إصلاح منظومة التعليم العربي: استثمار في المستقبل

السبت 2015/01/17
لايمكن تأهيل جيل بأوضاع دراسية مزرية كما يحصل في مدارس العراق اليوم

القاهرة – لطالما كان مقياس تفوق دولة ما ونهضتها، مشروطا بامتلاكها لقاعدة تعليمية صلبة ومتفوقة، وهو ما يستلزم منها المزيد من العمل الدؤوب والجهود المستمرة لتطوير بنيتها التعليمية. غير أنّ هذه القاعدة العامة يبدو أنها لم تجد صدى فعليا لها لدى البلدان العربية التي تفيد الأرقام والإحصائيات بأنها تعاني أزمة تعليمية حقيقية تبعث على القلق، في ما يتعلق بمستقبلها العلمي والتقني والتربوي عموما، ممّا بات يفرض عليها أن تسارع بتوحيد جهودها من أجل صياغة الحلول اللازمة التي من شأنها أن تحول دون تقهقرها.

تزايد الاهتمام بشأن جودة التعليم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في السنوات الأخيرة، حين سجلت معظم بلدان المنطقة التي شاركت في تقييمات دولية وقتها، مثل دراسة الاتجاهات الدولية للرياضيات والعلوم، نقاطا أقل من بلدان في أميركا اللاتينية أو أوروبا وآسيا الوسطى، وأقل بكثير من بلدان في شرق آسيا.

وحتى ذلك الوقت، كان صانعُو السياسات في المنطقة يربطون بين التعليم الوطني والمصلحة الوطنية، وكانوا يبعدونه عن أي عمليات فحص خارجية أو تعاون إقليمي. وقد تغير هذا الموقف مع إدراك أن ضعف نتائج دراسة الاتجاهات الدولية للرياضيات والعلوم يعكس مشاكل خطيرة تتطلب نهجا جديدا ومختلفا.


كيف تشخص المشكلة؟


يُعاني التعليم في العالَم العربي من أزمةٍ خطيرة للغاية، خاصة أنه يمكن وصفها بـ”المزمنة”. أزمة أضحى من الصعب حلُّها بسبب تفشِّي أسبابها وتوغُّلها في جلّ المؤسسات العلمية الموجودة في كلّ الدول العربية، حيث أشارت تقارير دولية عدة على مدى السنوات الماضية، أنّ المنطقة العربية تعدّ أكبرُ “بؤرة للأمِّيَّة في العالَم”، وأنّ الجامعات العربية لم يكن لأيٍّ منها مكانٌ في الجامعات الـ100 الأعلى نجاحا في العالم.

الحلول التي يمكن اقتراحها لرسم السياسات المطلوبة لإصلاح النظام التعليمي ينبغي أن تتم في إطار العمل المشترك

من جهتها، حدَّدت منظمة اليونسكو مشكلةَ التعليم في الوطن العربي من خلال برنامج التعليم في العالَم العربي لدى منظمةِ الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، وقد وضع البرنامجُ هذه المشكلات في تقريره الذي أوضح أن مشكلات التعليم في الوطن العربي تختلفُ من دولة لأخرى، فهناك فرقٌ بين دول الخليج والدول العربية الواقعة في قارة أسيا، والدول العربية الواقعة في أفريقيا، وفروق بين الدول الواقعة في شمال أفريقيا والأخرى الواقعة في الجنوب.

وتتمثل تلك الفروق في إمكانات تلك الدول المادية، كما تتلخص بعض المشكلات الأخرى في طغيان الطابعِ النّظري والمناهج النظرية في المنظومات التعليمية، كما أن الأساليب المستخدمة في التطبيق بدائية جدًّا وتقليدية، بالإضافة إلى عدم قدرةِ الطلاب على الاستفادة من المحتوى التعليمي المقدَّم لهم. فيتم تخريجهم من ثمة وهم ليسوا على دراية بما يجب أن يفعلوه بعد التخرُّج.

في ذات السياق، أشار التقرير إلى أنّ هناك قلّة نسبية في استكمال التّعليم في الدول العربية بسبب عدم وجود فرص عمل مناسبة للخريجين، وهناك أيضا تكدُّس في المناهج التعليمية والاعتماد على التلقين المستمر، وإهمال جانب التطبيق العملي لتلك المناهج. ويُسجّل كذلك عامل خَطِر آخر وهو عدم الاهتمام بدور الكتب والمعامل العلمية والمكتبات، كما أن عددهم غيرُ كافٍ لكل الطلاب الموجودين في المدارس.

هذا بالإضافة إلى استخدام العنف ضدّ الطلاب؛ مما أدًّى إلى ضعف انتمائهم وحبّهم لاستكمال العملية التعليمية، وأخيرا عدم وجود الشخص المناسب في المكان المناسب داخل المنظومة التعليمية، ويتمثَّل ذلك في أنّ رؤساء الإدارات التعليمية غير متخصّصين أصلا في المجال التعليمي.

بدوره، كشف تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالتعاون مع مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم عن أنّ التعليم في كثير من الدول العربية يعيش حالة صعبة، وسيفضي إلى تداعيات سلبية على صعيد المستقبل العلمي والتقني للأجيال العربية اللاحقة، خصوصا إذا لم تقم تلك الدول بتبني إستراتيجيات تعليمية جديدة.

أهم ما جاء في تحذير البنك الدولي
حذر البنك الدولي في تقريره الذي صدر مؤخرا من تخلف التعليم في العالم العربي، ومن أهم ما جاء في هذا التقرير ما يلي:

* مستوى التعليم في الوطن العربي متخلف بالمقارنة بالمناطق الأخرى في العالم.

* يحتاج نظام التعليم العربي إلى إصلاحات عاجلة لمواجهة مشكلة البطالة وغيرها من التحديات الاقتصادية.

* على الرغم من أن معظم الأطفال في العديد من الدول العربية استطاعوا الاستفادة من التعليم الإلزامي، وتقلصت الفجوة بين تعليم الجنسين، إلا أن الدول العربية ما زالت متخلفة عن كثير من الدول النامية في هذا المجال.

* خصصت الدول العربية 5 بالمئة فقط من إجمالي الناتج المحلي، و20 بالمئة من إجمالي الإنفاق الحكومي على التعليم خلال الأربعين سنة الماضية.

* توجد فجوات كبيرة بين ما حققته الأنظمة التعليمية في العالم العربي، وبين ما تحتاجه المنطقة في عملية التنمية الاقتصادية.

* أحد أسباب ضعف العلاقة بين التعليم وضعف النموالاقتصادي هو انخفاض مستوى التعليم بشكل كبير.

التقرير كشف عن عدد من الإحصائيات المتعلقة بوضعية التعليم في البلدان العربية، أهمها أنّ نحو تسعة مليون طفل في سن التعليم الابتدائي لا يلتحقون بالمدرسة، كما أن زهاء 45 بالمئة من السكان لا يلتحقون بالمدارس الثانوية، لا فتا إلى أنّ أكثر من 40 بالمئة من جيل الشباب ممّن تتراوح أعمارهم بين 15 و25 عاماً، في سبعة بلدان عربية، لم يتجاوزوا عتبة التعليم الأساسي. ورغم أنّ الدول العربية كانت قد أنفقت حوالي 5 بالمئة من ناتجها المحلي الإجمالي و20 بالمئة من ميزانيتها العامة على مدى السنوات الـ 40 الماضية على التعليم، إلاّ أنّ ثلث السكان البالغين فيها (أي حوالي 60 مليون شخص) ما زالوا أميّين (ثلثان منهم من النساء).

من جهة أخرى، أشارإلى أنّ سبع دول عربية فقط (دول مجلس التعاون الخليجي وليبيا)، والتي تشكل 15 بالمئة من عدد سكان المنطقة العربية، تقع في فئة الدول ذات التنمية البشرية العالية. ففي حين حققت دول الخليج العربي أعلى نسب في مجال بلوغ الأهداف التنموية للألفية، ما زالت بعض الدول العربية الأخرى عاجزة عن بلوغ تلك الأهداف بحلول عام ،2015 وهو العام الذي تم تحديده لبلوغها وفق ما نصّ عليه الإعلان الدولي المتعلق بها.

وفي سياق مُتّصل توصل التقرير إلى أنّ حوالي نصف المجتمعات العربية لم يتمكن من تحقيق معدلات التحاق بالتعليم مرضية عند جيل الأطفال الحاليين، خاصّة مع وجود نحو تسعة مليون طفل في الدول العربية خارج المدارس. ومن ثمة اُختتم بالإشارة إلى أنّ نسبة الاستثمارات في مجال البحث العلمي والتطوير، لا تتجاوز 0.3 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي وأنّ نسبة 97 بالمئة من البحوث العلمية في الدول العربية تعتمد على التمويل الحكومي.


أي أهمية للعمل المشترك؟


في عام 2010، قام وزراء التعليم في بلدان المنطقة جميعا بتوجيه دعوة من أجل تحسين جودة التعليم بشكل مشترك من أجل مجابهة التحديات المشتركة بدورها، حيث أنّ التعاون يمكن أن يحقق الكثير في هذا المجال. وقد كانت هذه هي البداية لوضع الأجندة العربية الإقليمية لتحسين جودة التعليم، وهي شبكة أعدها البنك الدّولي بالاشتراك مع منظمة التعليم والعلوم والثقافة التابعة للجامعة العربية، ومقرها تونس. وتجمع هذه الشبكة خبراء يعقدون ورشات عمل ويعدون التقارير عن مشاكل إقليمية وفق وجهات نظر متعددة. وتتركز المحاور التي يتم التطرق لها حول؛ التقييم، تنمية الطفولة المبكرة، المناهج، الابتكار وتكنولوجيا المعلومات والاتصال والمدرسون والعمل الحر، باعتبارها أساسا للمساهمة في تحسين الجودة.

وفي هذا السياق، فقد اتضحت منافع التعاون في اجتماعات البرنامج العربي لتقييم التعليم وتحليل السياسات (APEEPA) التي عقدت في الكويت خلال شهر نوفمبر الماضي. وقد حضر أول اجتماع من نوعه في المنطقة نحو 85 من صانعي السياسات والخبراء من حكومات بلدان المنطقة بمـا فيها بلدان موريتانــيا والصـومال وجزر القـمر.

وكان الهدف الرئيسي للاجتماع هو عرض نتائج تقرير التخطيط الإقليمي عن تقييم الدول العربية، وهو يجمع تقارير من كل بلد في المنطقة باستخدام بيانات نسبية تستند إلى دراسة للبنك الدولي حول تقييم أنظمة أداء الطلاب. ويستعرض التقرير سياسات التعليم في 17 بلدا من بلدان المنطقة العربية.

9ملايين طفل عربي في سن التعليم الابتدائي لا يلتحقون بالمدرسة

وقد خلص إلى أنه في الغالب يتركز الإهتمام على الاختبارات الوطنية في نهاية العام الدراسي وعلى الموضوعات الأكاديمية التقليدية مثل الجبر والنحو. ولم تتمّ حتى الآن الاستفادة من التقييم في قاعة الدراسة، والذي يصمم لتزويد الطلاب بملاحظات تطور أداءهم، أو من الاختبارات الدولية أو غيرها من التقييمات، والتي يمكن أن تقدم بيانات تثري عملية تدوير التعليم.

من جهة أخرى، تؤكد نتائج التقرير الجديد، النتائج التي توصّل إليها تقرير “وظائف من أجل الرخاء المشترك”، الذي أصدره البنك الدولي عام 2013، والتي أفادت بأن الأنظمة التعليمية في بلدان المنطقة يسودُها “منطق الاختيار” -وهو ما يتضح في التتبع الصارم للطلاب في بداية المرحلة الثانوية والدور المحوري لاختبارات ذات درجات عالية- بدلا من “منطق التعلُّم”. أمّا الجهود الرامية إلى خلق اقتصاد المعرفة، ومجتمع له قاعدة معرفية عن طريق التعليم، فتجري عرقلتها بتقليد الامتحانات الوطنية التي ثبتت الصعوبة الشديدة في تغييرها.

بعبارة أخرى، أفاد التقرير بأنّ أداء المنطقة العربية سيتحسن إذا وحّدت نشاطاتها وعملها عموما، وتفصيلا إذا ابتعدت عن الأنظمة التعليمية الانتقائية التي تطلب انعكاس سنوات التعليم بأكملها خلال نتائج اختبارات قليلة. وبدلا من ذلك، يمكنها استخدام التقييمات المرجعية لمساعدة الطلاب والمدرسين ومديري المدارس على فهم ما تعلمه الطلاب وما لم يتعلموه أثناء العملية التعليمية.


هل من حلول؟


في ما يتعلق بإيجاد حلول كفيلة بإنهاء هذه الوضعية المتأزمة التي يعيشها التعليم في الوطن العربي، سبق للجامعة العربية أن أعلنت رفقة المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، أنّ الحلول والاستجابات التي يمكن اقتراحها لتحديد ورسم السياسات المطلوبة لإصلاح النظام التعليمي العربي وتقرير طبيعة الرؤية وأوجه الإصلاح ينبغي أن تنبع من الحوار بين البلدان العربية وفي إطار العمل العربي المشترك، ولا يمكن أن يتم فرضها واقتراحها من الخارج.

ضعف التعليم سيفضي إلى تداعيات سلبية على صعيد المستقبل العلمي والتقني للأجيال العربية اللاحقة

كما أنّ التعليم في الوطن العربي يتوفر على رصيد زاخر من التجارب والإبداعات في الحقل التربوي، وعلى أطر مرجعية واستراتيجيات يجب أخذها بعين الاعتبار كمصادر للحلول وللسياسات الناجعة القادرة على مواكبة التطور. وبذلك فإنه لا ضير في اعتماد صيغ التجارب الناجحة في البلدان المختلفة، شرط إخضاعها وتطويعها للمطابقة التاريخية ولخصوصية البلدان العربية.

هذا المنهج العام الذي يوضح ملامح الطريق التي يجب أن تسلكها البلدان العربية من أجل تحسين وضعها التعليمي، تدعمه رؤية تفصيلية لأستاذ التربية بجامعة عين شمس، حسن عبدالمقصود، الذي قال “إنّ معالجة مشاكل التعليم في البلدان العربية تتطلب مراجعة هيكلية شاملة تبدأُ من الأسرة المُطالبةِ بأن تربي أبناءها على إيلاء التعليم والمدرسة أهميتهما اللازمة. كما أن المدرسة في المراحل الابتدائية لها دور كبير أيضًا في نفس الاتجاه”.

من ثمة يؤكد على “ضرورة تشديد الرَّقابةِ على المدرِّسين وعلى العملية التعليمية من جانب الدولة، لأن استقامة العملية التعليمية ستؤدي إلى استقامة الدولة ككل وتفضي إلى تقدُّمِها، وبالمقابل فإنّ إعوجاجها سيعود بالضرر على الدولة ككل وعلى كل المؤسسات، وتأتي تلك الرقابة من خلال المتابعة وعقاب المقصِّرين ومكافأة المدرِّسين من ذوي الكفاءة وما إلى غير ذلك، كما أنه يجب رفع رواتب المعلِّمين حتى يساعدهم ذلك على إعطاء العملية التعليمية كلّ ما بوسعِهم، إلى جانب الاهتمام بالمناهج التعليمية وتحويلِها من مناهجَ نظريةٍ عقيمةٍ إلى مناهج عملية.

6