إصلاح النظام الإيراني عملية عقيمة

مطلب الشعوب الإيرانية يعتبر من المطالب المشروعة وينسجم مع السياسة الأميركية الجديدة المقرونة بالعقوبات الصارمة تجاه طهران لإرغام نظامها على إصلاح ذاته.
الجمعة 2018/09/14
بنية النظام الإيراني ممتنعة عن الانفتاح كليا

يعتقد الكثير من الإيرانيين أن بنية نظام الجمهورية الإسلامية غير قابلة للإصلاح، ورحيل هذا النظام بجناحيه الإصلاحي والأصولي بات مطلبا أصيلا للشعوب الإيرانية. تعزز هذا المطلب عندما صدحت حناجر المحتجين في مختلف الأقاليم الإيرانية بهتاف «الموت للدكتاتور»، وكان المقصود هنا رأس نظام الجمهورية الإسلامية، المرشد الأعلى علي خامنئي (الولي الفقيه).

يعتبر مطلب الشعوب الإيرانية الداعي إلى رحيل رجال الدين من المطالب المشروعة، وينسجم كليا مع رغبة دول الإقليم والسياسة الأميركية الجديدة المقرونة بالعقوبات الصارمة تجاه طهران، لإرغام نظامها على إصلاح ذاته على الأقل، وأن تكون إيران دولة طبيعية كغيرها من دول الإقليم، وتحترم شعوبها وجيرانها في آن واحد. إلا أن ما يخيفنا في هذا المقام كثرة المفاوضات السرية (تحت الطاولة) والمراوغات والخدع السياسية التي يمارسها رجال الدين، في الداخل والخارج، منذ أن استلموا السلطة في إيران إلى اليوم.

منذ اليوم الأول للاحتجاجات الأخيرة (30 ديسمبر 2017) التي سميت بثورة الجياع، والمستمرة (بالرغم من انحصارها في المدن الرئيسية للأقاليم كطهران والأحواز)، حاول النظام الإيراني استمالة الشعوب الإيرانية بحجج واهية كتأثير العقوبات الأميركية على الوضع المعيشي في البلاد، وفشل حكومة حسن روحاني في إدارة الملفات الداخلية والخارجية، إلا أنه فشل؛ لأن الأسباب الحقيقية وراء هذه الاحتجاجات المتجذرة تعود في المقام الأول إلى السياسات العنصرية والاقتصادية الممنهجة في الأقاليم غير الفارسية.

وما نشاهده اليوم من مشاكل اقتصادية (مديونية القطاع العام والخاص للبنك المركزي الإيراني والتي تتجاوز الـ350 مليار دولار/مصادر حكومية) وبيئية خطيرة جدا لا سيما مع اشتداد الصراع بين الأقاليم الإيرانية على مصادر المياه (80 بالمئة من السكان في إيران خلال السنوات العشر القادمة سيواجهون نقصا حادا في مياه الشرب/مصادر حكومية) نتيجة حتمية لما آلت إليه الأوضاع هناك.

من هذه الخدع السياسية التي باتت مكشوفة تلك التي حاول النظام في الأيام الأخيرة من عدوانه على العراق في الثمانينات تمريرها على الإدارة الأميركية برئاسة رونالد ريغان، وذلك عندما أرسل صناع القرار في طهران رسالة مفادها أن الخميني على وشك الموت، وإذا مات الرجل فإن المعتدلين من الممكن أن يمسكوا بزمام الأمور هناك.

حينها، كانت الدولة الإيرانية على وشك الانهيار، والأوضاع الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية في حالة يرثى لها، وشبيهة جدا بالوضع الحالي. والملفت في الأمر أيضا، أنه بعد مجيء الرئيس دونالد ترامب، أدركت طهران أن الأيام القادمة صعبة جدا، ولا بد من ممارسة عادتها وسلوكها المخادع والمعهود. فأرسلت طهران إلى الإدارة الأميركية الجديدة، رسالة مفادها أن الوضع الصحي للمرشد علي خامنئي يتدهور، وأن الأخير على وشك الموت.

وفي حال فرضت الإدارة الأميركية عقوبات على طهران، فإن هذه العقوبات قد تؤدي إلى الإضرار بمساعي المعتدلين (روحاني وفريقه) الرامية إلى إصلاح الدولة الإيرانية وجعل خليفة المرشد ذا مكانة دينية فقط، كالتي يتمتع بها السيستاني في العراق.

وبما أن بنية نظام الجمهورية الإسلامية ممتنعة عن الانفتاح كليا، فإن الرغبة الأميركية والإقليمية الداعية إلى تغيير السلوك الإيراني قد لا تحقق أهدفها في المدى المنظور على الأقل، وإذا كانت هذه الرغبة مقرونة بتمكين الشعوب وقواها السياسية، فإن التغيير المفترض لن يحصل أبدا، في ظل ذلك.

وفي هذا السياق، بالرغم من استياء الشارع الإيراني من النظام إلا أنه في الكثير من المناسبات نجده الداعم الرئيسي لهذا النظام وسياسته الداخلية والخارجية، وقد يكون حجم المشاركة في الانتخابات المحلية والبرلمانية والرئاسية في إيران خير دليل على إمكانية أن يقوم رجال الدين وصناع القرار بتوظيف الشارع الإيراني لصالح النظام.

وبالتالي، إذا قارنا حجم الأضرار التي منيت بها المنطقة شعوبا وحكومات من جراء الممارسات والنشاطات التخريبية للحرس الثوري وفيلق القدس ونظام الجمهورية الإسلامية عموما، فإن تكلفة وضع آلية محكمة لدعم الشعوب غير الفارسية في جغرافيا إيران هي تكلفة بسيطة جدا وكفيلة أيضا بإيقاف نشاطات إيران المزعزعة في الإقليم بأكمله، وقد تؤدي إلى تغيير النظام من الداخل.

6