييم إلى أن عددا من البلدان المتقدمة لم تشهد أنظمتها التربوية قفزة نوعية إلا بعد إجراء “تقييمات صادمة”، مثل الولايات المتحدة الأميركية، التي عرفت صحوة للإصلاح سنة 1983، عقب صدور خلاصات تقييم بعنوان “الأمة تواجه مخاطر”، يحذر من ضعف الارتقاء بالنظام التربوي الأميركي، مؤكدة أن الإصلاح العميق للمنظومة التربوية في المغرب يستدعي الاستفادة من خبرات الهياكل الوطنية والدولية للتقييم، بغية إنجاح الإصلاح، كما شددت على أن التقييم لا يجب أن ينحصر فقط على المقارنة مع المنظومات الدولية.

17