إصلاح منظومة التعليم العالي في تونس "إمد" بين الضرر والضرورة

تعمل وزارة التعليم العالي في تونس على إصلاح نظام التعليم الجامعي “إمد” المعتمد حاليا في الجامعات التونسية وقد صرح وزير التعليم العالي التونسي سليم خلبوس الأسبوع المنقضي بأنه حان وقت مراجعة منظومة التعليم العالي المعروفة بـ“إمد” (إجازة-ماجستير-دكتوراه). وأعلن عن سلسلة من الإصلاحات التعليمية التي لا بدّ من إدخالها ضمن منظومة التعليم العالي خلال السنوات القادمة.
الثلاثاء 2017/07/25
الالتحاق بصفوف العاطلين عن العمل من حاملي شهائد التعليم العالي

تونس - أدركت وزارة التعليم العالي في تونس، في وقت متأخر، ضرورة الإصلاح وقيمة التطوير لمسلكيّة تعليمية “إمد” التي عجزت عن الإتيان بالنتائج المرجوة منها بعد عقد من الزمن المدرسي. ففي سبتمبر من عام 2006 شرعت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والتكنولوجيا –هكذا كانت تسميتها- في اعتماد نظام «إمد» تكريسا لما سمّاه النظام في تلك الفترة إستراتيجية التنمية الوطنية على صعيد تطوير منظومة التعليم العالي ونظام الشهائد الجامعية في تونس.

وكان الهدف من اعتماد هذه المنظومة تحقيق الانسجام مع المعايير والمنظومات الدولية المتقدمة في مجال التعليم العالي وذلك لخدمة الأولويات التشغيلية وبعث المؤسسات واعتماد الجودة وبناء مجتمع المعرفة.

ومثّل هاجس التشغيل أساس التخلي عن المنظومة الكلاسيكية في الجامعات التونسية التي كانت ترتكز على نظام (الأستاذية، والدراسات المعمّقة ثم الدكتوراه) حيث وقع اعتبارها طويلة من حيث الزمن وضعيفة من حيث إعداد المتخرجين لسوق الشغل ومجانبة للاختصاصات التي تبتغيها المطلبية التشغيليّة.

وتتضمّن منظومة “إمد” نوعين من الإجازة، الأول إجازة تطبيقية، والثاني إجازة أساسية، حيث تعمد الإجازة التطبيقية وفق منطوق القائمين على الشأن التربوي في تونس إلى تمكين الطلبة من الالتحاق بسوق الشغل عبر تسهيل الاندماج التدريجي فيها من خلال تركيزها على الأنشطة التطبيقية واحتوائها على تدريبات وتربصات يقوم بها الطالب في الوسط المهني قصد تعزيز تشغيلية حاملي هذه الإجازة في القطاعين الخاص والعام.

أمّا بالنسبة للإجازة الأساسية فتمكن الطلبة المحرزين عليها من الالتحاق بسوق الشغل إما مباشرة أو بعد تلقي تكوين متخصص للغرض كما تمكن الطلبة المتميزين من التسجيل في شهادة الماجستير المهني وشهادة ماجستير البحث. وبعد عقد كامل من اعتماد “إمد” كانت النتائج على غير المأمول، فالمنظومة التعليمية التي كان يراد منها أن تستوعب الشهادات العلمية المستعصية على التشغيل وأن تجسر الهوّة الكبرى بين كينونة التكوين من جانب وإمكانيات التوظيف من جانب ثان، بان فشلها الذريع…

مجموعة من الإصلاحات ستدخل ضمن منظومة التكوين الجامعي في السنة الدراسية القادمة على رأسها تغيير صيغة الجامعات

وعوضا عن الحصول على مخرجات كامنة في شباب يتمتّع بـ”تعليم تطبيقي ووظيفة وفق محددات التدريس” أفرزت السياسات التعليمية في تونس شبابا نصف متعلّم سرعان ما انضمّ إلى قوافل العاطلين عن العمل من الحائزين على الشهادات العليا” بعد أن بان بالكاشف البون الكبير بين طبيعة الشهادات من جهة وحاجيات السوق من جهة ثانية.

في هذا الإطار، يعتبر الكثير من المهتمين بالشأن التعليمي في تونس أنّ منظومة “إمد” تمّ إقرارها دون إجراء أي دراسة لطبيعة السوق وما تقتضيه من تخصصات تعليمية تتلاءم مع حاجياتها التوظيفية.

وهو الأمر الذي أفضى إلى غلبة المقاربة الكميّة في إطلاق الإجازات وتوزيع الشهادات على المقاربة الكيفيّة، حيث يكشف الشاذلي سوقه عضو اللجنة الوطنية لإصلاح التعليم العالي عن إنشاء نظام إمد لأكثر من 1000 شهادة علمية في تخصصات مختلفة لا يستجيب معظمها لحاجيات السوق، الأمر الذي يدفع نسبة معتبرة من الطلبة إلى الالتحاق بالماجستيرات المهنية التي تحوّل الشريحة الأوسع من أصحابها إلى مجرّد أرقام إضافية في نسب “الأدمغة العاطلة”.

ويعتبر وزير التعليم العالي سليم خلبوس من جهته، أنّ فشل منظومة إمد يعود إلى آليات ومسلكيات التطبيق وليس إلى المنظومة بحدّ ذاتها التي نجحت في أكثر من دولة في العالم، حيث أرجع الفشل، الذي وصفه بالنسبيّ، إلى صعوبات عرفتها منظومة إمد على مستوى فترة التدريب للحياة المهنية والتنقل بين المؤسسات وإلغاء المواد الاختيارية، مؤكدا تمسّك تونس بالمنظومة التعليمية ذاتها.

وسعت الدولة التونسية في العام الدراسي 2010 - 2011 إلى إدخال بعض الإصلاحات على المنظومة بعد أن اتضح عدم “تبيئتها” مع الواقع المحليّ، إذ لامست التحويرات ساعات تدريس اللغات الأجنبية وإمكانية تعديل المسارات بين الإجازات، ولكنّ النتيجة النهائية كانت دون المأمول كمّا ونوعا.

ويبدو أنّ وزير التعليم العالي سليم خلبوس قد استبق اللجنة الوطنية لإصلاح التعليم العالي التي ستصدر تقريرا نهائيا خلال الفترة المقبلة يتضمن توصيات عديدة من المقرر تطبيقها خلال السنة الجامعية 2018 –2019، حيث تشير مصادر مطلعة إلى أنّ مجموعة من الإصلاحات ستدخل ضمن منظومة التكوين الجامعي انطلاقا من السنة الدراسية القادمة على رأسها تغيير صيغة الجامعات من مؤسسات عمومية ذات صبغة إدارية إلى مؤسسات عمومية ذات صبغة غير إدارية، وتمكينها من الإدارة الذاتية لأنشطتها مع تمكينها من خلال صبغتها الجديدة من آليات التمويل الذاتي ومن إقرار التعاقد بينها وبين الدولة. إضافة إلى توفير سبل الشراكة بين الجامعات ومؤسسات التعليم العالي من جهة، والمؤسسات الاقتصادية والجامعات الأجنبية من جهة أخرى.

وزير التعليم العالي سليم خلبوس يعتبر أنّ فشل منظومة إمد يعود إلى آليات ومسلكيات التطبيق وليس إلى المنظومة بحدّ ذاتها

كذلك ضبط مهام التعليم العالي والبحث العلمي في إسداء التكوين الحضوري والتكوين عن بعد، والتكوين المستمر، والتكوين بالتداول، والتكوين حسب الطلب، وتوفير فرص التعلم مدى الحياة.. ودعم تشغيلية الخريجين في نطاق الشراكة بين الجامعة والمحيط الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، والقيام بالبحث العلمي وتطويره وتنظيمه والمساهمة في التجديد التكنولوجي وتوظيف نتائج البحوث في مجالات التكوين والتنمية والاقتصاد.

يذكر أنّ اللجنة الوطنية للإصلاح والمتكونة من عشر لجان متنوعة يقودها رؤساء الجامعات قد انكبت منذ تشكيل حكومة يوسف الشاهد على وضع إستراتيجية كاملة لإصلاح التعليم العالي ستعلن عن تفاصيلها خلال مؤتمر وطني في موفى العام 2017.

واللجان هي “الجودة والاعتماد” و“الانفتاح على المحيط والتشغيلية” و“الهيكلة والحوكمة” و“التثمين والعولمة” و“استقلالية الجامعة” و“حوكمة الإدارة” و“الخارطة الجامعية واندماجها في محيطها” و“الحياة الجامعية” و“الأستاذ والنظام الأساسي والتكوين والتقييم” و“طرق التكوين الحديثة”.

وعلى الرغم من انتظارات المهتمين بالشأن الجامعي في تونس لمؤتمر الإصلاح الشامل فإنّ عدّة مؤشرات لا تنبئ بخير بحسب مختصين، ذلك أنّ العلاقة المأزومة بين وزير التعليم العالي ومجالس الجامعات على خلفية تأجيل الانتخابات الجامعية إضافة إلى الاتهامات الموجهة إلى خلبوس بالاستئثار بالقرارات الحساسة وعدم تبنيه مسارا تشاركيا مع كافة الأطراف المتدخلة في المنظومة التعليمية، كلها مقدمات قد تفضي إلى استعصاء في المشهد الجامعي قد يحول دون تطبيق إصلاحات هيكلية باتت الجامعة التونسية في أمسّ الحاجة إليها.

يضاف إلى ذلك راهن الجامعة التونسية التي تعاني من هجرة مستمرة للأساتذة الجامعيين من الصنفين أ و ب، ما جعلها تفقد الكثير من الكفاءات التعليمية سيما على مستوى تأطير الماجستير والدكتوراه، الأمر الذي حوّل الجامعات التونسية إلى شبه مراكز للتكوين أكثر منها معاقل لإنتاج المعرفة ومنابر تأصيل الثقافة ومصاعد للتنمية الاجتماعية. وتدخل الجامعة التونسية اليوم استحقاق الإصلاح الضروري، ذلك أنّ الأدوار الاجتماعية والفكرية والتاريخية والسياسية التي تلعبها تتجاوز بعدها الاقتصادي الضيّق الكامن في ثنائية العرض والطلب.

وبات النجاح في الإصلاح ضرورة لتجاوز عوائق الاقتصاد ومزالق التسرّب المدرسي والجامعي الذي يمثّل رأس الكوارث الاجتماعية والنفسية، والأهم من كل ذلك الانتصار في معركة التنمية الفكرية وفي حروب الوعي ضدّ التيارات المتشددة والتكفيريّة.

17