إصلاح حال السجون في مصر ضرورة أمنية وحقوقية

بيانات رسمية تكشف أن أعداد المفرج عنهم منذ مطلع عام 2018 بلغ 12 ألف سجين.
الثلاثاء 2018/11/20
إفراج مبكر عن مئات السجناء لحل مشكلة الاكتظاظ

القاهرة - تتفق أغلب الدراسات على أن السجون تشكل أرضية خصبة تنمو فيها فطريات الإرهاب والتشدد ومختلف الأمراض الاجتماعية. وكلما امتلأت السجون فذلك ليس دليلا على أن الأمن مستتب بل مؤشر خطير على أن الأمر قد يأتي بعكسه ومن ألقي عليه القبض في جريمة (لا ترتقي إلى جناية) أو بسبب رأي أو تصرف خاطئ قد يتحول إلى خطر حقيقي بعد تجربة الحبس.

وتعتبر هنا قصة محمود شفيق، الشاب صاحب الـ19 ربيعا الذي فجر نفسه في الكنيسة البطرسية وسط القاهرة العام الماضي، مثالا بارزا على ذلك. وكان  شفيق قضى سنة داخل السجن كمحبوس احتياطي، بتهمة الانتماء إلى جماعة الإخوان المحظورة، في وقت لم تكن لديه انتماءات سياسية وبرّأته النيابة العمومية من تلك التهمة.

لكن، لم يعد محمود شفيق الذي خرج من السجن بعد أن حصل على البراءة هو نفسه، بل تمت أدلجته داخل السجن، لينتقل بعد خروجه منه إلى سيناء حيث انضم إلى تنظيم داعش، وانتهى به المطاف انتحاريا فجر نفسه وأودى بحياة 26 شخصا وإصابة آخرين.

تحاول القاهرة عدم تكرار نموذج محمود شفيق، كما تبحث في نفس الوقت عن ثغرة يمكن أن تستفيد منها لدعم سجلّها الحقوقي، وتجنب ملاحقة المجتمع المدني لها بسبب حالة السجون السيئة والمكتظة وحالات الإيقاف متنوعة الأسباب، فالسجون المكتظة، خصوصا في دولة عربية مثل مصر، عنوان لقبضة دولة خانقة أكثر منها آمنة.

وفي خطوة مزدوجة، تخفف بها عن السجون وتجنب الانتقادات الحقوقية في نفس الوقت، رفعت الدولة المصرية من عدد المساجين المفرج عنهم من معتقلين أمنيين وسياسيين وسجناء جنائيين.

وكشفت بيانات رسمية بشأن أعداد المفرج عنهم عن وجود نحو 12 ألف شخص تم الإفراج عنهم العام الجاري، من خلال قرارات عفو رئاسية أو إفراج شرطي لاستكمال العقوبة خارج السجن، وإخلاء سبيل عدد من الغارمين والغارمات، ما يعني أن هناك توجها رسميا لتحسين أحوال السجون وتلافي انتقادات حقوقية.

وعادة ما تتخذ السلطات المصرية من المناسبات الدينية والتاريخية والسياسية، فرصة لربط قرارات الإفراج بها. لكن، تمت مطلع العام 2018 المصادقة على تعديل تشريعي يسمح بالإفراج الشرطي عن الآلاف بعد قضاء نصف مدة العقوبة، بدلا من ثلثيها.

بموجب هذا التعديل من الجائز الإفراج عن المحبوسين في كافة الجنايات التي حكم فيها بأي عقوبة سالبة للحرية، سواء السجن المؤبد أو السجن المشدد أو السجن أو حتى الحبس الاحتياطي لبعض المعتقلين السياسيين، ولا يتأتى ذلك إلا بعد تطبيق البرنامج التأهيلي أو الإصلاحي على السجين.

تم في ذكرى ثورة 25 يناير وعيد الشرطة الإفراج عن 1647 سجينا ومعتقلا، بين عفو رئاسي وإفراج شرطي وتسديد ديون غارمين وغارمات وإخلاء سبيلهم، وخرج 4003 سجناء بالتزامن مع ذكرى تحرير سيناء في 25 أبريل الماضي. وأفرج عن 3400 سجين في أول أيام عيد الفطر الماضي، وتكرر الأمر بعد أقل من شهر بالتزامن مع ذكرى ثورة يوليو وخرج من السجن 1118 سجين آخر، بجانب الإفراج عن 1700 سجين في عيد الأضحى، ثم الإفراج عن 718 سجينا بمناسبة ذكرى حرب أكتوبر.

ضرورة أمنية

السجن من مؤسسة إصلاح إلى بؤرة للعنف والإرهاب
السجن مؤسسة إصلاح

عبرت حالات الإفراج الكبيرة عن ضرورة أمنية تقضي بتحسين أحوال السجون وعدم السماح بتكدس المسجونين بما يصعّب السيطرة عليهم أمنيا وفكريا، في ظل وجود عناصر إرهابية متطرفة، بجانب أن تحسن الأوضاع الأمنية شجع على الذهاب باتجاه تلك الخطوات.

وهناك ضرورة سياسية ترتبط برغبة الحكومة المصرية في تحسين صورتها الخارجية وهو أمر تجري بلورته ليكون استراتيجية عامة تنفذها على أرض الواقع، والرغبة في إدخال تعديلات على قانون الجمعيات الأهلية وتشكيل لجنة وزارية لإدارة ملف حقوق الإنسان والتواصل مع الخارج لشرح حقيقة الأوضاع، وهو ما تطلب تحسين حالة السجون باعتبارها المطلب الأول للعديد من المنظمات الحقوقية التي تلح على زيارتها.

وأشارت مصادر أمنية لـ”العرب” إلى أن وزارة الداخلية تتعامل مع هذه المسألة من خلال تشديد رقابتها على المفرج عنهم في القضايا السياسية والجنائية، وهو ما انعكس على وجود عقوبات تكميلية يقضيها المفرج عنهم بشكل جزئي داخل أقسام الشرطة أو فرض إقامة جبرية عليهم في منازلهم خلال فترات الليل ومرور دوريات أمنية للتأكد من ذلك، ونهاية بتعهدات كتابية وشفوية مع مسجونين سياسيين بعدم الانخراط في أعمال من شأنها تهديد الأمن القومي.

وقال اللواء مجدي البسيوني، مساعد وزير الداخلية المصري سابقا، إن الجهات الأمنية تسعى لتحقيق معادلة ترتبط بتحقيق الهدف من العقوبة السالبة للحرية بقضاء المدة الأكبر منها داخل السجن من جهة وتطوير أدوات تطبيق العقوبة بمفهومها الحديث باتخاذ جملة من التدابير الرقابية على المتهمين خارج السجن من جهة أخرى، ومن المفترض أن تتطور لتشمل دمجهم في أعمال مجتمعية تضمن عدم عودتهم إلى الجريمة مرة أخرى.

وأضاف أن عملية الإفراج تسبقها إجراءات على مستوى تحريات الأمن العام (المختص بالتعامل مع الجرائم الجنائية)، والأمن الوطني (يتابع نشاطات السياسيين والتنظيمات الإرهابية) بشأن المفرج عنهم، وتلحق بها تحريات إدارة السجون والتي تقدم تقريرا شاملا بشأن سلوكيات السجين ومواقفه أثناء قضائه فترة العقوبة داخل السجن.

وتحدث أحد المفرج عنهم شرطيا (رفض ذكر اسمه) لـ “العرب”، قائلا “الأجهزة الأمنية تحصل على جميع البيانات الخاصة بالأشخاص الذين أتعامل معهم بشكل يومي، وينشط عمل المخبرين السريين في المنطقة التي أتواجد فيها، ولديها مرونة في تحديد محل الإقامة واختيار قسم الشرطة الذي أتردد عليه ثلاثة أيام أسبوعيا لمدة 6 ساعات قبل أن يتم تقليص المدة إلى يومين فقط، وفقا للالتزام وقرب نهاية فترة العقوبة”.

مراقبة شرطية

أكد كريم عبدالراضي، المحامي في مجال حقوق الإنسان بالقاهرة، أن غالبية الأحكام الجنائية الصادرة في أعمال لها علاقة بالعنف، مثل قضايا فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة التابعين لجماعة الإخوان في أغسطس 2013، تطبق عليها المراقبة الشرطية، وأن التحكم في حرية حركة المفرج عنهم بشكل أكبر يكون في القضايا السياسية بوجه عام، لأن ذلك من اختصاص جهازي الأمن العام والأمن الوطني في آن واحد.

وأوضح لـ“العرب” أن الشرطة المصرية تسعى لعدم استقطاب الشباب الذين لا تربطهم صلات تنظيمية بجماعات الإسلام السياسي داخل السجون، لأن السنوات الماضية كانت شاهدة على تحول كثيرين إلى أفكار هؤلاء، وتريد إحكام رقابتها على هؤلاء خارج السجون من خلال تعهدات مكتوبة وتأكيدات بالانخراط في المجتمع وعدم التورط في أعمال عنف.

ولفت اللواء مجدي البسيوني إلى أن عملية المراقبة بالنسبة للجنائيين العاديين خارج السجون أسهل من السياسيين، الذين قد يتعرضون لتقلبات فكرية عديدة بعد خروجهم، بما يصعب السيطرة عليهم، غير أن بقاءهم داخل السجون واختلاطهم بشكل مباشر مع إرهابيين يمثلان خطرا داهما تتعامل معه الحكومة المصرية من خلال مستويات عدة.

وأشار إلى أن التحرك الأول يكون من خلال تخفيض أعداد المسجونين، بما يسمح بتطبيق الفصل بين السجناء حسب ما ورد في قانون العقوبات، ويقسم الجنائيين إلى درجات، وكذلك الأمر بالنسبة للتنظيمات السياسية، ويطالب بوجود كل فئة على حدة، ومتابعة سلوكيات المسجونين واستقطاب من عبروا عن توبتهم عن الانتماء إلى التنظيمات الإرهابية والعمل على محاولة توظيف تلك الرغبة في تسهيل اندماجهم داخل المجتمع بعد الإفراج عنهم.

ويقول معارضون إن خطوات تنظيم أوضاع السجون من خلال الإفراجات أو عبر بناء سجون جديدة قد لا تعود بالنفع على حالة حقوق الإنسان، وتكون دافعا إلى زيادة التربص بالنشطاء والسياسيين، ما يفتح الباب أمام زيادة معدلات الجريمة التي تنتج عندما لا يتم تنفيذ أدوات الرقابة بشكل سليم.

7