إصلاح مناهج التعليم الديني في المغرب ضرورة تاريخية ورغبة داخلية

يحاول الإرهاب أن يتسرّب عبر منظومات كثيرة لعلّ أخطرها التربية والتعليم الديني على وجه الخصوص لما للأخير من تأثير بالغ الأهمية في تكوين الناشئة ومستقبل السلم الأهلي، وكان المغرب سبّاقا لهذه المبادرة عبر الإصلاحات الهيكلية التي أقدم عليها وفق مناهج وخطط محكمة أشرف عليها مختصون وأهل رأي مع الحرص على ربطها بالسلطة العليا في البلاد التي يحتكم إليها الجميع في إدارة الشؤون الدينية والدنيوية.
الاثنين 2016/04/25
التعليم رهان أساسي في مقاومة التطرف

جاء قرار العاهل المغربي الملك محمد السادس في شهر فبراير الماضي بمراجعة مناهج ومقررات تدريس التربية الدينية كركيزة لمنظومة مفاهيمية متكاملة تهدف إلى تطويق كل مسببات الغلو الديني.

ومن أساسيات هذا الإصلاح إيلاء أهمية كبرى للتربية على القيم الإسلامية السمحة والمتمحورة بشكل مركزي حول المذهب السنّي المالكي والوسطية والاعتدال والتسامح والتعايش مع كل الثقافات والحضارات الإنسانية.

فكيف يقيم الباحثون المغاربة معالم إصلاح المناهج الدينية في المقررات الدراسية المغربية في إطار تطويق الفكر المتطرف؟ وما هي أهم الأسس التي يقوم عليها تدبير السياسة الدينية بالمغرب خصوصا في مجالاتها المرتبطة بمؤسسة إمارة المؤمنين؟ أسئلة طرحتها “العرب”، في خضم خطورة الظاهرة الإرهابية وتفاقمها إقليميا ودوليا، وفي إطار المقاربة متعددة الأبعاد التي باشرها المغرب عبر قطع السبل المؤدية إلى التطرف ومواجهة مخرجاته بحزم وبكافة الطرق.

بعيدا عن أي تنميط ثقافي تفرضه ظروف العولمة وقواعدها في السياسة والاقتصاد والهوية، دأب المغرب على التعاطي مع كل مكونات الحضارة وروافدها منذ قرون مضت من منطلق مرن ومتسامح من داخل منظومة فقهية تعتمد على المذهب المالكي فقها وأصولا ومقاصد. ومن هذا المنطلق تكون الدعوة التي أطلقها العاهل المغربي لمراجعة البرامج والمناهج التي تلغي كل فرصة لإملاءات غربية تحاول الربط التعسفي بين الإسلام كدين والإرهاب كسلوك متطرف نابع من تشويه وتأويل مغلوط لنصوص، بعيدة في الأساس على العنف والترويع والغلو.

وهذا التوجه يعززه حديث وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق، عن إصلاح التعليم الديني خلال لقاء نظمته المؤسسة الدبلوماسية بالرباط، الأربعاء 13 أبريل الجاري، بحضور خمسين سفيرا أجنبيا بالمغرب، كون محتوى المقررات الدينية لن يتغير، لكنه سيعتمد على مبادئ قانونية ومقاصد كونية، وسيتمحور حول مبدأ التوحيد لله الذي يبقى هدفه الأسمى هو تحرير الناس عبر إعمال الفكر.

ويضيف التوفيق أن تغيير التصميم البيداغوجي سيتم توسيعه لكي يشمل مجموعة القيم التي تتماشى مع المعارف والعلوم الأخرى، موضحا أن التغيير الذي ينشده لا علاقة له بالتلقين بل بتحرير العقل.

وعرف المغرب في العشر سنوات الأخيرة دينامية واضحة للعيان في تنظيم التعليم العتيق وإعادة هيكلة المجالس العلمية وهيئة الافتاء ودار الحديث الحسنية، بالإضافة إلى تنظيم المساجد وغلق المصليات الصغرى تحصينا لها من السيطرة عليها من طرف دعاة الفكر المتطرف، ناهيك عن تجربته في إدماج العنصر النسوي في عملية الإرشاد، بالإضافة إلى تكوين وتأطير الأئمة في عدد من البلدان الأفريقية.

ترك بعض المناهج مفتوحة من شأنه أن يكون له دور في بروز أجيال متطرفة وغير متسامحة مع قيم الآخر

واعتبر محمد فقيهي، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة سيدي محمد بن عبدالله بفاس، في حديث لـ”العرب”، أن مركزية إصلاح الشأن الديني بالمغرب ظهرت بعد ضم جامعة القرويين إلى معاهد تشرف عليها مباشرة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وذلك لما تحمله الجامعة أولا من رصيد مادي ومعنوي، وثانيا لما لهذه المسألة من علاقة مباشرة بتكوين من لهم صلاحية الإفتاء تحصينا له حتى لا يخوض فيه الدخلاء.

وأضاف الأستاذ الجامعي، أن عملية الإصلاح لها أبعاد على الصعيد الدولي كون المغرب قرر تكوين عدد هائل من الأئمة والمرشدين الدينيين بأفريقيا وبعض دول أوروبا، تأكيدا على نجاح نموذجه في الإصلاح والتدبير للشأن الديني. وتأتي خطوة إصلاح مناهج التربية الدينية في المغرب، بعدما أصدر الملك محمد السادس تعليماته لكل من وزير التربية الوطنية والأوقاف والشؤون الإسلامية بضرورة إحداث مراجعة شاملة لمناهج ومقرّرات تدريس مواد التربية الدينية، سواء في التعليم العمومي أو الخاص.

وحول سياق هذا القرار، قال عبدالإله السطي، الباحث في مجال الجماعات الإسلامية، إنه جاء بناءا على إدماج إصلاح منظومة التربية الدينية الممتدة بين سنوات 2015 وحتى 2030. وذلك من أجل استكمال ورش هيكلة الحقل الديني الذي أقدم عليه المغرب منذ سنة 2004.

وحول الهدف من ذلك قال عبدالإله السطي لـ”العرب”، إن إيلاء أهمية أكبر لقيم الاعتدال وزرع أواصر التسامح والتعايش مع مختلف الديانات والحضارات نابع من عقيدة شاملة ومنفتحة يسعى المغرب إلى تكريسها، لأنّ ترك بعض المناهج مفتوحة من شأنه أن يكون له دور في بروز أجيال متطرفة وغير متسامحة مع قيم الآخر. وضمانا لعدم استغلال الخطاب الديني من طرف بعض الفئات أو الجمعيات، كانت مؤسسة إمارة المؤمنين بالمغرب هي المخولة بالبث في كل ما يتعلق بالشأن الديني.

وحتى نتبيّن هل المقصود هو علمنة المناهج الدراسية بالمغرب، جاءت مداخلة أحمد التوفيق لتوضح أنّ تدبير السياسة الدينية أصبح من المواضيع التي تفرض نفسها على الجميع وفاجأت الكثيرين لأنهم كانوا يظنون أننا في سياق تاريخ كوني وقع فيه الفصل بين السياسة والدين، وأن الدين مسألة فردية تهم الأفراد، كما أن الشأن العام، سواء الدولي أو داخل البلدان، لم يعد يهتم بهذه المسألة، فيما عادت عن طريق الإرهاب.

وأكّد محمد فقيهي، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة سيدي محمد بن عبدالله بفاس، أن لهذه السياسة الدينية ميزة مهمة في الاستقرار الديني والعقائدي خصوصا داخل الشريط الجنوبي للمغرب الذي يشكل عمقا استراتيجيا يجب أن يحظى بأهمية قصوى.

وتتميز التجربة المغربية في سياسة الحقل الديني بوحدة المذهب المتمثل في المذهب المالكي ومؤسسة إمارة المؤمنين التي تشكل ضمانة لكل المغاربة في الوحدة والتعايش. وفي هذا السياق أشار الوزير المغربي محمد التوفيق أمام السفراء إلى أنّ المغرب حافظ على البيعة وشكلها الأصلي كعقد مكتوب، ترتكز على خمسة التزامات يتعهد بها رئيس الدولة الذي هو أمير المؤمنين وهي “أن يحفظ للأمة دينها، وأن يحفظ الأمن، وأن يحفظ نظامها العام، والملكية وكل ما يتعلق بالأموال، وأن يحفظ الكرامة والعرض”.

وبناء على ذلك لا يمكن فصل واجبات إمارة المؤمنين كمؤسسة تاريخية يؤطرها عقد البيعة في الحفاظ على الأمن الديني للمغاربة إلى جانب دفاعها عن سيادتها السياسية، وعليه فإنّ المكوّن الديني يظل المحدّد لهوية المغرب وما إصلاح مناهجه التربوية سوى تعبير عن رغبة داخلية استدعتها اللحظة التاريخية في إطار الاستقرار السياسي والروحي والاجتماعي.

13